إذا سألت أي مشجع كرة قدم عن كأس
العالم 1986، فغالبًا ستأتيك الإجابة نفسها خلال ثوانٍ: "إنه مونديال مارادونا،"
والحقيقة أن هذا الوصف ليس خاطئًا.
ففي ملاعب المكسيك، وبين مراوغات
لا تزال تُعرض حتى اليوم، صنع مارادونا واحدة من أفضل الأداءات الفردية
التي شاهدتها كأس العالم حيث سجل وصنع وقاد الأرجنتين نحو المجد، حتى بدا وكأنه حمل
الكأس وحده على كتفيه.
لكن كرة القدم لم تكن يومًا لعبة
لاعب واحد!
خلف مارادونا كان هناك عشرة رجال
يركضون ويقاتلون ويصنعون المساحات ويحمون الحلم نفسه، رجال ساهموا في كتابة التاريخ،
لكن التاريخ نفسه لم يمنحهم المساحة التي يستحقونها.
ولهذا دعونا نسأل سؤالًا مختلفًا:
هل تتذكر من سجل أهداف الأرجنتين في نهائي كأس العالم 1986؟
كثيرون يتذكرون هدف بوروتشاغا
الحاسم، قلة فقط تتذكر الهدف الآخر، والأقل منهم يعرفون قصة صاحبه، أسطورة
مقالنا اليوم هو خورخي فالدانو، الرجل الذي يعرفه الجيل الحالي كمدير رياضي سابق لريال
مدريد ومحلل تلفزيوني لامع، لكن القليل يعرف أنه قبل كل ذلك كان مهاجماً سجّل الهدف
الثاني في نهائي كأس العالم 1986.
الدقيقة 56 في أستيكا… حين كتب
فالدانو اسمه في التاريخ
29 يونيو 1986، نهائي كأس العالم
احتضن ملعب أستيكا في مكسيكو سيتي واحدة من أكثر المباريات أهمية
في تاريخ كرة القدم، أكثر من 114 ألف متفرج احتشدوا في المدرجات لمتابعة نهائي كأس
العالم بين الأرجنتين وألمانيا الغربية، كانت الأرجنتين تحلم بالنجمة الثانية في تاريخها،
بينما دخل الألمان اللقاء بحثًا عن لقب عالمي ثالث يؤكد مكانتهم بين كبار اللعبة.
بدأت المباراة بتوتر واضح، لكن الأرجنتين نجحت في فرض شخصيتها
مبكرًا، وفي الدقيقة 23، ارتقى المدافع خوسيه لويس براون فوق الجميع وحول الكرة إلى
الشباك، ليمنح منتخب بلاده التقدم وينهي الشوط الأول بنتيجة 1-0.
في الشوط الثاني، الألمان يضغطون ويبحثون عن ثغرة، والأرجنتين
تنتظر، ثم في الدقيقة 56، حدث ما أنهى الجدل، تحرّك فالدانو على يسار منطقة الجزاء
بخطوات واثقة، خرج الحارس شوماخر لمضايقته وتضييق الزاوية عليه، لكن فالدانو لم يتسرّع
ولم يرتبك، وضعها ببرود قاتل بقدمه اليمنى في الشبكة، 2-0، في تلك اللحظة بالذات، شعر
الجميع أن الكأس في طريقها إلى بوينس آيريس.
كان ذلك الهدف هو الرابع لفالدانو في البطولة، مساهمة حقيقية
من مهاجم لعب دورًا أساسيًا في مشوار الأرجنتين نحو اللقب، لكن القدر كان يخبئ له مفارقة
غريبة؛ فبينما خُلّد ذلك المونديال باسم مارادونا، تراجع اسم فالدانو إلى الخلف شيئًا
فشيئًا، عاد إلى بلاده بطلاً للعالم، وسجل هدفًا في نهائي كأس العالم، وهو إنجاز يحلم
به أي لاعب، ومع ذلك مرّت السنوات وأصبح كثيرون يتذكرون فقط مارادونا،،،
وينسون الرجل الذي ساعده في رفعها.
من لاس باريخاس إلى ريال مدريد
| مسيرة رجل استثنائي
وُلد خورخي فالدانو في 4 أكتوبر 1955 في لاس باريخاس، مدينة
صغيرة في مقاطعة سانتا في الأرجنتينية، لم يكن من تلك المدن التي تُنتج النجوم الدوليين
عادةً، لكن فالدانو كان مختلفاً من البداية.
بدأ مسيرته مع نيويلز أولد بويز عام 1973، وهناك فاز بلقب الدوري
الأرجنتيني عام 1974، لم يكن مهاجماً من النوع الذي يراوغ ويستعرض، بل كان طويل القامة،
ذكياً في الحركة، يفهم المساحات ويستغلها بهدوء مدروس، وبعد مساهمته في تتويج نيويلز
بلقب الدوري، بدأت رحلته الحقيقية.
