التضحية بيايا توريه من أجل شاب مغمور
في صيف 2008، اتخذ المدرب الشاب بيب غوارديولا قراراً صدم عشاق
برشلونة. قرر إجلاس "الوحش" العاجي يايا توريه - الذي كان في قمة عطائه البدني
- على مقاعد البدلاء، ليدفع بشاب نحيل، طويل القامة، ومجهول تقريباً من فريق الرديف
يدعى سيرجيو بوسكيتس.
البداية كانت كارثية؛ خسر برشلونة أمام نومانسيا ثم تعادل مع
راسينغ سانتاندير. بدأت السكاكين تُشحذ ضد بيب: "كيف تضحي بقوة توريه من أجل هذا
الشاب البطيء؟". لكن في المباراة الثالثة أمام سبورتينغ خيخون، حدث التحول. برشلونة
فاز 6-1، ولكن القصة كانت في "الإحصائيات الصامتة" لبوسكيتس:
·
دقة التمرير:
95% في أول مشاركة أساسية كاملة.
·
استعادة
الكرة: كان يستعيد الكرة دون أن يلمس جسد الخصم، فقط بالتوقع.
·
التحرك:
كان يقطع أكبر مسافة في الملعب بأقل مجهود بدني ظاهر.
هنا أدرك الجميع أن غوارديولا لم يجد لاعباً فحسب، بل وجد
"البوصلة" التي سيُبنى عليها أفضل جيل في تاريخ كرة القدم، لم يكن دوره مجرد
افتكاك الكرة، بل تنظيم أول تمريرة بعد الاسترجاع. كان يتراجع بين قلبي الدفاع لبدء
البناء، ثم يتقدم بخطوة ليغلق زوايا التمرير عند فقدان الكرة. هذه القدرة على التحول
السلس بين المرحلتين الدفاعية والهجومية كانت مؤشرًا على ولادة مفهوم جديد لرقم 6.
المركز 6: من "المدمر"
إلى "المهندس"
الحارس الأول أمام الدفاع
قبل التحول الكبير الذي شهده هذا الدور لاحقًا، كان المركز رقم
6 يُفهم بطريقة واضحة وبسيطة: لاعب مهمته الأساسية حماية الدفاع. تمركزه يكون أمام
قلبي الدفاع مباشرة، ليشكل درعًا أوليًا يوقف أي محاولة اختراق عبر العمق.
تقليديًا، كان هذا اللاعب يُختار بناءً على صفاته البدنية قبل
أي شيء آخر. القوة في الالتحامات، الشراسة في افتكاك الكرة، والقدرة على الفوز بالصراعات
الثنائية كانت عناصر أساسية في تقييمه. دوره يبدأ عندما يفقد الفريق الكرة؛ يضغط فورًا
على حاملها، يقطع خطوط التمرير، ويُبطئ التحولات الهجومية للمنافس.
المتطلبات الكلاسيكية للمركز 6
·
صلابة
عالية في المواجهات الفردية
·
قدرة
مستمرة على استرجاع الكرة
·
تمركز
منضبط أمام خط الدفاع
·
تمريرات
قصيرة وآمنة دون مخاطرة
في هذا النموذج، كان التركيز على “الحماية” أكثر من “البناء”.
بمجرد افتكاك الكرة، لا يُطلب من لاعب الارتكاز صناعة اللعب أو كسر خطوط الخصم بتمريرات
تقدمية، بل تمرير الكرة لأقرب لاعب وسط أكثر إبداعًا. الهجوم يبدأ من لاعب آخر، أما
هو فمهمته تنتهي عند استعادة الاستحواذ وتأمين التوازن.
لماذا سُمّي بـ “المدمر”؟
لأن وظيفته الأساسية كانت إفساد لعب الخصم. لاعب بمواصفات بدنية
قوية، يتدخل بقوة، يغلق المساحات، ويكسر الإيقاع. نماذج مثل كلود ماكيليلي أو جينارو
غاتوزو جسّدت هذا الدور بوضوح: ضغط مباشر، تدخلات حاسمة، وتمريرات بسيطة تحافظ على
الأمان التكتيكي.
باختصار، قبل التحولات الحديثة، كان المركز 6 يُقاس بقدرته على
التدمير لا على الإبداع. لاعب دفاعي بالدرجة الأولى، وظيفته تأمين العمق ومنح الحرية
لصناع اللعب أمامه.
كيف قلب بيب جوارديولا الطاولة
بـ سيرجيو بوسكيتس؟
بفضل عبقرية بيب غوارديولا وهدوء سيرجيو بوسكيتس، تحول المركز
رقم 6 من "خندق دفاعي" إلى "غرفة عمليات". لم يعد الارتكاز هو
اللاعب الذي يركض خلف الكرة، بل أصبح اللاعب الذي تتحرك الكرة والخصوم وفقاً لإشارته.
