الفوضى الأوروبية: حين تمرّدت الكرة على الكبار
هناك مواسم تنتهي بمجرد رفع الكؤوس، ومواسم أخرى تبقى معلقة
في ذاكرة الجماهير لعقود طويلة، لكن موسم 1999/2000 كان شيئًا مختلفًا تمامًا؛ عامًا
بدا وكأن كرة القدم قررت فيه أن تتمرد على التاريخ، على الميزانيات، وعلى أسماء الكبار.
في ذلك الموسم، لم تكن أوروبا تحت حكم ريال مدريد أو مانشستر
يونايتد أو بايرن ميونخ فقط، بل ظهرت فرق لم يكن أحد يضعها في مقدمة الترشيحات، فرق
جاءت من الظل لتخطف الأضواء وتسرق المجد من الجميع.
هل تساءلت يوماً: في عام واحد، كيف يُتوَّج بطل ليغا لم يفز
باللقب قط؟ وكيف أقدم نادٍ تركي على هزيمة أرسنال في أوروبا؟ وكيف عاد نادٍ إيطالي
بعد 26 عاماً من الانتظار ليُعلن عودته؟
دعونا نسترجع معاً أحداث الموسم الأكثر جنوناً في تاريخ كرة
القدم الحديث لنري:
من الفريق الذي كسر القواعد أكثر في موسم 1999/2000؟
ديبورتيفو لاكورونيا،، المعجزة التي
كسرت احتكار الليغا
في إسبانيا، كانت الليغا تبدو وكأنها حكر أبدي على ريال مدريد
وبرشلونة، لكن في الزاوية الشمالية الغربية من شبه الجزيرة الإيبيرية، تقع مدينة لاكورونيا
— ميناء هادئ بعيد عن أضواء مدريد وبرشلونة
في
ذلك الموسم حمل "سوبر ديبور" للعالم رسالة واضحة: الجغرافيا لا تحدد الأبطال.
ديبورتيفو لاكورونيا لم يكن يملك تاريخاً عملاقاً يخيف به المنافسين،
كان نادياً متقلباً أمضى معظم وجوده في الليغا بين صراع البقاء ومحاولات التسلق، دون
أن يلمس القمة يوماً، لكن المدرب خافيير إيروريتا صنع من المتاح ما لم يتخيله أحد كتيبة محاربة ضمّت البرازيلي الصخرة دوناتو، والهولندي
الخطير روي ماكاي، والمغربي الماكر نور الدين نايبت، وشاب اسمه ليونيل سكالوني لم يكن
أحد يعلم حينها أنه سيقود يوماً منتخب الأرجنتين إلى كأس العالم.
بدأ الموسم بهدوء مخادع؛ بعد عشر جولات، كان ديبورتيفو في المركز
الرابع بـ18 نقطة من خمسة انتصارات وثلاثة تعادلات وهزيمتين، الأول كان يتقدم بـ22
نقطة فقط فارق صغير، لكنه كافٍ ليُبعد عن الأذهان أي حديث عن اللقب.
ثم تحرّك القطار، انتصار تلو الآخر، والأرقام تتراكم والثقة
تتضاعف، أنهى "السوبر ديبور" الدور الأول في الصدارة بـ37 نقطة — 11 فوزاً
و4 تعادلات و4 هزائم — وما زاد الأمر توهجاً أن في طريقه تلك أسقط برشلونة وسحق أتلتيكو
مدريد، وعاد من سانتياغو برنابيو بنقطة ثمينة من عقر دار الملوك.
الجولة 29،،، حين ظنّ الجميع أن الحلم انتهى
بلغ التوتر ذروته في الجولة 29، حين التقى الفريقان وجهاً لوجه،
فاز برشلونة 2-1، وقلّص الفارق إلى نقطتين فقط، عاد الزخم الكتالوني بكل ثقله، وبدأ
الجميع يُعيد حساباته: هل انتهى حلم لاكورونيا؟
لكن ديبورتيفو لم يسمع السؤال، واصل العمل في صمت، فيما تعثّر
برشلونة في الجولات الأخيرة كمن يحمل ثقلاً لا يُطيقه، وانقضّ "السوبر ديبور"
على خصومه بدمٍ بارد لا يرحم.
