نهائي كأس العالم 1974
في ملعب أولمبياشتاديون
في ميونخ، حوالي 80 ألف متفرج في المدرجات، وملايين أمام شاشات التلفاز، العالم كله
ينتظر أن تبدأ المباراة، لكنها بدأت بطريقة لم يرها أحد من قبل، الكرة تدور بين أقدام
الهولنديين، تمريرة، ثم أخرى ثم ثالثة ثم رابعة، حتى وصلت إلى 16 تمريرة متتالية دون
أن يلمس أي لاعب ألماني الكرة حتي وصلت الي يوهان كرويف الذي أنطلق من منتصف الملعب كإعصار
برتقالي، تجاوز المدافعين، دخل منطقة الجزاء، فسقط أرضاً.
ركلة جزاء،
نيسكينز يضع الكرة على النقطة البيضاء ليسجل أسرع هدف في تاريخ نهائيات كأس العالم
بعد 90 ثانية فقط!
صرخ الجمهور الهولندي، صمت المعلق لأنه لم يصدّق ما رأى، ألمانيا خاسرة في ملعبها
قبل أن تلمس الكرة، في تلك اللحظة تحديداً، بدا أن الكأس قد حُسمت، بدا أن المنتخب
البرتقالي جاء ليكتب بداية جديدة لتاريخ اللعبة.
لكن بعد أقل من ساعتين، لم يكن كرويف يحمل كأس العالم، ولم تكن هولندا بطلة
العالم، ولم يتذكر أحد النتيجة بقدر ما تذكر الفريق نفسه!
فكيف خسر أعظم منتخب شاهده العالم؟
قبل كرويف،، لم تكن هولندا موجودة
عندما نتحدث اليوم عن هولندا، نتذكر كرويف وفان باستن وخوليت
وبيركامب وفان دير رسار و سيدورف
وروبن وشنايدر، لكن قبل السبعينيات، كانت الصورة مختلفة تماماً، لم تكن هولندا قوة
كروية كبرى، لم تكن متواجدة علي الخريطة!
لم تحقق أي إنجاز عالمي
يذكر، لم تتأهل إلى كأس العالم منذ 1938، ولم تكن تُقارن بألمانيا أو إيطاليا أو البرازيل
أو الأوروغواي حتي، كان مجرد اسم عابر في سجلات الاتحاد الدولي، منتخب يشارك أحياناً
ويغيب كثيراً، منتخب لا يخشاه أحد.
لكن كل شيء تغير عندما التقى رجلان، الأول مدرب عبقري اسمه رينوس
ميتشيلز، والثاني لاعب عبقري اسمه يوهان كرويف، لم يبنيا منتخباً جديداً فقط بل أعادا
اختراع كرة القدم نفسها.
رينوس ميتشيلز | الرجل الذي
أعاد اختراع كرة القدم
كان ميتشيلز ينظر إلى اللعبة بطريقة مختلفة، قبله كان كل لاعب
يلتزم بمركزه، لا أحد يترك مكانه مهما حدث، أما هو فكان على العكس تماماً، لم يكن يؤمن
بالمراكز الثابتة، ولم يكن يحب أن يبقى اللاعب أسيراً لمكان محدد، وكان يرى أن أفضل
طريقة للدفاع هي الهجوم.
من هنا ولدت فلسفة "الكرة الشاملة".
وببساطة، معناها أن أي لاعب يمكن أن يكون في أي مكان وفي أي
لحظة، المدافع يتقدم ليهاجم، والمهاجم يتراجع ليدافع، والكرة تُدار بسرعة بين لاعبين
يتحركون في الوقت نفسه، لا مراكز ثابتة، الملعب كله ملك للفريق الذي يملك الكرة.
وإذا فقد الفريق الكرة، يبدأ استعادتها فوراً، الجميع يضغط،
الجميع يهاجم، الجميع يدافع، لكن تنفيذ هذه الفكرة على أرض الواقع لم يكن سهلاً، احتاجت
إلى لاعبين يمتلكون ذكاءً استثنائياً وقدرة بدنية هائلة، وإلى قائد يفهم اللعبة قبل
أن تحدث بلحظات.
