في عالم كرة القدم، لا يوجد ما هو أقسى من أن ترى "فناناً"
يُجبر على ترك مسرحه وهو في قمة عطائه. هناك لاعبون لم تهزمهم خطط المدربين، ولم يوقفهتم
مهارة المدافعين، بل سقطوا أمام عدو لا يرحم يسكن داخل أجسادهم: الإصابات اللعينة.
في تاريخ اللعبة الحديثة، ظهرت مواهب بدت وكأنها ستعيد تعريف
مراكزها، تحطم الأرقام، وتبقى في القمة لعقد كامل. لكن الإصابات كانت أقوى من الأحلام.
كم موهبة ولدت لتُحطم الأرقام، وكم هداف كان على موعد مع الخلود، ثم توقفت الحكاية فجأة عند صرخة ألم أو ركبة لم تعد كما كانت. بعضهم حقق بطولات، بعضهم لمس المجد، لكن الحقيقة المؤلمة أن ما رأيناه ربما كان نصف القصة فقط. لا أحد يعلم أين كانت ستصل أقدامهم لو استمروا بلا انقطاع، ولا كم رقمًا كان سيسقط، ولا أي مكانة كانوا سيحتلون في تاريخ اللعبة. الإصابات لم تمنعهم من النجاح فحسب… بل سرقت منهم “النسخة الكاملة” التي لم تُمنح لنا فرصة مشاهدتها أبدًا.
سيباستيان دايسلر… الحلم الألماني الذي انطفأ
في مطلع الألفية، وبينما كانت كرة القدم الألمانية تمر بواحدة
من أظلم فتراتها التاريخية، بزغ ضوء باهر من نادي هرتا برلين يدعى سيباستيان دايسلر.
لم يكن دايسلر مجرد لاعب موهوب، بل كان "الحلم الألماني" المنتظر؛ صانع ألعاب
يمتلك قدماً يمنى ترسم التمريرات بدقة المشرط، ورؤية للملعب تسبق رفاقه بسنوات، وقدرة
فائقة على تنفيذ الكرات الثابتة جعلت الجميع يلقبه بـ "المنقذ" الذي سيعيد
هيبة "المانشافت" الضائعة.
انتقل دايسلر إلى بايرن ميونخ في عام 2002 وسط ضجيج إعلامي هائل
وتوقعات بلغت عنان السماء، لكن جسده كان يخبئ له سيناريو مأساوياً. بدأت لعنة الركبة
تطارده بلا هوادة، فخضع لـ 5 عمليات جراحية معقدة قبل أن يتم عامه الخامس والعشرين.
لم تكن الطعنات في جسده فقط، بل كانت في روحه أيضاً؛ حيث تحول الضغط النفسي الرهيب
لكونه "أمل أمة كاملة" إلى اكتئاب حاد لم يستطع الهروب منه.
الذروة الدرامية لقصة دايسلر لم تكن في تعثره داخل الملعب، بل في شجاعة إعلانه النهاية؛ ففي عام 2007، وبينما كان العالم ينتظر نضجه الكروي في سن السابعة والعشرين، صدم دايسلر الجميع بقرار اعتزاله النهائي. نطق يومها كلمات حفرت في ذاكرة عشاق الكرة: "لم أعد أثق بركبتي، اللعب أصبح عذاباً لي، لم أعد أشعر بمتعة الكرة وسط هذه الآلام". رحل دايسلر عن الملاعب تاركاً خلفه تساؤلاً مريراً حول ما كان يمكن أن يحققه لو امتلك ركبة توازي عبقرية عقله، ليظل القصة الأكثر حزناً في تاريخ "البوندسليغا" لموهبة اغتالتها التوقعات وفتك بها جسد رفض الاستسلام للموهبة.
مايكل أوين: "الفتى الذهبي" الذي احترق بشعلة سرعته
في تاريخ الكرة الإنجليزية، لم يسبق لشاب أن أحدث زلزالاً مثلما
فعل مايكل أوين. ظهر "الفتى الذهبي" كإعصار لا يمكن إيقافه، يمتلك سرعة تجعل
المدافعين يبدون كأنهم في حالة سكون. لحظة انفجاره الكبرى في مونديال 1998 ضد الأرجنتين،
حين ركض بنصف الملعب متجاوزاً الجميع، لم تكن مجرد هدف، بل كانت إعلاناً عن ولادة ملك
جديد للكرة العالمية. في سن الـ 21، تُوج أوين بالكرة الذهبية لعام 2001، ليصبح أصغر
لاعب في العصر الحديث يلمس هذا المجد، محققاً مع ليفربول خماسية تاريخية من الألقاب.
