قبل بداية موسم 2001-02 لم يكن أحد ينظر إلى باير ليفركوزن حينها كمرشح لأي شيء، حيث كان فريقاً
يترنح في الظلام؛ خرج مطروداً من دور المجموعات لدوري أبطال أوروبا، وتذوق مرارة الإقصاء من "اليوروبا ليج"، بل وودع كأس المانيا من دور الـ 16، ثم تأهل في الجولة الأخيرة إلى دوري الأبطال، كل شيء كان يشير إلى طريق واحد: الفشل.
وفي لحظة بدا فيها القرار متأخرًا،
جاء التغيير، رحل بيرتي فوغتس، وجاء رجل لا يحمل وعودًا كبيرة بقدر ما يحمل فكرة مختلفة…
كلاوس توبمولر.
في موسم 2001-02، لم يكن باير ليفركوزن
مجرد فريق كرة قدم؛ كان المقامر الذي وضع كل رقائقه على الطاولة، وفي 18 يوماً فقط،
خسر كل شيء: الدوري، الكأس، ودوري الأبطال، هذه قصة الأوركسترا التي عزفت أجمل موسيقى
في القارة، فقط لتموت في ليلة العرض الأخير، تاركةً للعالم لقب 'نفركوزن' اللعين.
فريق كان يهرب من الفشل… أصبح يطارد
التاريخ، كيف وصل باير ليفركوزن إلى تلك النقطة؟ وكيف تحول الحلم الجميل
إلى كابوس في 18 يوماً فقط؟ وما هي الخطيئة الكبرى التي ارتكبها توبمولر وجعلت كرة
القدم تدير ظهرها لأجمل جيل في تاريخ ليفركوزن؟
🧠 لماذا
توبمولر؟ القرار الذي غيّر مسار موسم كامل
لم يكن اختيار كلاوس توبمولر قرارًا “نجوميًا” أو حتى مثيرًا
للاهتمام على الورق، إدارة باير ليفركوزن لم تكن تبحث عن اسم كبير… بل عن “فكرة مختلفة”.
اختارت الإدارة توبمولر ليس لسجله الحافل بالبطولات بل لأنه
كان "النقيض التام" لفوغتس، بينما كان فوغتس يؤمن بالتحفظ الدفاعي والالتزام
الحرفي بالمراكز، كان توبمولر "رومانسياً ثائراً" يرى في كرة القدم وسيلة
للمتعة قبل الفوز، وأوضح المدير الرياضي ريتر كالـموند لاحقًا أن الإدارة كانت تبحث عن مدرب
يعيد الجرأة الهجومية للفريق، ويملك الشجاعة لمواجهة الكبار بأسلوب مفتوح.
الثورة التكتيكية: من "الجمود" إلى "المرونة الشاملة"
نسف توبمولر المنهج القديم، بدأ الموسم برسم 3-5-2 التقليدي،
لكنه سرعان ما أدرك أن قوة فريقه تكمن في "الوسط المزدحم"، فانتقل إلى عبقرية
الـ 4-1-4-1 والـ 4-5-1 حسب طبيعة المباراة والخصم بمرونة أذهلت أوروبا.
لم يكن توبمولر يضع لاعبيه في قوالب؛ بل اعتمد على "تبادل
المراكز الديناميكي"، كان "يولدران باستورك" و"بيرند شنايدر"
يتحركان كالأشباح خلف المهاجم، مما يربك رقابة الخصوم، أما القوة الضاربة فكانت في
"الظهيرين الطائرين"؛ حيث كان بلاسينتي وزي روبرتو يتحولان لأجنحة هجومية
تضغط في مناطق الخصم العالية، مما يترك "مايكل بالاك" حراً للتقدم كمهاجم
ثانٍ خفي، وهو الأسلوب الذي جعل ليفركوزن الفريق الأكثر تسجيلاً للأهداف والأكثر إمتاعاً
في القارة.
