ليست المرة
الأولى التي تُقام فيها كأس العالم في الولايات المتحدة، لكنها ربما كانت المرة الأولى
التي يرى فيها العالم البرازيل بدون سحرها!
حين تلعب
البرازيل، نتذكر فوراً بيليه، جيرزينيو، زيكو، سقراط، رونالدو الظاهرة،
رونالدينهو، كاكا، ريفالدو وفناني السامبا الذين كانوا يتعاملون مع الكرة كما لو كانت
آلة موسيقية، نتخيل الأهداف الكثيرة، المراوغات المجنونة، والمتعة التي تجعل الجماهير
تشجع البرازيل وتستمتع بها حتى لو لم تكن برازيلية.
لكن في مونديال
1994، حدث شيء غريب!
البرازيل جاءت
إلى أمريكا وهي تحمل جراحاً عمره 24 عاماً، منذ آخر لقب مونديالي عام 1970، أربعة وعشرون
عاماً من الخيبات، والأجيال الضائعة، والاتهامات بأن كرة القدم الجميلة لم تعد تكفي
للفوز.
وعندما انتهت
البطولة،،، رفعت البرازيل كأس العالم، بعد إنطفاء نشوة النصر، بدأ كثيرين في بلاد السامبا
ومشجعي المنتخب البرازيلي حول العالم، في طرح السؤال الذي ظل يطاردهم لسنوات كان بسيطاً
ومؤلماً:
كيف فازت البرازيل
بكأس العالم عندما توقفت عن لعب الكرة البرازيلية؟
نهائي بلا أهداف،،،
17 يوليو 1994،
أكثر من 94 ألف متفرج احتشدوا في ملعب روز بول بمدينة باسادينا
الأمريكية، على أحد جانبي الملعب وقفت البرازيل، وعلى الجانب الآخر وقفت إيطاليا.
اسمان يكفيان وحدهما لصناعة أعظم نهائي في تاريخ كأس
العالم.
لكن ما حدث فوق العشب كان شيئاً مختلفاً تماماً، لم تكن هناك
استعراضات برازيلية، ولا اندفاع إيطالي، ولا مهرجان أهداف كما توقع الجميع ولاحتي
هدف يتيم، كانت المباراة أشبه برقعة شطرنج ضخمة، مالديني وباريزي وتاسوتي يغلقون المساحات،
ودونغا وماورو سيلفا يغلقونها من الجهة الأخرى، كل فريق يعرف أن الخطأ الواحد قد يكلفه
بطولة انتظرها سنوات طويلة.
مرت الدقائق، ثم انتهى الشوط الأول، ومرت الدقائق مرة أخرى،
ثم انتهى الشوط الثاني، ولأول مرة في تاريخ نهائيات كأس العالم، يصل النهائي إلى الوقت
الإضافي دون أن تهتز الشباك!
روماريو يبحث عن نصف فرصة، باجيو يحاول الهروب من الرقابة، لكن
التعب والخوف من الخسارة كانا أقوى من الرغبة في المغامرة، 120 دقيقة كاملة انتهت بالنتيجة
نفسها: 0-0!
وقف اللاعبون في منتصف الملعب يلتقطون أنفاسهم، وقف العالم بأسره
ينتظر لحظة الحسم!
لكن قبل ذلك،،، علينا أن نعود سنوات إلى الخلف، علينا أن نعرف
كيف وصلت البرازيل إلى هذه النقطة، وكيف قررت أن تصبح منتخباً مختلفاً تماماً عن كل
ما عرفه العالم عنه؟
كارلوس ألبرتو باريرا | الرجل الذي أعلن الحرب على
السامبا
المدرب الذي لم يلعب كرة القدم يوماً
على عكس معظم المدربين العظماء، لم يكن باريرا نجماً سابقاً،
لم يلعب في الأندية الكبرى، ولم يمتلك مسيرة كروية علي الاطلاق، كان خريج التربية الرياضية
وعلوم الأحمال البدنية، ثم اتجه مبكراً إلى التدريب والتحليل التكتيكي، ولهذا السبب
تحديداً لم ينظر إلى كرة القدم بعين الفنان بل أكاديمي.
كان يرى أن المشكلة الكبرى للبرازيل ليست في صناعة الفرص، بل
في استقبال الأهداف، وكان مقتنعاً بأن كرة القدم الحديثة لم تعد تكافئ الفريق الأجمل،
بل الفريق الأكثر توازناً، ولهذا بدأ في بناء مشروع صدم البرازيل كلها.