ذلك القائد كان يوهان كرويف
يوهان كرويف | الرجل الذي رفض
الشريطة الثالثة
لفهم كرويف حقاً، لا تبحث عن أهدافه، ابحث عن قراراته خارج الملعب!
المنتخب الهولندي كان متعاقداً مع أديداس، قمصانهم البرتقالية
تحمل ثلاثة خطوط على الأكمام، العلامة الشهيرة للشركة، لكن كرويف كان يملك عقداً شخصياً
مع بوما، المنافس الأكبر لأديداس، رفض ارتداء الخطوط الثلاثة، رفضاً تاماً، لم يتراجع،
ولم يقبل المساومة، الحل؟ صُنِع له قميص خاص بخطّين فقط، كل لاعبي العالم يرتدون ثلاثة
خطوط، ورجل واحد فقط يرتدي خطين.
هذه ليست قصة ثانوية، هذه هي شخصية كرويف بالكامل، رجل لا يقبل
بشيء فقط لأن الجميع قبله، لا يخشى الوقوف وحده، ولا يتردد في الدفاع عن قناعاته مهما
كانت الظروف، وهذه الشخصية الصلبة والمستقلة والواثقة من نفسها كانت نعمة على أرض الملعب،
عندما كان كرويف يتحدث داخل غرفة الملابس، كان الجميع يستمع، وعندما يطلب شيئاً داخل
الملعب، ينفذه زملاؤه دون تردد، لم يكن قائداً لأنه يحمل شارة القيادة، بل لأنه كان
المرجع الذي يدور حوله كل شيء.
كان العقل المفكر للفريق، والمترجم الحقيقي لأفكار ميتشيلز،
والرجل الذي يحول الفوضى المنظمة للكرة الشاملة إلى شيء مفهوم ومخيف في الوقت نفسه،
في مونديال 1974 سجل وصنع وقاد الهجمات وأرعب المدافعين أينما ذهب.
لكن تأثيره الحقيقي لم يكن في الأرقام فقط، كان في الثقة التي
منحها لزملائه، في الإيمان الذي زرعه داخل المجموعة، وفي الشعور الذي جعل منتخباً لم
يكن يُحسب بين الكبار يدخل كأس العالم وهو مقتنع بأنه الأفضل على وجه الأرض، ولهذا
السبب، عندما يتحدث الناس عن هولندا 1974، فإنهم لا يتحدثون عن لاعب عظيم فقط، بل عن
قائد غيّر طريقة لعب كرة القدم إلى الأبد.
كأس العالم 1974،،، عندما أذهلت
هولندا العالم
وصلت هولندا إلى ألمانيا الغربية وهي لا تحمل إرث البرازيل،
ولا هيبة ألمانيا، ولا تاريخ إيطاليا، لكنها كانت تحمل شيئاً أخطر من كل ذلك: أفكار
مختلفة تماماً !
منذ المباراة الأولى أمام الأوروغواي، شعر الجميع أن هناك شيئاً
مختلفاً يحدث على أرض الملعب، لم يكن المشاهد يعرف من هو المهاجم ومن هو المدافع، كرويف
يظهر على الجناح، ثم يعود إلى دائرة المنتصف، وبعد ثوانٍ تجده داخل منطقة الجزاء، نيسكينز
يهاجم ثم يفتك الكرة بنفسه، كرول يتقدم كصانع ألعاب، بينما يندفع المدافعون إلى الأمام
وكأنهم مهاجمون إضافيون.
فازت هولندا على الأوروغواي بثنائية، ثم تعادلت مع السويد سلبياً
في مباراة أغلقت فيها كل المساحات، قبل أن تمطر شباك بلغاريا بأربعة أهداف، لكن النتائج
لم تكن القصة الحقيقية.
القصة كانت في الطريقة، في السرعة التي تستعيد بها الكرة، في
الحركة المستمرة التي تجعل مراقبة لاعب واحد أمراً مستحيلاً، وفي الشعور الذي أصاب
المنافسين وكأنهم يطاردون أشباحاً برتقالية لا تتوقف عن الركض.