بوسكيتس لعب كـ محور متأخر (Deep-Lying
Pivot)، أي اللاعب الذي يتمركز أمام الدفاع لكن بعقلية
صانع لعب خفي، يدير الإيقاع ويحدد اتجاه الهجمة.
التشريح التكتيكي: كيف يمتص بوسكيتس الضغط؟
1. خداع النظر (The
Look-Away Pass)
من أبرز أدوات بوسكيتس قدرته على التمويه. يوجّه جسده ونظره
نحو جهة معينة، فيتحرك ضغط الخصم جماعيًا نحو تلك المنطقة. في اللحظة نفسها، يمرر كرة
كاسرة للخطوط إلى الجهة العكسية.
هذه الحركة البسيطة تُفكك تكتلات كاملة. هو لا يمرر فقط، بل
يحرّك الخصم أولًا ثم يستغل الفراغ الناتج. التمريرة هنا ليست تنفيذًا ميكانيكيًا،
بل قرارًا مبنيًا على جذب الخصم ثم ضربه في المساحة الخالية.
2. مقاومة الضغط (Press
Resistance)
عند مواجهة ضغط عالٍ، أول اسم يبحث عنه المنافس هو بوسكيتس.
لكنه لا يتخلص من الكرة بسرعة خوفًا من الخطأ، بل يفعل العكس تمامًا.
ينتظر اقتراب اللاعب الضاغط، يثبّت جسده، ثم بحركة خفيفة — مراوغة
قصيرة بالجسم أو سحبة بسيطة للكرة — يخرج من الموقف بلمسة واحدة. هو لا يهرب من الضغط،
بل يستدرجه.
بهذه الطريقة، يتحول الضغط من سلاح ضد فريقه إلى فرصة لكسر التنظيم
الدفاعي للمنافس.
3. مبدأ المركزية واستعادة الكرة بالتمركز
دفاعيًا، لم يكن بوسكيتس لاعب تدخلات عنيفة. قوته كانت في التوقع.
بدلًا من مطاردة حامل الكرة، يضع نفسه في مسار التمرير المتوقع.
هذا ما يُعرف بمبدأ Interception over
Tackling: استعادة الكرة عبر قطع التمريرات بدل الدخول
في التحامات. النتيجة؟ الفريق يحافظ على شكله التنظيمي، ولا يفتح مساحات خلفه بسبب
اندفاع غير محسوب.
تمركزه الذكي كان يسمح له بإغلاق العمق، وفي الوقت نفسه تغطية
أنصاف المساحات خلف الأظهرة المتقدمة، وهو ما منح لاعبين مثل تشافي و إنييستا
حرية هجومية كاملة.
التطور الذي أحدثه بوسكيتس في
عالم التكتيك
بفضل هذا التحول، تغيرت معايير اختيار لاعب الارتكاز في الأندية
الكبرى:
1-
اللعب
تحت الضغط لم يعد مقبولًا أن يفقد الرقم 6 الكرة عند
أول ضغط. أصبح مطلوبًا منه استقبال الكرة وظهره للملعب، ثم الخروج بها بلمسة أو لمستين.
2-
المشاركة
في البناء (Build-up Play) أصبح
لاعب الارتكاز هو نقطة البداية في عملية البناء، يتراجع أحيانًا بين قلبي الدفاع أو
يستلم الكرة منهما لبدء الهجمة، فيما يُعرف بأسلوب Salida
Lavolpiana. هو من يحدد سرعة اللعب واتجاهه.
3-
تغطية
المساحات النصفية مع تقدم الأظهرة، تظهر مساحات
خلفهم. بوسكيتس أتقن تغطية هذه المناطق دون أن يترك العمق مكشوفًا، مما حافظ على التوازن
بين الهجوم والدفاع.
باختصار، ما فعله جوارديولا ببوسكيتس لم يكن
مجرد تعديل في مركز، بل إعادة تعريف كاملة للرقم 6. تحول من لاعب يكسر اللعب إلى لاعب
يبنيه. من “مدمر” إلى “مهندس” يدير المباراة بعقله قبل قدميه.
⚠️
الأخطاء الشائعة في فهم دور سيرجيو بوسكيتس
رغم المكانة التكتيكية الهائلة التي وصل إليها سيرجيو بوسكيتس،
فإن الفهم الشعبي والسطحي لدوره غالبًا ما يقع في عدة مغالطات كبيرة. هذه الأخطاء تأتي
من قياس دوره بأطر قديمة أو تطبيق مؤشرات إحصائية لا تعبّر عن جوهر ما يفعله في الملعب.