مقدمة الانفجار… أو السقوط
ما فعله كلاوس توبمولر لم يكن مجرد تحسين فريق، بل خلق “آلة
هجومية” لا تتوقف، فريق يهاجم بلا خوف، يضغط بلا تردد… ويلعب وكأنه
لا يعرف معنى الحسابات، وهنا تكمن المفارقة القاسية: نفس الفلسفة التي جعلت باير ليفركوزن
يصل إلى القمة، هي نفسها التي ستتركه مكشوفًا عندما تبدأ العاصفة.
لم يكن هذا مجرد أسلوب لعب… بل كان مقامرة، ومثل كل مقامرة عظيمة في كرة القدم… إما أن تصنع التاريخ، أو تُكتب كأجمل مأساة فيه.
ربيع "باي أرينا":
كيف تروض المستحيل في 3 جبهات؟
لم يكن أحد يتوقع أن تلك "المقامرة" التي اتخذتها
الإدارة بتعيين توبمولر ستؤتي ثمارها بهذا الشكل الإعجازي، فالفريق الذي كان محطماً
بالأمس، تحول إلى قطار لا يتوقف، يدهس الكبار في ألمانيا وأوروبا، ليصل إلى شهر أبريل
وهو يطرق أبواب التاريخ من أوسع أبوابه.
البوندسليجا: رولر كوستر الصدارة
بدأت الرحلة في الدوري الألماني بشكل مثالي؛ 14 جولة دون أي
هزيمة، تخللها تعادلات صلبة أمام بايرن ميونخ ودورتموند، ورغم تعثر مفاجئ في نهاية
الدور الأول إلا أن "فريق المصنع" أبى إلا أن ينهي نصف السباق متصدراً، بفارق
نقطة وحيدة عن دورتموند الذي كان يراقب الموقف بحذر.
ومع انطلاق الدور الثاني، بدا وكأن سحر توبمولر قد بدأ مفعوله
يتلاشى؛ حيث تعرض الفريق لهزة عنيفة بخسارته في 3 مواجهات من أصل 4 أمام بايرن ميونخ
وشالكة وفولفسبورج، هذا النزيف النقطي جعل الحلم يهرب من بين أيديهم، ليجدوا أنفسهم
خلف دورتموند بـ 4 نقاط كاملة، وسط شكوك الإعلام في قدرة الفريق على الصمود.
إلا أن توبمولر رفض "رمي المنشفة"، انتفض الفريق في
سلسلة مرعبة لـ 10 جولات بدون هزيمة، ليقلبوا الطاولة مجدداً ويجدوا أنفسهم قبل
النهاية بـ 3 محطات فقط وهم يتربعون على القمة بفارق 5 نقاط كاملة عن دورتمند.
كان اللقب يلمع في الأفق، ولم يكن ينقصهم سوى خطوة واحدة لعناق
"درع الدوري"، ولكن، في اللحظة التي استعد فيها الجميع للاحتفال، سقط الفريق
في فخ "فيردر بريمن" بالخسارة 1-2، لتشتعل الأرض تحت أقدامهم ويتقلص الفارق
إلى نقطتين فقط قبل جولتين من النهاية،، لتبدأ فصول الدراما الحقيقية!
دوري أبطال أوروبا: قاهر عمالقة إنجلترا
في دوري الأبطال، سلك ليفركوزن طريقاً شائكاً بدأ من الأدوار
التمهيدية ضد النجم الأحمر، وصولاً لمجموعات الموت.
في المرحلة الأولى، وجد الفريق نفسه وجهاً لوجه مع برشلونة وليون
وفناربخشة؛ ورغم شراسة المنافسة، نجح أبناء توبمولر في تحقيق 4 انتصارات ثمينة، ليعبروا
إلى الدور الثاني كوصيف.