البرازيل حين تعلمت الدفاع
لسنوات طويلة، كانت البرازيل تلعب وهي تؤمن بأن تسجيل أربعة
أهداف أفضل من منع الخصم من تسجيل ثلاثة، أما باريرا فكان يرى العكس!
منذ تعينه مدرباً للمنتخب الوطني عام 1991، اعتمد على ثنائي
ارتكاز صلب للغاية، وجعل الظهيرين أكثر انضباطاً، وطلب من الفريق التحرك كوحدة واحدة
دفاعاً وهجوماً.
دائماً الرسم التكتيكي يصبح 4-4-2 صارمة للغاية، الكرة تذهب
سريعاً إلى روماريو وبيبيتو، ولا وجود للمخاطرة غير المحسوبة، ولا وجود للجنون الذي
أحبه العالم من البرازيل.
حتى أن الصحافة البرازيلية بدأت تتهمه بأنه يحاول تحويل منتخب
السامبا إلى نسخة لاتينية من الكرة الإيطالية، لكن باريرا لم يكن يهتم، كان يكرر جملة
واحدة فيما معناها:
-
"الجمال
لا يمنحك الكأس،،، الانتصارات هي التي تفعل"
قبل المونديال،،، البرازيل كانت
على بعد دقائق من الكارثة
الغريب أن المشروع كله كاد ينهار قبل أن تبدأ البطولة، في تصفيات
أمريكا الجنوبية لم تكن البرازيل تهيمن كما اعتاد الجميع.
وقبل الجولة الأخيرة كان الترتيب مقلقاً بالنسبة لجماهير السامبا،
أوروغواي في الصدارة بـ10 نقاط، البرازيل ثانياً بـ9 نقاط، بوليفيا ثالثة بـ8 نقاط،
المعادلة كانت واضحة، أي تعثر برازيلي قد يفتح الباب أمام واحدة من أكبر صدمات تاريخ
التصفياتز
وفي ذلك اليوم دخلت البرازيل ملعب ماراكانا أمام المتصدر أوروغواي
وهي تعرف أن الفوز فقط هو الطريق إلى الولايات المتحدة، لكن الوقت كان يمر، والنتيجة
بقيت 0-0، الجماهير بدأت تفقد أعصابها، حتى جاءت الدقيقة 72، عندما فعل روماريو ما يفعله العظماء دائماً، سجل الهدف الأول، ثم
عاد بعد دقائق قليلة ليسجل الثاني، وخلال عشر دقائق فقط تحولت الكارثة إلى احتفال.
وتأهلت البرازيل إلى كأس العالم.
الطريق إلى اللقب،،، حين أصبحت
الواقعية البرازيلية سلاحاً قاتلاً
وصلت البرازيل إلى الولايات المتحدة وسط شكوك كثيرة وأسئلة أكثر،
الجماهير كانت ترى منتخباً مختلفاً عن الصورة التي حفرت في ذاكرتها، أما باريرا فكان
يرى شيئاً آخر تماماً؛ كان يرى فريقاً قادراً على الفوز بكأس العالم.
بدأت الرحلة في دور المجموعات بثبات، فازت على روسيا بهدفين
دون رد، ثم تجاوزت الكاميرون بثلاثية نظيفة أكدت قوتها الهجومية رغم التحفظ التكتيكي
الواضح، قبل أن تتعادل مع السويد 1-1 في مباراة أظهرت للمرة الأولى أن هذا المنتخب
لا يبحث عن الاستعراض بقدر ما يبحث عن النتيجة.
لكن الاختبار الحقيقي جاء في دور الـ16 أمام أمريكا صاحبة
الأرض والجمهور.
في الدقيقة 43، تلقى ليوناردو بطاقة حمراء مباشرة بعد تدخل عنيف
على تاب راموس، فجأة أصبحت البرازيل مطالبة بخوض أكثر من شوط كامل بعشرة لاعبين، في
الماضي ربما كانت البرازيل ستنهار أو تندفع للأمام تاركة المساحات، لكن نسخة باريرا
كانت مختلفة.
تراجع الفريق، أغلق خطوطه، قاتل على كل كرة، وانتظر اللحظة المناسبة،
وعندما جاءت الدقيقة 72، مرر روماريو كرة ساحرة إلى بيبيتو الذي وضعها في الشباك، كان
هدفاً صغيراً في النتيجة، لكنه كان إعلاناً بأن البرازيل أصبحت أكثر واقعية حتي عندما
تُجبر على التخلي عن جمالها.