أنهى ديبورتيفو لاكورونيا الموسم بـ69 نقطة، متفوقاً على برشلونة
بـأربع نقاط وعلى ريال مدريد بـسبع نقاط كاملة، لم يكن لقباً عادياً في الليغا بل كان أول لقب في التاريخ الكامل للنادي، في تلك
الليلة، أدرك الجميع أن الليغا لم تعد ملكاً لأحد وأن الكرة، في أجمل لحظاتها، تمنح
اللقب لمن يستحقه.
غلطة
سراي: الليرة التركية التي اشترت الخلود الأوروبي
ليلة كوبنهاغن التي أشعلت إسطنبول
في ذلك الوقت، لم يكن أحد ينظر للأندية التركية كقوة أوروبية
حقيقية، المشاركات كانت تنتهي مبكرًا غالبًا، والألقاب الأوروبية بدت حلمًا مستحيلًا.
لو أخبرك أحدهم في عام 1999 بأن نادياً تركياً سيتخطى أرسنال
التي تملك هنري بيركامب فييرا آدمز و ديفيد سيمان ويفوز بكأس الاتحاد الأوروبي، لربما
ابتسمت شفقةً عليه، لكن هذا بالضبط ما فعله غلطة سراي بقيادة الأسطوري فاتح تريم.
لم يكن الفريق يملك جيشاً من النجوم، لكنه امتلك ما يكفي: حاكان
شوكور القاتل الصامت أمام المرمى، وهاجي الساحر الروماني الذي كان يصنع الفارق من لا
شيء.
بدأت الرحلة بتخطي بولونيا ذهاباً وإياباً، ثم إسقاط بوروسيا
دورتموند بثنائية في تركيا وتعادل سلبي في ألمانيا، ومن بعده مايوركا بنتيجة مجمعة
6-2 مدوية، وفي نصف النهائي أمام ليدز يونايتد، فاز في تركيا 2-0 وعاد من إنجلترا بتعادل
إيجابي 2-2 ليبلغ النهائي.
النهائي أمام أرسنال كان المشهد الأكثر إثارةً؛ الجميع اعتقد
أن الرحلة تنتهي هنا، انتهت المباراة بالتعادل السلبي، ودخل الفريقان مواجهة الجزاء،
هناك كان للعارضة والقائم
نصيب من البطولة وصدّ
ما يكفي ليكتب التاريخ للنادي التركي وانتهت 4-1.
رُفع الكأس عالياً باللونين الأحمر والأصفر، اهتزت إسطنبول،
وأصبح غلطة سراي أول نادٍ تركي يفوز ببطولة أوروبية كبرى في عقر دار القارة العجوز
وأمام أعين العالم.
إسبانيول: خنجر الباريّ يطعن
الـ"كولشونيروس"
لا يخطر ببال كثيرين عند ذكر أبطال إسبانيا موسم 1999/2000 اسمُ
إسبانيول، ذلك الجار الأصغر في برشلونة، الذي يعيش دوماً في الظل العملاق، ويكتفي في
الغالب بدور المتفرج حين تُوزَّع الألقاب الكبرى.
لكن في كأس ملك إسبانيا تلك السنة، قرر إسبانيول أن يكتب اسمه
بنفسه.
الكلاسيكو الذي لم يحدث
في نصف النهائي، كانت التوقعات تصنع نهائياً من العيار الثقيل:
ريال مدريد في مواجهة برشلونة، الكلاسيكو الأبدي على أرض الكأس هذا ما أراده الجميع
وتوقعه الجميع، لكن الكرة، كعادتها، لم تستشر أحداً.