السحر الحقيقي بدأ في الدور الثاني،، هناك تحولت هولندا من منتخب
رائع إلى ظاهرة عالمية.
أمام الأرجنتين، لم يكن الفوز برباعية نظيفة هو ما أبهر الجماهير،
بل الطريقة التي جاء بها، كانت الكرة تنتقل بسرعة مذهلة، واللاعبون يبدلون مراكزهم
باستمرار، حتى بدا وكأن الأرجنتينيين يلعبون ضد أحد عشر لاعباً إضافياً، كلما فقد الهولنديون
الكرة، استعادوها خلال ثوانٍ، وكلما حاول الخصم بناء هجمة، وجد ثلاثة قمصان برتقالية
تحاصره من كل اتجاه.
ثم جاء الفوز على ألمانيا الشرقية بهدفين دون رد، لتصبح الطريق
إلى النهائي مفتوحة أمام الاختبار الأكبر، البرازيل، بطلة العالم، منتخب جيرزينيو وريفيلينو
وصاحب الهيبة التي أرعبت العالم لسنوات.
لكن ما حدث في تلك المباراة كان إعلاناً رسمياً بأن عصر كرة
القدم القديمة يقترب من نهايته، ضغط هولندي متواصل، استحواذ ذكي، حركة لا تتوقف، وثقة
جعلت البرازيل تبدو للمرة الأولى كفريق يحاول اللحاق بمنافسه لا العكس.
انتهت المباراة بفوز هولندا 2-0، لكن النتيجة لم تعكس حجم الفارق
الحقيقي، في ذلك اليوم لم تهزم هولندا البرازيل فقط، بل هزمت فكرة كاملة عن كيفية لعب
كرة القدم.
وعندما أطلق الحكم صافرة النهاية، لم يعد السؤال من سيفوز بكأس
العالم، بل أصبح السؤال: هل شاهدنا أعظم فريق لعب كرة القدم على الإطلاق؟
يوم المباراة | القنبلة الصحفية
قبل المباراة النهائية بيوم واحد، حدث ما لم يكن في الحسبان،
نشرت صحيفة بيلد الألمانية تقريراً مثيراً، بعنوان صادم: "كرويف، الشمبانيا،
وفتيات عاريات في حمام السباحة"، ادعى التقرير أن نجوم المنتخب الهولندي أقاموا
حفلة صاخبة في مسبح فندق الإقامة برفقة فتيات ألمانيات.
انفجر ميتشيلز في مؤتمره الصحفي وسمّى ما حدث "حرباً نفسية
مدبّرة" وهجوماً على مسيرة فريقه، لكن الضرر كان قد وقع.
بعض اللاعبين أحضروا زوجاتهم إلى التدريب الأخير احتجاجاً، أجواء
التركيز التي يحتاجها فريق قبل نهائي كأس العالم تبخّرت في ساعات، وبدلاً من أن يصل
الهولنديون إلى ملعب ميونخ وفي رؤوسهم شيء واحد، وصلوا وفي رؤوسهم عشرة أشياء.
ربما لم تكن الفضيحة تؤثر علي النتيجة، لكنها بالتأكيد لم تساعد
الفريق على التركيز بنسبة 100%.
النهائي | عندما خسرت كرة القدم
أجمل أحلامها
بعد الهدف المبكر الذي أصاب العالم بالذهول، بدا وكأن هولندا
في طريقها إلى أمسية تاريخية، اللاعبون البرتقاليون تناقلوا الكرة بثقة مفرطة، وربما
بشيء من الاستعراض أيضاً، كانوا يشعرون أنهم يسيطرون على المباراة وعلى خصمهم وعلى
البطولة بأكملها.
لكنهم ارتكبوا خطأً قاتلاً، اعتقدوا أن ألمانيا انكسرت، وألمانيا
لا تنكسر، هنا ظهر القائد بيكنباور، لم يسجل هدفاً، ولم يصنع آخر، لكنه فعل ما يفعله
القادة العظماء في اللحظات الحرجة، أعاد الهدوء إلى فريقه، طالب زملاءه بالقتال، وأقنعهم
أن المباراة لم تنته بعد، شيئاً فشيئاً بدأت الماكينات الألمانية تستعيد أنفاسها، بينما
تراجع الإيقاع الهولندي الذي أرعب العالم طوال البطولة.