وفي ربع النهائي، اصطدمت البرازيل بهولندا في واحدة من أجمل
مباريات البطولة.
تقدمت أولاً عبر روماريو، ثم أضاف بيبيتو الهدف الثاني وأحتفل باحتفاليته
الشهيرة التي جسد فيها حمل طفل بين ذراعيه بعد ولادة ابنه، ، وبدا أن المهمة انتهت، لكن الطواحين الهولندية رفضت الاستسلام،
سجل بيركامب هدف تقليص الفارق، ثم أضاف وينتر هدف التعادل لتشتعل المباراة من جديد.
كانت تلك اللحظة التي سقطت فيها منتخبات كثيرة عبر التاريخ،
لكن البرازيل لم تسقط.
في الدقيقة 81، وقف برانكو أمام ركلة حرة مباشرة، وأطلق تسديدة
هائلة اخترقت الحائط وسكنت الشباك معلنة هدف التأهل، مرة أخرى لم تكن البرازيل الأكثر
إبداعاً، لكنها كانت الأكثر قدرة على النجاة.
أما نصف النهائي أمام السويد، فكان صورة مكثفة لفلسفة باريرا،
مباراة مغلقة، مساحات ضيقة، فرص قليلة، وصراع تكتيكي أكثر منه استعراضاً كروياً، حتى
بعد طرد لاعب السويد يوناس ثيرن في الدقيقة 63، لم تندفع البرازيل بجنون، استمرت في
الصبر والانتظار، وكأنها تعلم أن الفرصة ستأتي في النهاية، وبالفعل، بعد 17 دقيقة فقط،
ارتقى روماريو فوق الجميع وسجل هدف المباراة الوحيد، ليقود السامبا إلى النهائي الرابع
في تاريخها.
ثم جاءت ليلة باسادينا،
الليلة التي يعرفها الجميع، 120 دقيقة من التوتر والحذر والخوف
من الخطأ، ثم ركلات الترجيح.
أضاع باريزي أولاً، ورد سانتوس بإهدار مماثل، سجل ألبرتيني وإيفاني،
ثم سجل روماريو وبرانكو، بعد ذلك أهدر ماسارو، وسجل دونغا ليضع الضغط كله على كتفي
روبرتو باجيو!
تقدم النجم الإيطالي نحو الكرة، سدد، فارتفعت الكرة فوق العارضة،
وفي تلك اللحظة، ركض الجميع صارخاً نحو الجماهير، بينما عادت كأس العالم أخيراً إلى
البرازيل بعد 24 عاماً من الانتظار.
هل يجب أن تخون هويتك من أجل أن
تصبح بطلاً؟
لا يزال الجدل مستمراً حتى اليوم،
هناك من يرى أن البرازيل 1994 لم تكن برازيل حقيقية، لم تكن
ممتعة مثل 1982، ولا ساحرة مثل 1970، ولا حتى هجومية كما اعتاد العالم من منتخب السامبا.
لكن هناك من يرد بسؤال بسيط: ماذا لو استمرت البرازيل في اللعب
بالطريقة نفسها التي أحبتها الجماهير وخسرت مرة أخرى؟ الحقيقة أن باريرا اتخذ قراراً
لم يجرؤ كثيرون على اتخاذه، ضحّى بجزء من الهوية من أجل الحلم الأكبر، استبدل المتعة
المطلقة بالتوازن، والجنون بالحسابات، والاندفاع بالصبر.
وربما لهذا السبب تحديداً فاز،
في كرة القدم كما في الحياة، أحياناً يكون أصعب قرار هو التخلي
عن جزء مما تحب، من أجل الوصول إلى ما تريد، لكن السؤال الذي بقي معلقاً منذ صيف
1994 وحتى اليوم:
هل كانت البرازيل بطلة لأنها غيّرت هويتها؟ أم أن هويتها الحقيقية
كانت دائماً القدرة على التكيّف والفوز مهما تغيّرت الظروف؟
والأهم،،، لو وُضع أحد عمالقة اليوم أمام الخيار نفسه، بين الحفاظ
على فلسفته أو تغييرها من أجل الكأس، فمن تظن أنه سيملك الشجاعة للقيام بما فعله باريرا
قبل أكثر من ثلاثين عاماً؟
(المصادر)
1- ضربات
جزاء أيطاليا والبرازيل في المباراة النهائية
2-
تكتيك
كارلوس البريتو بيريرا