أنهى إسبانيول مباراة الذهاب أمام ريال مدريد بتعادل سلبي مُشرِّف،
فيما فاز أتلتيكو مدريد على برشلونة بـثلاثية صاعقة، وفي الإياب، سجّل إسبانيول الهدف
الوحيد وصعد بهدوء المنتصر، فيما انسحب برشلونة من الإياب بسبب شُح اللاعبين، ليرحل
من البطولة دون صخب.
فجأة، لم يكن أحد من العملاقين في النهائي.
المعجزة تحدث بعد 60 عام!
في النهائي أمام أتلتيكو مدريد، دخل إسبانيول الملعب بثقة غريبة
ثقة من يعرف أن التاريخ ينتظره خلف الخط الأبيض، وفي الدقيقة الثانية فقط، اهتزت الشبكة
وتقدم الفريق الكتالوني في صدمة مبكرة أربكت حسابات الـ"كولشونيروس".
قاتل إسبانيول بأظافره للحفاظ على التقدم، وحين بدأ الضغط الأتلتيكي
يثقل الهواء، جاء الهدف الثاني قبل نهاية اللقاء بـست دقائق ليُغلق الباب، أحرز أتلتيكو
هدف التقليص في اللحظات الأخيرة، لكن الوقت لم يكن رحيماً بالأحمر والأبيض.
انتهت المباراة 2-1، ورُفع الكأس في الهواء باللونين الأبيض
والأزرق، لم يكن مجرد لقب بل كان أول كأس للملك في تاريخ إسبانيول منذ 60 عاماً.
لاتسيو: عودة النسور بعد 26
عاماً من الصمت
حين يبكي الزمن مع المنتظرين للأبيض والسماوي 26 عاماً، ليس
رقماً يُقرأ بسهولة، ولا جرحاً يُنسى بسرعة، ذلك هو الزمن الذي أمضاه نادي لاتسيو بعيداً
عن تاج الدوري الإيطالي منذ لقبه الوحيد عام 1974، جيل كامل من المشجعين وُلد وشبّ
وكبر وشاخ دون أن يرى النادي الروماني يرفع الاسكودتو في سماء العاصمة.
لكن في موسم 1999/2000، جمع المدرب سفين غوران إريكسون تحت رايته
ما يشبه الحلم: فيرون يقود خيوط اللعب بعبقرية، دييغو سيميوني يضخّ الروح القتالية
في عروق الفريق، نيستا يُحكم قفل الدفاع، نيدفيد يُشعل الجناح، وسيمون إنزاغي القناص
البارد ينتظر خلف الخط الأبيض ليُعاقب أي خطأ.
سباق الأعصاب مع السيدة العجوز
بدأ الموسم وكأن الفريقين صُنعا من نفس الطينة؛ في أول عشر جولات،
كان لاتسيو ويوفنتوس يسيران جنباً إلى جنب بنفس الأرقام تماماً 8 انتصارات، تعادلان، هزيمة واحدة، وفي الجولة الحادية
عشرة، التقيا وجهاً لوجه في قمة الجولة، فتعادلا سلبياً كمن يتبادلان تحديقاً طويلاً
دون أن يرمش أحدهما.
مع نهاية الدور الأول، تقدّم يوفنتوس بفارق نقطة واحدة، والجميع
رأى في ذلك النهاية المنطقية للسباق السيدة العجوز تُحكم قبضتها كالعادة.
الجولة 28،،، حين عاد الصقر بأنيابه
قبل مباراة الإياب المباشرة بين الفريقين، كان الفارق قد اتسع
إلى 6 نقاط لصالح يوفنتوس، قال الجميع إن اللقب حُسم، لكن النسور أبوا أن يسمعوا، ودخلوا
ذلك اللقاء بنار في البطن، وخرجوا منه بفوز بهدف نظيف ليُعيدوا الفارق إلى 3 نقاط.
ثم جاءت الجولة 30 لتُعيد تشكيل المشهد من جديد؛ سقط لاتسيو
في الدقيقة 92 بتعادل مؤلم 3-3 أمام فيورنتينا من توقيع باتيستوتا في اللحظة التي كان
فيها يوفنتوس يفوز على إنتر 2-1، اتسع الفارق مجدداً إلى 5 نقاط قبل 4 جولات فقط من
نهاية الموسم.
