حين يسقط الكبار قبل أن تبدأ الحفلة
كل أربع سنوات، تجتمع أقوى منتخبات العالم وهي تحمل أحلام شعوب
كاملة، وتدخل البطولة الافضل في تاريخ كرة القدم، وهي تعلم أن خطأً واحدًا قد يكلّفها
كل شيء، ومع بداية مونديال 2026، بدأت النتائج المفاجئة تظهر؛ تعادل إسبانيا أمام الرأس
الأخضر، وتعثر البرتغال أمام الكونغو، لتعود الأسئلة القديمة من جديد: هل تكفي الأسماء
الكبيرة لضمان النجاح؟ وهل يمكن للمرشحين الكبار السقوط أمام منتخبات لا يضعها أحد
في حساباته؟
التاريخ يقول إن دور المجموعات هو أشد فخاخ كأس العالم خطورةً،
ليس لأنه صعب، بل لأن الكبار يدخلونه واثقين جداً، واثقون من أسمائهم، من تاريخهم،
من النجوم الذين يملكونهم، ثم تأتي مباراة واحدة، أو نتيجة واحدة من ملعب آخر، لتُعلن
للعالم أن الكأس لا تعرف الأسماء ولا تحترم الألقاب.
التعادل مفاجأة، لكن الخروج من دور المجموعات؟ تلك صدمة من نوع
آخر، صدمة تُعاد روايتها عبر الأجيال.
فما هي الصدمة الأكبر في التاريخ؟
البرازيل 1966 | حين سقط الملك لأول
مرة
اللقب الثالث كان في الجيب،،،
عندما وصلت البرازيل إلى مونديال 1966 في إنجلترا، لم تكن مجرد
مرشح للقب، بل كانت فوق الجميع، أبطال العالم في 1958 و1962، ويمتلكون الأسطورة بيليه
في أوج نجوميته، إلى جانب جارينشا وجارزينيو وجيل كامل حقق اللقب مرتين علي
التوالي، وكان الحلم واضحًا: لقب ثالث على التوالي.
أفتتحت البرازيل البطولة بفوز متوقع على بلغاريا 2-0، بدا كل
شيء طبيعيًا، لكن الإصابات والتدخلات العنيفة بدأت تترك أثرها، تعرض بيليه لمزيد من
الضربات، لم يلعب مباراة المجر وخسرت البرازيل 3-1، وحين عاد في المباراة الاخيرة
لم تتوقف التدخلات، أمام البرتغال بقيادة أوزيبيو ظهر المنتخب البرازيلي مرهقًا ومفككًا،
بينما قدم البرتغاليون عرضًا تاريخيًا، خسر السامبا 3-1، وغادرت حاملة اللقب البطولة
من دور المجموعات بعد انتصار واحد وهزيمتين.
غادر الملك إنجلترا على عكازين، وأعلن غاضباً أنه لن يعود إلى
كأس العالم مرة أخري، كلنه عاد في 1970 وفاز، لكن جرح 1966 لم يُنسَ أبداً.
الأرجنتين
2002 | نجوم بلا روح
الفريق الأكثر موهبةً في البطولة،، يعود على الطائرة
مبكراً
قبل انطلاق مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، كان الاغلبية يضعون
الأرجنتين في مقدمة المرشحين للفوز بالكأس، منتخب مارسيلو بيلسا وصل إلى البطولة بعد
تصدر تصفيات أمريكا الجنوبية أمام البرازيل، وامتلك أسماء مرعبة مثل باتيستوتا، أورتيجا،
فيرون، كريسبو، زانيتي، صامويل، أيمار، قائمة تجعلك تتساءل من يستطيع إيقاف هؤلاء!
القرعة وضعتهم مع إنجلترا والسويد ونيجيريا، بدأت الأرجنتين
مشوارها بفوز صعب على نيجيريا 1-0 بهدف باتيستوتا، لتؤكد أنها جاهزة للمنافسة، ثم جاءت
المباراة التي انتظرها العالم كله أمام إنجلترا، إعادة لصراعات 1986 و1998 لكن ركلة
جزاء سجلها ديفيد بيكهام منحت الإنجليز الفوز 1-0، وأدخلت الأرجنتين في أزمة حقيقية.
أصبحت المباراة الأخيرة أمام السويد بمثابة نهائي مبكر، احتاج
رجال بيلسا إلى الفوز، لكن السويديين كانوا أكثر تنظيمًا وصلابة، تقدموا أولًا عبر
سفينسون، قبل أن يعادل كريسبو النتيجة في الدقائق الأخيرة، ضغطت الأرجنتين بكل قوتها،
لكن الوقت نفد، وانتهت المباراة 1-1.