لكن الاختبار الحقيقي كان في دور المجموعات الثاني، حيث اصطدموا
بأرسنال ويوفنتوس وديبورتيفو لاكرونيا، بدأت الرحلة بصدمة مدوية وهزيمة قاسية برباعية
أمام "اليوفي"، لكن ليفركوزن أظهر معدنه النفيس وعاد ليحقق 3 انتصارات وتعادل،
منتزعاً صدارة المجموعة.
ثم بدأت الملحمة الحقيقية في الأدوار الإقصائية، في ربع النهائي،
أطاحوا بليفربول في ألمانيا بعد الفوز عليهم (4-2) بعد أن كان الجميع يظن أن رحلتهم
انتهت بالهزيمة ذهاباً في "أنفيلد" بهدف نظيف!
ولم يتوقف الطموح هنا، بل صدموا العالم بأسره في نصف النهائي
حين أقصوا مانشستر يونايتد بقيادة أليكس فيرجسون؛ حيث تعادلوا في "أولد ترافورد"
(2-2) وصمدوا في ألمانيا (1-1)، ليتأهلوا بقاعدة الهدف خارج الأرض.
ولأول مرة في تاريخ ليفركوزن يجد نفسه في نهائي الحلم بملعب
"هامبدن بارك" باسكتلندا، ليقف وجهاً لوجه أمام "ريال مدريد" في
مباراة كانت تفصلهم عن معانقة المجد الأزلي.
كأس ألمانيا: طريق "برلين" المفروش بالذهب
لم تكن الكأس استثناءً؛ فالفريق أظهر شخصية البطل في كل دور،
من فوز سهل في البداية، إلى عودة درامية أمام بوخوم في الدقائق الأخيرة، وصولاً لسحق
هانوفر وميونخ 1860، وفي نصف النهائي، أكد الفريق علو كعبه بالفوز على كولن (3-1)،
ليحجز تذكرته في نهائي "برلين" مع شالكة.
مع دخول المرحلة الاخيرة في الموسم، أصبحت مقامرة الإدارة هي
"حديث العالم"، ليفركوزن، الفريق الذي لم يحقق الدوري في تاريخه، أصبح رسمياً
على بُعد 4 مباريات فقط من تحقيق "الثلاثية التاريخية".
كيف ضاع كل شيء في 18 يومًا؟
"كنا نقدم كرة القدم الأجمل
في أوروبا،،"
- كلاوس توبمولر
لكنه لم يكن يعلم أن ثمن "الجمال" سيكون فاتورة باهظة
من الألم والحسرة سيدفعها في 18 يوماً فقط، حيث انهار كل شيء كبيت من ورق!
·
في الدوري،
حدث ما لم يكن في الحسبان؛ سقط الفريق أمام "نورنبيرغ" الذي يصارع
الهبوط في مفاجأة زلزلت ألمانيا، وبينما كان ليفركوزن ينزف، كان دورتموند ينقض على
الصدارة بفوز درامي على هامبورغ، وفي الجولة الأخيرة، لم يشفع فوز ليفركوزن على هيرتا
برلين، لأن "أسود الفيستفاليا" حسموا اللقب، ليخسر "فريق المصنع"
لقبه الأول والدموع تملأ "باي أرينا".
ولم تأتي المصائب فرادي، في ليلة الصعود التاريخي أمام مانشستر يونايتد، دفع ليفركوزن ضريبة الدم، حيث أُصيب القائد وصخرة الدفاع "ينس نوفوتني" بتمزق في الرباط الصليبي، وفُقد "زي روبرتو" بالإيقاف، ليجد توبمولر نفسه يدخل الأمتار الأخيرة بصفوف مشوهة.
·
حاول
توبمولر لملمة أشلاء فريقه المحطم نفسياً والتركيز على نهائي الكأس ضد شالكه، بدأت
المباراة ببريق أمل بعد هدف "برباتوف" في الدقيقة 27، لكن الانهيار البدني
والذهني كان أسرع من الجميع؛ انتفض شالكه وسجل 4 أهداف متتالية صدمت أوروبا بأكملها،
انتهى اللقاء بنتيجة (4-2)، وضاع الحلم الثاني في مشهد جنائزي.