1- لا يفعل شيئًا يُذكر على أرض الملعب:
يُنظر إلى بوسكيتس أحيانًا كلاعب يبدو بلا تأثير واضح في اللحظات الكبيرة لأن ليس لديه
أرقام مذهلة في التدخلات أو السرعات. لكن دوره الحقيقي هو تنظيم اللعب من العمق وتحويله
لصناعة الفرص قبل أن تظهر الإحصائيات الكبيرة — لذلك يُعتبر أسلوبه صعب القياس عبر
الأرقام التقليدية، كما قال ديل بوسكي عليه " عندما تشاهد المباراة، لن ترى
بوسكيتس .. وعندما تشاهد بوسكيتس سوف ترى تفاصيل المباراة كاملة"
2- خرافة "اللاعب البطيء":
بوسكيتس قد يكون بطيئاً في سباق 100 متر، لكنه أسرع لاعب في العالم في "توقع مسار
الكرة". هو لا يحتاج للركض سريعاً لأنه موجود بالفعل في المكان الصحيح قبل وصول
الكرة. وكما يقول كرويف: "كرة القدم لعبة تُلعب بالعقل، وقدمك موجودة فقط لمساعدتك".
3- ليس دفاعيًا حقيقيًا:
كثير من الناس يقارنون بوسكيتس بلاعبين يعتمدون على القوة أو الالتحامات المباشرة،
لكنه في الواقع يعتمد على التمركز الاستباقي وقطع خطوط التمرير بدل التدخلات العنيفة.
هذا التوقع المسبق يسمح له باستعادة الكرة وتحويلها بسرعة دون إفساد تنظيم الفريق.
أكبر خطأ في فهم دور بوسكيتس هو محاولة قياسه بمقاييس لاعبي
ارتكاز تقليديين. هو لا يصفّ الكرة فحسب، بل يرسم مجرى اللعب من العمق، يمتص الضغط،
ويخلق المساحات لزملائه من دون كرة — وهذه أدوار لا تُرى بالعين المجردة بسهولة، لكنها
تظهر تأثيرها في بناء اللعب والسيطرة على الإيقاع العام للمباراة.
🚩 الخاتمة: حين أصبح العقل هو المحرك
لم
يكن رحيل سيرجيو بوسكيتس عن الملاعب الأوروبية مجرد نهاية لمسيرة لاعب، بل كان إعلاناً
رسمياً عن اعتماد "جينات" جديدة للمركز رقم 6. بفضل ما زرعه غوارديولا في
عقل بوسكيتس، تحول هذا المركز من وظيفة "عامل هدم" إلى وظيفة "مهندس
معماري" يدير المشروع من القاع.
التحول كان واضحًا: الرقم 6 الجديد
يجب أن يستطيع استلام الكرة تحت الضغط، تدوير اللعب بسرعة، كسر الخطوط بتمريرة واحدة،
وتحديد إيقاع المباراة. لم يعد مقبولًا أن يختبئ خلف زملائه عند البناء، بل أصبح هو
نقطة البداية في كل شيء.
ظهر جيل كامل يسير على هذا النهج. في
أياكس، برز فرينكي دي يونج كلاعب محور قادر على حمل الكرة وتجاوز الضغط بنفسه، وهو
أحد الأسباب التي دفعت برشلونة للتعاقد معه؛ لأنه يمثل التطور الطبيعي لفكرة الارتكاز
الذي يبدأ الهجمة بنفسه.
وفي مانشستر سيتي، أصبح رودري الامتداد
الحديث لهذا الدور: لاعب يوازن بين الصلابة الدفاعية والتحكم الكامل في نسق اللعب،
ويمنح فريقه تفوقًا عدديًا دائمًا في العمق.
تكتيكيًا، المركز 6 اليوم هو مفتاح
السيطرة. هو من يخلق زاوية التمرير الثالثة في البناء، هو من يملأ أنصاف المساحات عند
تقدم الأظهرة، وهو من يحدد متى يهدأ اللعب ومتى يتسارع
بدأ كتجربة تكتيكية مع بوسكيتس تحوّل
إلى معيار عالمي. لم يعد السؤال: “هل لاعبك الارتكاز قوي في الالتحامات؟” بل أصبح:
“هل يستطيع إدارة المباراة بعقله؟”
وهنا تكمن الثورة الحقيقية في مركز رقم 6.
المصادر
1.
بوسكيتس:
ثورة ابتكار لاعب الارتكاز