الانتقال إلى إسبانيا والصعود التدريجي
في عام 1975 أنتقل فالدانو عبر المحيط للذهاب
إلى إسبانيا، انضم إلى ديبورتيفو ألافيس ولعب في الدرجة الثانية الإسبانية لاربع
مواسم لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، لكنه كان يتقدم خطوة بعد أخرى حتى لفت الأنظار
وانتقل إلى ريال سرقسطة عام 1979، هناك بدأ اسم فالدانو يكبر، خلال خمسة مواسم خاض
172 مباراة وسجل 71 هدفًا، ليصبح واحدًا من أفضل المهاجمين في الكرة الإسبانية،،
لتأتي القفزة الكبرى عام 1984 حين انتقل إلى ريال مدريد!
ريال مدريد | حيث صنع الفارق
مع ريال مدريد، تحوّل فالدانو من مهاجم جيد إلى لاعب يصنع الفارق
في اللحظات الكبيرة، سجّل 40 هدفاً في 85 مباراة مع ريال في الليغا، فاز معه بلقبَي
الدوري الإسباني 1985-86 و1986-87، وكأس الاتحاد الأوروبي عامَي 1985 و1986،
مسجّلاً ثلاثة أهداف في النهائيَين.
والأهم من الألقاب أنه كان حاضرًا دائمًا عندما تحتاجه المباريات
الكبرى، سجل في نهائيات أوروبية، وسجل في نهائي كأس العالم، وهي إنجازات لا يحققها
إلا اللاعبون الذين يعرفون كيف يتعاملون مع ضغط اللحظات التاريخية.
لماذا فالدانو أسطورة ظل؟
الوقوف بجوار مارادونا في 1986 كان
يعني شيئاً واحداً: الاختفاء التام من الذاكرة الجماهيرية، مارادونا في ذلك المونديال
كان الشمس، ومن حوله كانت مجرد كواكب، بصرف النظر عن مستواهم الحقيقي.
فالدانو سجّل ثلاثة أهداف في دور المجموعات
وهدفاً في النهائي، وكان هذا كافياً عادةً لترك أثر دائم في ذاكرة المشجعين، لكن في
حالته، بقي اسمه بعيداً عن أي نقاش حقيقي حول بطولة 1986.
لكن العناوين كانت كلها لمارادونا.
الكرة لعبة جماعية لكن الذاكرة تحب بطلاً واحداً
هذه هي المفارقة الكبرى في كرة القدم،
عندما تفوز أرجنتين 3-2 في نهائي كأس العالم، يُقال إنها فازت بفضل مارادونا، لكن مارادونا
لم يسجّل في تلك المباراة، سجّل فيها فالدانو وبراون وبوروتشاغا، ومنحها مارادونا التمريرة
الأخيرة.
كرة القدم لعبة جماعية، لكن الذاكرة
الجماهيرية كسولة، تريد بطلاً واحداً وقصة واحدة، ومن دفع ثمن ذلك أشخاص مثل فالدانو.
لأن المرض أنهى قصته قبل أوانها
القدر لم يكن رحيماً معه طويلاً، في عام 1988 اضطرّ فالدانو
إلى الاعتزال بعد إصابته بمرض التهاب الكبد الوبائي، في عمر الثانية والثلاثين، أُغلق
الباب فجأة على مسيرة كانت تستحق أن تستمر، لو استمرت مسيرة فالدانو أربع سنوات إضافية،
لكان شارك في مونديال 1990 وربما أضاف إلى سجله ما كان يجعل تجاهله أصعب.
وفجأة انتهت القصة الكروية قبل أن يكملها!
الخاتمة | الفيلسوف الذي اختار
العقل على الشهرة
بعد الاعتزال، لم يجلس فالدانو ينتظر أن يتذكره أحد، أصبح مدرباً،
ثم مديراً رياضياً لريال مدريد حيث بنى فريق "الغالاكتيكوس"، ثم محللاً تلفزيونياً
يُلقي محاضرات في فلسفة كرة القدم بأسلوب لا يشبه أحداً.
لُقِّب بـ"فيلسوف كرة القدم" لأن كلامه عن اللعبة
كان أعمق من مجرد تحليل تكتيكي، وربما في هذا مفارقة جميلة: الرجل الذي أُنسي كلاعب،
وجد طريقاً آخر لكي يُذكر إلى الأبد.
لكننا في "أساطير الظل" نؤمن أنه يستحق أن يُذكر بطريقة
أخرى أيضاً، يستحق أن يُذكر كمهاجم سجّل في نهائي كأس العالم، كلاعب فاز بكأس أوروبا
مرتين وكأس العالم مرة، كرجل اعتزل في أوج عطائه بسبب المرض.
.png)