لكن "محرك" أوين كان يعمل بطاقة تفوق قدرة عضلاته
على التحمل. بدأت نقطة الانكسار مبكراً جداً في عام 1999 بملعب "إيلاند رود"
ضد ليدز يونايتد، حيث تعرض لتمزق حاد في أوتار مأبض الركبة، وهي الإصابة التي قصمت
ظهر مسيرته. رغم محاولاته الصمود، سجل أوين 118 هدفاً لليفربول قبل سن الـ 24، لكن
"الوهج" بدأ يخبأ. انتقل إلى ريال مدريد عام 2004 في حقبة "الجالكتيكوس"،
ورغم أنه امتلك أفضل معدل تهديفي بالنسبة للدقائق التي لعبها، إلا أنه فقد تلك
"الشرارة" الانفجارية التي ميزته؛ فسرعته التي كانت سلاحه الفتاك أصبحت عدوه
الأول الذي يخشى استخدامه.
تحولت السنوات الأخيرة من مسيرة أوين إلى تراجيديا حزينة؛ تنقل بين نيوكاسل ومانشستر يونايتد وستوك سيتي كلاعب يبحث عن فتات الدقائق، بعد أن كان سيد العالم. اعترف أوين بمرارة لاحقاً: "كنت أرتعب من فكرة الركض بسرعة كاملة، كنت أعلم أن عضلاتي ستخونني في أي لحظة". اعتزل أوين ولم يبقَ منه سوى ذكريات شاب سبقت موهبته حدود الجسد، لينهي مسيرته بهدوء لا يليق أبداً بصاعقة كانت يوماً ما تحكم كوكب كرة القدم.
ماركو ريوس: "الوفي" الذي سرقت منه الألقاب الكبرى
ماركو ريوس… اسمٌ كلما ذُكر ارتبط بالموهبة الخالصة والولاء
النادر، ثم بالوجع الذي لا يفارقه. قائد بوروسيا دورتموند لم يكن مجرد جناح سريع أو
صانع لعب أنيق، بل كان روح فريقٍ بأكمله، لاعبًا يجمع بين المهارة والحسم والذكاء التهديفي.
أكثر من 170 هدفًا بقميص دورتموند، وأكثر من 250 مساهمة تهديفية بين تسجيل وصناعة،
أرقام تضعه في مصاف أساطير النادي الحديثة. لكن قصة ريوس لم تُكتب بالأرقام فقط… بل
كُتبت بالغياب أيضًا.
في اللحظة التي كان العالم يستعد لرؤية ذروة ريوس الدولية، جاءت
الضربة الأقسى. قبل أيام قليلة من كأس العالم 2014، وفي مباراة ودية تحضيرية، تعرض
لإصابة حرمته من المشاركة في البطولة التي انتهت بتتويج ألمانيا باللقب. كان يمكن أن
يكون جزءًا من تلك الصورة التاريخية، من منصة التتويج، من لحظة رفع الكأس… لكنه شاهدها
من بعيد. لم تكن تلك النهاية، بل بداية سلسلة غيابات موجعة: يورو 2016، ثم يورو
2020، ثم كأس العالم 2022. كل بطولة كبرى بدت وكأنها موعد مؤجل لا يكتمل.
أكثر من 1200 يوم بعيدًا عن الملاعب بسبب إصابات متفرقة في الكاحل والركبة والعضلات، ومع ذلك كان يعود في كل مرة، يسجل، يصنع، ويقود. لم يهرب من المسؤولية، ولم يبحث عن طريق أسهل، بل بقي وفيًا لدورتموند رغم العروض والإغراءات. ريوس هو المثال الحي للاعب الذي يصارع ليبقى في القمة، بينما جسده يختبره كل موسم. موهبة كاملة… لكن مسيرة ناقصة بفعل ما لا يمكن السيطرة عليه.
رونالدو نازاريو: "الظاهرة" التي حكمت العالم بنصف ركبة
لم يكن رونالدو نازاريو مجرد مهاجم، بل كان "زلزالاً"
كروياً أعاد تعريف ما يمكن للبشر فعله بالكرة. في تسعينيات القرن الماضي، كان رونالدو
هو النسخة الكاملة من المهاجم الذي لا يُقهر؛ سرعة "فضائية"، قوة بدنية جارفة،
ومهارة تجعل أفضل المدافعين في التاريخ يبدون كالهواة. لكن خلف هذا البريق، كان هناك
صراع تراجيدي بين موهبة لا سقف لها وجسد خذلته الأربطة.
في ليلة حزينة من عام 2000 بملعب "الأوليمبيكو"، وبينما
كان العالم ينتظر عودة الملك من إصابة سابقة، سقط رونالدو في مشهد "تقشعر"
له الأبدان؛ تمزقت أوتار ركبته دون أن يلمسه أحد، وصرخاته التي هزت أركان الملعب كانت
بمثابة إعلان عن نهاية "النسخة المرعبة" من الظاهرة. غاب عن الملاعب لمدة
520 يوماً، وأكد الأطباء حينها أن عودته للممارسة كرة القدم هي "معجزة طبية"،
ناهيك عن العودة للتألق. لكن رونالدو قهر المنطق، وعاد في مونديال 2002 ليحمل البرازيل
على أكتافه متوجاً باللقب وهدافاً للبطولة بـ 8 أهداف.