· لم يتبقَّ سوى "الكريزة" التي قد تمحي كل آلام الموسم: نهائي دوري أبطال أوروبا ضد ريال مدريد، رفض توبمولر الدفاع، وأصر على السيطرة، لكن رمية تماس "ساذجة" من روبرتو كارلوس جعلت راؤول يسجل الهدف الأول، ورغم عودة "لوسيو" بهدف التعادل، جاءت اللحظة التي أوقفت الزمن؛ تسديدة "زيدان" الخرافية التي سكنت الشباك وأعلنت تقدم الريال، صمد ليفركوزن وحاول، وأضاع فرصاً محققة للتعديل، لكن التوفيق الذي رافقهم طوال الموسم قرر الرحيل في ليلة جلاسكو.
ما وراء الانهيار: لماذا سقطت الأوركسترا في الأمتار الأخيرة؟
لم يكن ضياع الثلاثية مجرد سوء حظ، بل كان "انفجاراً"
لمنظومة استُنزفت حتى الثمالة؛ فالإرهاق البدني كان العدو الأول، حيث أصر توبمولر على
اللعب بنفس الإيقاع الهجومي الصاعق طوال الموسم دون "دكة بدلاء" تمتلك العمق
الكافي لتعويض المجهود الخرافي، مما جعل الأجساد تنهار في اللحظة التي احتاجت فيها
للصلابة.
أما العامل الأخطر، فكان الضغط النفسي الرهيب؛ فعندما تحول حلم
"الثلاثية" من دافع إلى "عبء" ثقيل، بدأت الأرجل في التباطؤ والعقول
في التردد، وكأن اللاعبين أصيبوا بدوار القمة في اللحظة التي كان عليهم فيها التنفس
بعمق، لتنتصر "واقعية" الخصوم على "رومانسية" توبمولر التي رفضت
الانحناء حتى وهي تحتضر.
🎙️
كلمة الوداع: هل كانت كرة القدم عادلة؟
لم تكن الـ 18 يوماً مجرد وقت، كانت مقصلة سقط التاج الأول في
بريمن، وتبعه الثاني في برلين، قبل أن يجهز زيدان بـ 'قذيفة كونيّة' على ما تبقى من
رماد الحلم في جلاسكو، في أقل من ثلاثة أسابيع، تحول ليفركوزن من 'أسياد أوروبا' إلى
'أشهر الخاسرين' في تاريخ اللعبة.
وعندما سُئل بنبرة مليئة بالشفقة: "ألا تشعر بالضيق لضياع
كل هذه الألقاب؟"، رد الرجل الذي علمنا أن اللعب أجمل من الفوز بكلمات خلدها التاريخ:
-
"لا،
أنا لا أشعر بالحزن لأي لقب ضاع، أي نادٍ في العالم كان سيوقع فوراً لضمان موسم مثل
هذا وبالطريقة التي لعبنا بها، عندما كنت شاباً كنت أقول دائماً: لست مهتماً بالألقاب،
أريد أن أمنح الناس مباريات جذابة وممتعة، أريد أن ألعب كرة القدم فقط، يجب أن تكون
كرة القدم ملهمة،، وهذا بالضبط ما حققناه"
رحل جيل 2002 وبقيت قصتهم محفورة في ذاكرة كل عاشق يدرك أن كرة
القدم أحياناً تكون قاسية لدرجة الظلم، لكنها تظل مدينة بالفضل لأولئك الذين تجرأوا
على الحلم بالجمال في زمن النتائج الصماء!
(المصادر)
2- كنا نلعب كرة قدم هي الأجمل في أوروبا
3-
نهائي كأس المانيا أمام شالكه

