⚡ حين تكتب كرة القدم قصصًا لا يصدقها العقل
دائمًا ما تخبرنا كرة القدم أن المنطق مجرد وجهة نظر، وأن
المعجزات ليست مجرد قصص خيالية تُروى للأطفال، بل هي واقع يكتبه الرجال الذين يرفضون
الانحناء، إذا سألت أي مشجع عن أكبر مفاجأة في تاريخ اللعبة، سيقفز لذهنه فوراً مشهد
اليونان وهي ترفع كأس أمم أوروبا 2004، والرجل الذي كان وراء تلك الملحمة هو الثعلب
الألماني أوتو ريهاجل.
لكن، ما لا يعرفه الكثيرون أن معجزة اليونان لم تكن أكبر
"قنبلة" فجرها هذا الرجل في مسيرته؛ فقبل ست سنوات من تلك الليلة البرتغالية
الحزينة، فعل ريهاجل شيئاً أكثر جنوناً، شيئاً كسر به قوانين الطبيعة الكروية في قلب
ألمانيا، هل سمعتم يوماً عن فريق يصعد من الدرجة الثانية ليتوج بطلاً للدوري في الموسم
التالي مباشرة؟ نعم، قبل سنوات من "معجزة ليستر سيتي" في إنجلترا، كان هناك
من رسم خارطة الطريق للمستحيل.. فكيف فعلها "الملك أوتو"؟
👤 أوتو ريهاجل… رجل لا يخاف من المستحيل
وُلد أوتو ريهاجل عام 1938 وسط أنقاض الحرب في ألمانيا، ونشأ
كلاعب يمتلك من الصلابة أكثر مما يمتلك من المهارة، لم يكن يوماً ذاك النجم الذي تخطف
أضواؤه الأبصار؛ بل كان مدافعاً "خشناً" يؤدي واجبه بصرامة في أندية متوسطة
مثل "هيرتا برلين" و"كايزرسلاوترن" لكن الحقيقة التي لم يدركها
أحد حينها، هي أن ريهاجل لم يكن يلعب بقديمه فقط، بل كان يمتص حكمة الملاعب ليُفجرها
لاحقاً من خلف خط التماس.
وجد ريهاجل نفسه الحقيقية كمدرب يمتلك عقلاً تكتيكياً بارداً
كالثلج، لا يؤمن بالصدفة، بل يقدس الانضباط والتنظيم فوق أي موهبة فطرية.
👑
صعود "الملك
أوتو" وسقوط الحلم البافاري
بدأ في عدة اندية صغيرة، ولكن سطع نجمه الحقيقي وبدأت أسطورته
تُكتب مع فيردر بريمن، حوّل ريهاجل بريمن من مجرد فريق عادي إلى إعصار ألماني وأوروبي؛
حصد لقب "البوندسليجا" مرتين، وكأس ألمانيا ثلاث مرات، ووصل للقمة القارية
برفع كاس الكؤوس الأوروبية عام 1992، في تلك الفترة، لم تكن الجماهير تناديه باسمه،
بل لقبته بـ "الملك أوتو" تقديراً لسطوته وقدرته على تحويل الفرق المتوسطة
إلى أبطال.
لكن "الملك" لم يجد العرش مفروشاً بالورود دائماً؛
فبعد محطة قصيرة في بوروسيا دورتموند، جاءت التجربة التي تركت غصة في حلقه مع بايرن
ميونخ، ورغم أنه قاد العملاق البافاري لنتائج قوية، إلا أن الصدامات مع الإدارة والنجوم
أدت لإقالته قبل نهائي كأس الاتحاد الأوروبي بأيام قليلة عام 1996، خرج ريهاجل من ميونخ
جريحاً، وظن الكثيرون أن شمسه قد غربت..
حتى جاء عام 1996… واتخذ قرارًا سيغيّر التاريخ.