رغم أنه حقق كل شيء، من كؤوس عالم وكرات ذهبية، إلا أن الحسرة تظل رفيقة عشاقه؛ فالعلم يؤكد أن رونالدو فقد بعد تلك الإصابة ما لا يقل عن 30% من سرعته وانفجاريته المعهودة. ومع ذلك، سجل أكثر من 400 هدف ببراعة القناص الذي لا يخطئ. يظل السؤال المرير الذي يطارد التاريخ: إذا كانت هذه هي الإنجازات التي حققها رونالدو وهو يلعب بـ "نصف ركبة" وبجسد منهك، فماذا كان سيحدث لو بقيت ركبتاه سليمتين؟ نحن لم نشاهد النسخة الكاملة من رونالدو، بل شاهدنا "بقايا" أسطورة كانت كافية لترهيب العالم أجمع.
ماركو فان باستن: "البجعة" التي اعتزلت فوق عرش العالم
تخيل لو أن بطل الحكاية قرر إغلاق الكتاب وهو في منتصف أجمل
فصوله؛ هذه ليست مجرد استعارة، بل هي الحقيقة المرة لمسيرة ماركو فان باستن. نحن نتحدث
عن المهاجم الذي جسّد "الكمال الكروي" قبل أن يغتاله جسده؛ لاعبٌ أجبر العالم
على الانحناء لموهبته وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين، معتزلاً وفي جعبته 3 كرات ذهبية،
وهو رقم لم يصل إليه في ذلك العمر سوى العمالقة. لو كان هناك من يستطيع جعل أرقام ميسي
وكريستيانو تبدو "بشرية" وممكنة الكسر، فهو بلا شك "بجعة أوترخت"
التي حلقت بعيداً قبل الأوان.
تخيل لو أن بطل الحكاية قرر إغلاق الكتاب وهو في منتصف أجمل
فصوله؛ هذه ليست مجرد استعارة، بل هي الحقيقة المرة لمسيرة ماركو فان باستن. نحن نتحدث
عن المهاجم الذي جسّد "الكمال الكروي" قبل أن يغتاله جسده؛ لاعبٌ أجبر العالم
على الانحناء لموهبته وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين، معتزلاً وفي جعبته 3 كرات ذهبية،
وهو رقم لم يصل إليه في ذلك العمر سوى العمالقة. لو كان هناك من يستطيع جعل أرقام ميسي
وكريستيانو تبدو "بشرية" وممكنة الكسر، فهو بلا شك "بجعة أوترخت"
التي حلقت بعيداً قبل الأوان.
الذروة الدرامية لهذه المأساة وصلت ليلتها الأخيرة في نهائي أبطال أوروبا 1993 ضد مارسيليا، حيث ركض ماركو للمرة الأخيرة وهو يتجرع آلاماً لا تُطاق في كاحله الذي خضع لـ 4 عمليات جراحية فاشلة. وفي عام 1995، وقف العالم مشدوهاً وهو يرى فان باستن بملابسه المدنية يودع جماهير "سان سيرو"؛ يومها بكى المدرب الصارم فابيو كابيلو ووصف الاعتزال بأنه "جنازة لكرة القدم". لقد خسرنا بغياب فان باستن عقداً كاملاً من المتعة، وحُرم التاريخ من هداف كان سيكسر كل الأرقام القياسية ويجعل النقاش حول "الأفضل في التاريخ" ينتهي عند اسمه وحده.
الخاتمة: عندما تغتالُ الأجسادُ الأحلام
في ختام هذا السرد الحزين، ندرك أن كرة القدم ليست مجرد ساحة
للانتصارات، بل هي مسرحٌ للتراجيديا أيضاً. هؤلاء الخمسة لم يكونوا مجرد لاعبين، بل
كانوا "وعوداً" قطعها القدر لعشاق السحر، قبل أن يتراجع عنها في منتصف الطريق.
لقد كانت الإصابات هي الثقب الأسود الذي ابتلع سنوات من الإبداع، وحرمنا من رؤية النسخ
الكاملة لأساطير صِيغت موهبتهم من ذهب، وصُنعت أجسادهم من زجاج.
تخيل لو أن كاحل فان باستن صمد لسنوات أخرى، أو أن ركبتي رونالدو
لم تعرفا معنى التمزق؛ ربما كنا اليوم نعيد كتابة سجلات التاريخ بالكامل، وربما كانت
المقارنات الحالية تبدو باهتة أمام أرقامهم. إن القسوة الحقيقية تكمن في أن هؤلاء الملوك
لم يتنازلوا عن تيجانهم لخصومٍ أجدر منهم، بل أُجبروا على خلعها وهم في عزّ كبريائهم.
لقد سُرق منا الكثير بغياب هؤلاء، لكن عزاءنا الوحيد أن الومضات
التي قدموها في أوقات سلامتهم كانت كافية لتخليد أسمائهم في ذاكرة لا تمحو أثر العظماء.
فالموهبة قد تُكسر، لكن الأسطورة لا تموت أبداً بمجرد صافرة اعتزال قسرية.