وفي الدقيقة 25 حصلت ألمانيا على ركلة جزاء بعد عرقلة هولسنباين
داخل المنطقة، ليتقدم بول برايتنر ويسجل هدف التعادل، وللمرة الأولى في البطولة، بدا
أن هولندا مرتبكة.
ثم جاءت الدقيقة 43، اللحظة التي غيرت تاريخ كرة القدم، وصلت
الكرة إلى جيرد مولر داخل منطقة الجزاء، مساحة صغيرة للغاية، ومدافعون حوله من كل اتجاه،
لكن العباقرة لا يحتاجون إلى مساحة، بلمسة واحدة وحركة جسد خاطفة، استدار "المدفعجي"
وسدد كرة أرضية زاحفة خدعت الجميع واستقرت داخل الشباك، هدف.
ألمانيا 2-1 هولندا
وفي الشوط الثاني ألقت الطواحين بكل ما لديها إلى الأمام، ضغط
متواصل، استحواذ، فرص خطيرة، تسديدات، محاولات لا تتوقف، لكن بيكنباور ورفاقه صمدوا،
وخلفهم وقف سيب ماير كآخر حارس لعرش ألمانيا، ومع كل دقيقة كانت الأحلام البرتقالية
تبتعد أكثر، حتى جاءت الصافرة.
ألمانيا الغربية بطلة العالم، وهولندا،،، مجرد وصيف على الورق.
الملوك غير المتوجين
على أرض ميونخ كانت الدموع تسيل، أما في أمستردام فكانت القصة
مختلفة تماماً، خسروا الكأس لكنهم ربحوا شعباً كاملاً.
عندما عادت بعثة المنتخب الهولندي إلى الوطن، لم تستقبلها الجماهير
كفريق خسر النهائي، بل كأبطال غيّروا وجه اللعبة إلى الأبد، احتشد عشرات الآلاف في
الشوارع، وفتحت لهم أبواب القصور الملكية، واستقبلتهم الملكة جوليانا والأمير برنهارد
وكأنهم عادوا بالكأس الذهبية نفسها.
كان هناك شعور عام بأن هولندا لم تخسر بسبب كرة القدم، بل بسبب
شيء حدث خارجها.
فالجدل الذي سبق النهائي لم يختفِ مع مرور الوقت، وبعد عقود،
ظهرت روايات وشهادات جديدة حول قصة "حفلة المسبح" الشهيرة، اعترفت بعض الفتيات
اللواتي ظهرن في الصور لاحقاً أن القصة تم تضخيمها بشكل كبير، وأن ما حدث لم يتجاوز
أحاديث عابرة وصوراً التُقطت في توقيت مثالي لإشعال عاصفة إعلامية داخل معسكر هولندا.
لا أحد يستطيع الجزم بأن تلك القصة هي السبب المباشر للخسارة،
لكن كثيرين في هولندا ظلوا مقتنعين بأن منتخبهم تعرض لضربة نفسية في أسوأ توقيت ممكن.
وربما لهذا السبب بقيت تلك الهزيمة مختلفة عن غيرها.
فمعظم الفرق تُذكر بالألقاب التي فازت بها، أما هولندا 1974
فتُذكر بالكرة التي قدمتها، وبالفكرة التي زرعتها، وبالثورة التي أطلقتها، لقد خسر
كرويف ورفاقه الكأس، لكنهم ربحوا الخلود.
وبعد أكثر من نصف قرن، لا يزال كثيرون يؤمنون بأن هولندا 1974 كانت أعظم فريق لم يرفع كأس العالم أبداً، وربما أحد أعظم الفرق التي شاهدتها كرة القدم عبر تاريخها كله.
(المصادر)
1- ملخص
المباراة النهائية بين هولندا – ألمانيا
.png)