🔄
من الهبوط إلى الأمل: بداية مشروع كايزرسلاوترن
في عام 1996، عاشت مدينة كايزرسلاوترن ليلة بكت فيها الجدران؛
النادي العريق يهبط للدرجة الثانية لأول مرة في تاريخه، وبينما كان الركام يملأ أزقة المدينة، ظهر "الملك
أوتو" ريهاجل، الرجل الذي خرج مطروداً من جنة بايرن ميونخ قبل أيام من نهائي أوروبي
كان من المفترض أن يكون تتويجاً له.
في خطوة صدمت الوسط الرياضي الألماني،
وافق ريهاجل على تدريب فريق هابط، كان التباين مرعباً: مدرب من الصفوة يهبط من قمة
أوروبا ليدير مباريات في ملاعب الدرجة الثانية المغمورة، لكن ريهاجل لم يأتِ للنزهة،
بل جاء ليبني هوية جديدة من وسط الحطام، حاملاً معه رغبة الانتقام من كل من ظن أن حقبته
قد انتهت.
لم يكن القرار منطقيًا على الورق، لكنه
كان منطقيًا في عقل ريهاجل، هو لم يأتِ ليُسعف مريضًا… بل ليبني هوية جديدة.
وضع حجر الأساس:
كبرياء القادة وذكاء "الملك"
كان التحدي الأول أمام ريهاجل هو الحفاظ
على الهيكل الأساسي للفريق ومنع الانهيار، بذكائه المعهود وقوة شخصيته، نجح في إقناع
النجوم الكبار بالبقاء والقتال في الدرجة الثانية، وعلى رأسهم القائد الأسطوري أندرياس
بريمه، الرجل الذي سجل هدف تتويج ألمانيا بكأس العالم 1990.
ثم بدأ العمل الحقيقي.
انضباط صارم، تنظيم دفاعي محكم، وروح جماعية تُقدَّم على أي
اسم فردي،
لم يكن الفريق مليئًا بالنجوم، لكنه كان منظمًا بشكل جعل كل
لاعب يعرف دوره بدقة، والنتيجة؟ اكتساح دوري الدرجة الثانية، حيث حقق 19 فوز و11
تعادل من 34 مباراة، وسجل 74 هدف (أفضل خط هجوم) وتصدر الدرجة الثانية بفارق 10 نقاط
كاملة، ليعود إلى "البوندسليجا" في صيف 1997.
الصعود لم يكن مفاجأة… بل نتيجة طبيعية لمشروع واضح المعالم.
لكن التوقعات بقيت محدودة، الخبراء قالوا إن الفريق سيصارع للبقاء،
أقصى الطموحات كانت مركزًا في منتصف الجدول، غير أن ريهاجل كان يخطط لشيء أكبر، لم
يكن يريد مجرد عودة إلى البوندسليغا… بل كان يجهّز وصفة هادئة، منظمة، وقاتلة — ستجعل
معجزة كايزرسلاوترن واحدة من أعظم قصص كرة القدم في التاريخ.
🏆
موسم 1997-1998: حين أصبح المستحيل واقعًا
بنى أوتو ريهاجل فريقه بعناية في الخلف، القائد المخضرم أندرياس
بريمه يمنح التوازن والخبرة وفي الأمام، الهداف أولاف مارشال، ماكينة أهداف لا ترحم
داخل الصندوق، إلى جواره التشيكي بافيل كوكا بحركته الذكية وربطه للهجوم وفي الوسط،
بدأت ملامح موهبة ألمانية شابة تُدعى مايكل بالاك في الظهور، بينما منح الجناح الطائر
تشيريك سفورتسا الفريق سرعة وتحولات خاطفة أربكت الدفاعات حتى المدافع الدنماركي ميشائيل
شونبرغ كان جزءًا من المنظومة الصلبة التي لا تعرف الفوضى.
لم تكن أسماء سوبر ستار… لكنها كانت تؤمن بالفكرة.
