⚔️ كريم بنزيما.. الرجل الذي روض الانتقادات ليصبح ملكاً

⚔️ كريم بنزيما.. الرجل الذي روض الانتقادات ليصبح ملكاً

1.	👑 رحلة كفاح كريم بنزيما من شوارع ليون إلى منصة الكرة الذهبية. كيف تحول من جندي مجهول خلف رونالدو إلى القائد الذي حمل ريال مدريد نحو اللقب الـ 14؟

في مدريد، كان الضوء دائمًا موجّهًا نحو النجم الأكبر، الجماهير تصفق للمخرج، الصحافة تلاحق البطل، والكاميرات تبحث عن صاحب اللقطة الأخيرة، لكن في الخلفية، كان كريم بنزيما هو الجندي الذي يضبط الإضاءة ويجهز المسرح ليلمع غيره، متحملاً صافرات الاستهجان ببرود يحسده عليه الرهبان، لكن الانكسار الحقيقي لم يأتِ من المدرجات، كان من داخل المنظومة!

في عام 2010، عندما اضطر جوزيه مورينيو للاعتماد على كريم بنزيما بعد إصابة هيغواين، وبسخرية لاذعة:

" مع الكلب تصطاد أكثر وبشكل أفضل، لكن إذا لم يكن لديك سوى القط، فيجب عليك استخدامه"

كانت تلك الكلمات كفيلة بإنهاء مسيرة أي لاعب، لكنها في البرنابيو كانت شرارة "الانفجار الصامت" فكيف تحول ذاك الفتى الخجول الذي وُصِف بالحيوان الأليف، من مجرد "شماعة إخفاقات" تعيش في ظل رونالدو، إلى النمر الذي افترس كبار أوروبا بمفرده، ليحمل ريال مدريد على كتفيه نحو اللقب الـ 14 ويدفع التاريخ للاعتذار له وهو يتسلم الكرة الذهبية ملكاً متوجاً على عرش مدريد الأول؟

من شوارع ليون… حيث تبدأ القصص الصعبة

لم تبدأ حكاية كريم بنزيما في ملاعب مضاءة ولا أكاديميات فاخرة، بل في شوارع ضاحية برون قرب ليون — مكان قاسٍ بما يكفي ليعلّم الأطفال مبكرًا أن الحياة لا تمنح شيئًا مجانًا. هناك، وسط الضجيج والملاعب الإسفلتية، كان الصبي الهادئ يجد صوته الوحيد في الكرة. لم يكن كثير الكلام، ولم يحاول لفت الأنظار خارج الملعب، لكن كل من شاهده يلعب كان يشعر أن شيئًا مختلفًا يحدث حين تلامس الكرة قدميه.

في نادي برون تيراليون المحلي، بدأت الموهبة تأخذ شكلها الحقيقي. كان كريم يلعب ببساطة الأطفال، لكن بثقة لاعب أكبر من سنه. تُروى الحكاية أن كشافة أولمبيك ليون انتبهوا إليه حين سجّل هدفين في مرمى فريقهم خلال مباراة للناشئين — لحظة صغيرة غيّرت مسار حياته. انتقل إلى أكاديمية ليون وهو ما يزال طفلًا، وهناك ظهر التناقض الذي سيرافقه طويلًا: فتى خجول يتلعثم في الحديث، لكنه على أرض الملعب يتحول إلى شخصية جريئة، حاسمة، وكأن الكرة تمنحه الجرأة التي لا يجدها في الكلمات. منذ تلك اللحظة، لم يعد كريم مجرد طفل يلعب… بل مشروع مهاجم يتشكل بهدوء، خطوة بعد خطوة، نحو عالم أكبر.

"إعصار ليون": عندما أصبح بنزيما "نبوءة" زيدان في مدريد

في أكاديمية أولمبيك ليون، لم يحتج كريم بنزيما وقتًا طويلًا ليُظهر أنه ليس مجرد مهاجم واعد، بل لاعب قادر على تغيير شكل الهجوم بالكامل. صعد إلى الفريق الأول في منتصف العقد الأول من الألفية، ومع كل موسم كان يضيف طبقة جديدة إلى لعبه: أهداف حاسمة، حركة ذكية بين الخطوط، وقدرة نادرة على الجمع بين التسجيل وصناعة اللعب. موسم 2007–2008 كان لحظة الانفجار الحقيقي؛ بنزيما أنهى الموسم كأفضل هداف في الدوري الفرنسي وقاد ليون للقب جديد، ليصبح فجأة الاسم الأكثر إثارة في الكرة الفرنسية.

في تلك الفترة، لم يكن المتابعون فقط من أُعجبوا به… بل أحد أعظم من لمس الكرة: زين الدين زيدان. رأى زيدان في بنزيما شيئًا— الهدوء، الذكاء، ولمسة المهاجم المفكر — فبدأ يوصي باسمه داخل أروقة ريال مدريد. فلورنتينو بيريز، الذي كان يبحث عن جيل جديد من النجوم، اقتنع سريعًا بأن هذا الفتى ليس مجرد صفقة مستقبل، بل مشروع مهاجم يمكن أن يقود مرحلة جديدة.