الزلزال الذي لم يتوقعه أحد
في الجولة 32، حدث ما لم يكن في حسابات أحد سقط يوفنتوس أمام
هيلاس فيرونا 2-0 في صدمة أعادت رسم خريطة السباق بالكامل، تقلّص الفارق إلى نقطتين
فقط، وعادت الحياة إلى حلم كان يُحتضر.
ثم وصلنا إلى الجولة الأخيرة، لاتسيو أمام ريجينا، يوفنتوس أمام
بيروجيا — فرق متوسطة لا تلعب على شيء، والجميع توقع أن السيدة العجوز ستنهي مهمتها
بهدوء وتتوّج باللقب.
لكن الكرة لم تستشر الجميع.
فاز لاتسيو بـثلاثية نظيفة، وفي الوقت ذاته كانت بيروجيا تُهدي
العالم مفاجأة الموسم فوز بهدف نظيف على يوفنتوس أسقط السيدة العجوز من على عرشها وأعاد
الاسكودتو إلى روما، أنهى لاتسيو الموسم بـ72 نقطة مقابل 71 ليوفنتوس فارق نقطة واحدة
لا غير، كانت تساوي 26 عاماً من الانتظار.
لم تكن الصرخة في روما تلك الليلة مجرد احتفال، كانت بكاءً مكبوتاً
لعقود، سُكب دفعةً واحدة على أرصفة العاصمة وفي قلوب الملايين من الصقور الذين آمنوا
حين لم يؤمن أحد.
ولم يكتفِ بالسكوديتو
كأن 26 عاماً من الجوع لم تُشبع النسور بلقب واحد؛ وصل لاتسيو
إلى نهائي كأس إيطاليا أمام إنتر ميلان، وفاز في الذهاب 2-1، قبل أن يُعيد التعادل
السلبي ليُحسم اللقب ويُتوَّج لاتسيو بالثنائية التاريخية.
موسم كامل في نقطة واحدة: الصقر لا يتوقف عن الحلقان حتى يصطاد.
مفاجآت أخرى أصابت العالم بالصعق
لم يكتفِ موسم 1999/2000 بما صنعه في الملاعب المحلية، بل امتدت
فوضاه لتطال القارة العجوز بأكملها.
في نهائي دوري الأبطال، وصل فالنسيا للمرة الأولى في تاريخه
إلى أكبر ليلة أوروبية إنجاز وحده يستحق أن يُروى.
وفي يورو 2000، كتبت الكرة مشهدين لن ينساهما التاريخ، إيطاليا
كانت على بُعد ثوانٍ من اللقب، حتى جاءت الدقيقة 94 لتُعيد
كل شيء إلى الصفر بقدم ويلتور، وفي الدقيقة 103 من الوقت الإضافي، أطفأ تريزيغيه بهدفه
الذهبي آخر شمعة زرقاء في بروكسل.
أما تركيا، فكتبت قصة مختلفة تماماً؛ منتخب لا تاريخ أوروبي
ثقيل له، قاده مصطفى دينيزلي بجيل جوهره هاكان شوكور، ليتجاوز دور المجموعات ويُطيح
بتشيكيا ويقف على المنصة البرونزية بعد إسقاط المضيف 2-0 إعلان رسمي عن ميلاد جيل سيُكمل حكايته في مونديال
2002.
حين يقف المتأمل أمام كل هذا، يدرك أن موسم 1999/2000 لم يكن
موسماً عادياً بل كان بياناً صاخباً في وجه
كل من اعتقد أنه يعرف مسبقاً كيف تنتهي القصة.
في كرة القدم، لا شيء محسوم حتى تصفر النهاية.
المصادر
1-
ترتيب
الليجا الاسبانية لموسم 1999/2000
2-
ضربات
جزاء أرسنال & جلتسراي