البداية التي أربكت ألمانيا
بدأ موسم 1997-1998 بمباراة بدت وكأنها "سخرية" من
القدر؛ الصاعد حديثاً كايزرسلاوترن يجد نفسه وجهاً لوجه أمام حامل اللقب والعملاق بايرن
ميونخ في عقر داره، توقع الجميع حفلة أهداف بافارية ترحب بالوافد الجديد، لكن
"الملك أوتو" كان يجهز ليلة لن يساها تاريخ البوندسليجا، بصمود دفاعي حديدي،
أنتهت بهدف نظيف للفريق الضيف، صعق به فريق ريهاجل القديم وسط ذهول العالم، لم تكن
تلك البداية مجرد "ضربة حظ"، بل كانت صافرة إنذار لقطار لن يتوقف.
الثلث الاول من الموسم
في أول 12 مباراة، كان كايزرسلاوترن يعزف سيمفونية كروية؛ حقق
9 انتصارات وتعادلان (سلبي أمام كولن، و1-1 أمام باير ليفركوزن) وهزيمة وحيدة أمام
فيردر بريمن، ليسجل 25 هدفاً ويتصدر الدوري بفارق 4 نقاط عن البايرن.
ظن الجميع أنها مجرد "حلاوة بدايات" وستنتهي سريعاً.
الثلث الثاني:
اختبار الصلابة
أثبت الفريق أنه يمتلك "رئة" لا تتعب. رغم التعادل
المثير مع بوروسيا دورتموند في الرمق الأخير، والهزائم أمام فولفسبورج وهيرتا برلين،
إلا أن الفريق عاد ليضرب بايرن ميونخ من جديد بثنائية نظيفة، ويخطف فوزاً قاتلاً من
شتوتجارت، أنهى الفريق هذه المرحلة معززاً صدارته بفارق 5 نقاط، معلناً أن الحلم بدأ
يكتسي بملامح الحقيقة.
الثلث الأخير:
رقصة التتويج فوق جراح المنافسين
دخل الموسم مرحلة "حبس الأنفاس" تعادل كايزرسلاوترن
في مباراتين، لكن بايرن ميونخ قدم له "هدايا" غير متوقعة بالخسارة، ليتسع
الفارق إلى 7 نقاط، ثم إلى 9 نقاط بعد فوز كايزرسلاوترن على ميونخ 1860 وتعادل
البايرن سلبياً مع بوخوم في الجولة 26!
ثم جاءت لحظات الاهتزاز بين الجولات 27 و31: 5 تعادلات، وخسارة
قاسية بثلاثية أمام باير ليفركوزن، في المقابل، فاز بايرن في 3 مباريات وتعادل في اثنتين،
ليتقلص الفارق الي نقطتين فقط ليعود الشك مرة أخري قبل الجولات الثلاثة الاخيرة !
لكن في الجولة 33 (الجولة قبل الاخيرة)، انفجر البركان؛ سحق
كايزرسلاوترن فولفسبورج برباعية نظيفة، وبينما كانت العيون تترقب نتيجة البايرن، سقط
العملاق البافاري في فخ التعادل السلبي أمام دويسبورج، في تلك اللحظة، توقف الزمن؛
كايزرسلاوترن بطلاً لألمانيا رسمياً في أكبر معجزة كروية شهدتها الملاعب الألمانية.
🏁 الخاتمة | إرث الملك أوتو…
إن ما حققه كايزرسلاوترن عام 1998 سيظل أعظم إنجاز في تاريخ
الدوري الألماني على الإطلاق، لقد أثبت ريهاجل أن "كرة القدم تُلعب بالعقول والقلوب،
لا بالحسابات البنكية" هذه التجربة كانت البروفة النهائية التي صقلت شخصية أوتو
ريهاجل ليذهب بعدها بست سنوات ويصعق القارة العجوز مع اليونان في بطولة اليورو.
ربما تتكرر المعجزات، وربما نرى "ليستر سيتي" جديداً
في مكان ما، ولكن سيبقى كايزرسلاوترن 98، القصة التي علمتنا أن القاع ليس سوى نقطة
انطلاق نحو النجوم لمن يمتلك شجاعة أوتو ريهاجل.