صيف 2009 كان نقطة التحول. ريال مدريد أعلن التعاقد مع بنزيما ضمن مشروع “الغلاكتيكوس” الجديد. انتقل كريم من ليون وهو يحمل لقب أفضل مهاجم شاب في فرنسا، لكن الأهم أنه انتقل ومعه توقعات ضخمة. لم يعد الفتى الخجول في أكاديمية ليون… بل مهاجم يدخل أكبر مسرح في العالم، حيث كل لمسة تُحسب، وكل هدف يُقارن بتاريخ طويل من الأساطير.

 المظلوم في ظل "الصاروخ": سنوات الصبر والتضحية

في صيف 2009، دخل كريم بنزيما "سانتياغو برنابيو" وسط ضجيج صفقات تاريخية؛ كان الزلزال الحقيقي هو وصول كريستيانو رونالدو وريكاردو كاكا، بينما كان بنزيما يخطو خطواته الأولى كشاب فرنسي خجول بملامح هادئة. لم يدرك كريم أن هدوءه سيُفسر لاحقاً بـ "البرود"، وأن صمته سيُعتبر "ضعفاً".

سنواته الأولى لم تكن رحيمة. المدرجات كانت قاسية، والصحافة أسرع في الحكم من الصبر. وُصف بالبرود، واتُّهم بإهدار الفرص، وتحولت كل مباراة لا يسجل فيها إلى دليل اتهام جديد. حتى جوزيه مورينيو، كما أشرنا، لم يتردد في توجيه نقد علني. وفي إحدى اللحظات، خرج كاكا بتصريح يطالب فيه بنزيما بتقديم المزيد داخل الملعب، في مفارقة عجيبة، فبينما كان كاكا يصارع شبح الإصابات ويكلف خزينة النادي أرقاماً فلكية دون مردود موازٍ، كان بنزيما هو من يحترق بصمت ليحافظ على توازن الفريق.

🧠 عبقرية "التضحية بالأنا": لماذا اختار كريم أن يكون الظل؟

لماذا استمرت معاناة بنزيما لسنوات؟ الإجابة لا تكمن في تراجع مستواه، بل في "تكتيك التضحية" الذي انتهجه بنزيما طواعية. في فريق مدجج بـ "الأنا" العالية والنجوم الذين يريدون اقتطاع النصيب الأكبر من "تورتة" الأهداف، أدرك بنزيما بذكائه الفطري أن وجود مهاجم "سوبر ستار" كلاسيكي يكتفي بالوقوف في منطقة الجزاء سيؤدي إلى تصادم كارثي وتفكك المنظومة.

اختار كريم أن يلعب الدور "الثانوي" ظاهرياً، والبطولي جوهرياً. إليك ما كان يفعله بنزيما بعيداً عن أعين الكاميرات التي تلاحق المسجلين:

·        تفريغ المساحات: كان كريم يتحرك عرضياً وخارج منطقة الجزاء ليسحب معه "قلبي الدفاع"، مما يترك فجوة دفاعية هائلة ينقض منها كريستيانو رونالدو ليسجل أهدافه.

·        الرقم 9 بلمسة 10: لم يكن بنزيما مجرد مهاجم، بل كان صانع ألعاب متنكراً. اختار أن يقدم "الآسيست" لزملائه بدلاً من التسديد، مفضلاً نجاح المنظومة على مجده الشخصي.

·        امتصاص الضغط: كان يتقبل دور "الظل" ليرفع الضغوط عن رونالدو وبيل، محولاً نفسه إلى "محطة" بناء لعب تسمح للآخرين بالانطلاق كالصواريخ.

ببساطة، بنزيما هو من جعل "البي بي سي" (BBC) يعمل كآلة موسيقية متناغمة؛ فبدون تضحياته التكتيكية وهروبه المستمر من منطقة الجزاء لصالح رونالدو، ربما لم نكن لنرى "الصاروخ البرتغالي" يحطم الأرقام القياسية بهذه السهولة. لقد كان كريم يشتري استقرار مدريد بكرامته الكروية أمام الجماهير، منتظراً اللحظة التي تنصفه فيها كرة القدم.

الانفجار العظيم: حين أصبح بنزيما الرجل الأول

عندما غادر كريستيانو رونالدو مدريد في صيف 2018، لم يكن السؤال من سيقود الهجوم فقط… بل من سيتحمل وزن القميص. كثيرون توقعوا سقوط ريال مدريد، أو على الأقل سنوات من البحث عن هوية هجومية جديدة. لكن داخل هذا الفراغ، كان كريم بنزيما يستعد لمرحلة مختلفة — مرحلة لا يكون فيها مساعدًا، بل النجم الأول.

بدأ التحول يظهر بالأرقام قبل الإحساس، بنزيما سجل 30 هدفًا في موسم 2018-2019، ثم أستمر النسق بـ27 هدفًا في 2019-2020، قبل أن يدخل مرحلة الهيمنة الفردية: 30 هدفًا في 2020-2021، ثم موسم الانفجار الكامل 2021-2022 الذي شهد تسجيله 44 هدفًا في جميع المسابقات، لم تكن مجرد أرقام مهاجم… بل أرقام قائد هجومي يتحمل صناعة اللعب، التسجيل، والقيادة النفسية لفريق يعيش مرحلة انتقالية.

تكتيكيًا، تغير كل شيء. بنزيما أصبح نقطة ارتكاز الهجوم: ينزل لاستلام الكرة، يربط الخطوط، يخلق المساحات للأجنحة، ثم يظهر داخل الصندوق في اللحظة الحاسمة. هذا التوازن بين دور الصانع والقاتل جعل ريال مدريد أقل اعتمادًا على الفرد، وأكثر اعتمادًا على منظومة تدور حول ذكاء مهاجمها.

موسم 2021-2022 ليحوّل هذا التحول إلى ملحمة. في دوري الأبطال، سجل 15 هدفًا، بينها ثلاثيات تاريخية ضد باريس وتشيلسي، وأهداف قاتلة أمام مانشستر سيتي. كل مباراة كانت تحمل توقيعه، وكل “ريمونتادا” كانت تبدأ من قدميه. لم يكن يسجل فقط… بل كان يقود لحظات الانفجار النفسي للفريق.

حين رفع ريال مدريد الكأس الأوروبية الرابعة عشرة، لم يكن ذلك تتويج موسم ناجح فحسب، بل إعلانًا بأن اللاعب الذي عاش سنوات في الظل أصبح قلب المشروع. وبعد أشهر، وقف بنزيما في باريس ليتسلم الكرة الذهبية — لحظة لم تُكافئ موسمًا واحدًا، بل رحلة كاملة من الصبر والتحول.

🌍 الرحلة إلى الشرق: بنزيما في الدوري السعودي

بعد 14 عاماً من اعتلاء عرش "سانتياغو برنابيو"، قرر كريم بنزيما أن يضع حداً لمسيرته الأوروبية لينتقل إلى مشروع الكرة السعودية الطموح. هزت صفقة انضمامه إلى نادي الاتحاد أركان الميركاتو العالمي، وفي ملعب "الجوهرة المشعة"، استُقبل كريم استقبال الملوك. لم يذهب بنزيما للسياحة؛ ففي موسمين ونصف، قاد "العميد" باقتدار لتحقيق لقب الدوري السعودي وكأس خادم الحرمين الشريفين، مثبتاً أن غريزة الافتراس لديه لا تزال تعمل بكفاءة.

🔄 من الاتحاد إلى الهلال: فصل جديد من التحدي

لكن، وكما اعتاد دائماً على كسر التوقعات، فجر بنزيما مفاجأة كبرى في هذا الميركاتو (يناير 2026) بانتقاله إلى الغريم التقليدي، نادي الهلال، النادي الأكثر تتويجاً في القارة الآسيوية، ليبدأ كريم فصلاً جديداً من التحدي. هناك، وسط كوكبة من النجوم.

🏁 الخاتمة: حين ينتصر الصبر على الضجيج

إن قصة كريم بنزيما ليست مجرد أرقام في سجلات "الليجا" أو كؤوس ذهبية تملأ الخزائن؛ بل هي في جوهرها درس قاسم في "أدب الصبر" وكبرياء المحارب الذي يرفض الانكسار. علمنا بنزيما أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يقوله الناس عنه في لحظات الضعف، بل بقدرته على الصمود حتى تأتي اللحظة التي يضطر فيها العالم أجمع للوقوف والتصفيق له.

لقد عاش كريم لسنوات طويلة وهو يُعامل كـ "كومبارس" في عرض مخصص للبطل الواحد، لكنه برهن أن "الجندي المجهول" هو في الحقيقة من يمنع المنظومة من الانهيار. وعندما سنحت له الفرصة ليكون الرجل الأول، لم يكتفِ بالنجاح، بل قدم نسخة كروية إعجازية جعلت أعظم نقاده يراجعون أنفسهم خجلاً.

رحل بنزيما عن مدريد وهو الهداف التاريخي الثاني للنادي، ورحل عن أوروبا وهو يحمل "الكرة الذهبية" التي كانت اعترافاً متأخراً من التاريخ بعبقريته. والآن، وهو يواصل نثر سحره في الملاعب السعودية بين الاتحاد والهلال.

"الحكومة" علّمنا أن كرة القدم — مثل الحياة — لا تكافئ الأسرع في الظهور، بل الأكثر ثباتًا في الرحلة. أن التضحية ليست ضعفًا، وأن العمل في الخلفية قد يقود يومًا إلى مركز المسرح. وحين وقف تحت الضوء أخيرًا، لم يكن ذلك انفجار موهبة… بل نتيجة سنوات من البناء الصامت.

هكذا يُنصف التاريخ من يصبر عليه.



تعليقات