باتيستوتا بكى في غرفة الملابس، كان ذلك آخر كأس عالم له، الفريق
الأكثر موهبةً في البطولة كان أيضاً الأكثر خيبةً وتلك هي المفارقة المؤلمة التي لا
تُنسى.
فرنسا 2002 | بطل العالم وأوروبا
بلا هدف واحد
كيف يودّع بطل العالم وبطل أوروبا البطولة بصفر
هدف؟
فرنسا لم تكن بطلة العالم فقط، بل كانت بطلة أوروبا أيضًا، زيدان،
هنري، تريزيغيه، فييرا، ليزارازو، تورام، ربما أقوى تشكيلة في العالم آنذاك.
في المباراة الافتتاحية، دخلت فرنسا أمام السنغال وهي تتوقع
ثلاث نقاط سهلة، لكن بوبا ديوب قرر أن يكتب اسمه في التاريخ بهدف واحد أسكت كل من في
الملعب وخارجه، فرنسا التي أمضت 90 دقيقة تبحث عن التعادل عجزت عن إيجاده والصدمة الأولى وقعت.
في الجولة الثانية، تعادلت فرنسا سلبياً مع أوروغواي في مباراة
رفضت فيها الكرة دخول الشبكة رغم كل المحاولات، وأمام الخروج المبكر، عاد زيدان من
الإصابة في المباراة الأخيرة أمام الدنمارك حاملاً آمال أمة بأكملها، لكن الدنمارك
لم تقرأ السيناريو المكتوب وفازت 2-0 لتُغلق الباب نهائياً.
ثلاث مباريات، نقطة واحدة، صفر هدف.
زيدان، هنري، تريزيغيه، ويلتورد ، أمضوا 270 دقيقة في كوريا
دون أن تهتز الشبكة مرة واحدة، في واحدة من أكثر النهايات قسوة لبطل عالم عبر التاريخ.
إسبانيا 2014 | سبعة
أهداف في مباراتين
كيف يتلقى واحد من أفضل المنتخبات في التاريخ هذا الكم من الاهداف؟
لم تكن إسبانيا 2014 مجرد فريق مرشح للظفر باللقب، أو حاملة
لقب عادية بل كانت ظاهرة كروية، ثلاثة ألقاب
كبرى متتالية في أربع سنوات: يورو 2008، مونديال 2010، يورو 2012 سلسلة ذهبية لم يحققها
منتخب أوروبي في التاريخ الحديث، ومدرسة التيكي تاكا التي اخترعها غوارديولا وصقلها
ديل بوسكي كانت في ذروة سطوتها، والعالم كله كان يتعلم منها لا يتحداها.
والفريق لم يتغير كثيراً عمّا فاز بالألقاب الثلاثة، راموس وبيكيه
يُحكمان قفل الدفاع كأنهما جدار واحد، تشافي وإنيستا وبوسكيتس وألونسو يُديرون الكرة
في الوسط بإيقاع لا يُوقفه أحد، ديفيد سيلفا يلمع خلف المهاجم، ودييغو كوستا يفتح الفراغات
أمام المرمى، قبل البطولة بسنتين، سحقت هذه التشكيلة بعينها إيطاليا برباعية في نهائي
يورو 2012 وكأنها تلعب تدريباً.
كل المؤشرات كانت تقول إن اللقب الرابع قادم لا محالة.
في الجولة الأولى، مزّقت هولندا شباك كاسياس 5-1، خمسة أهداف
في مباراة واحدة لم يصدّقها أحد
وكأنها أنتقاماً بعد خسارة الطواحين في نهائي 2010، لكن
الأسوأ لم يأتِ بعد، في الجولة الثانية، أضافت تشيلي هدفين آخرين لتنهي الحساب 2-0،
وتُودّع إسبانيا البطولة قبل أن تلعب مباراتها الثالثة بأي معنى تنافسي.
سبعة أهداف في مباراتين، الفريق الذي اخترع فن الاحتفاظ بالكرة
لم يستطع الاحتفاظ بمكانه في البطولة، وداع لم يكن مجرد خسارة بل كان إعلان نهاية حقبة.
ألمانيا 2018 | السقوط الأكثر
صدمةً في التاريخ الحديث
حاملة اللقب تخرج في المجموعة الأسهل على الورق
عندما وصلت ألمانيا إلى روسيا صيف 2018، لم تكن مجرد منتخب يشارك
في البطولة، بل كانت حاملة اللقب وبطلة العالم التي أبهرت الجميع في البرازيل قبل أربع
سنوات، يواخيم لوف احتفظ بمعظم أبطال 2014، والجميع وضع "المانشافت" ضمن
أبرز المرشحين للاحتفاظ بالكأس.
مجموعتها ضمّت المكسيك، السويد، كوريا الجنوبية، مجموعة لا تُبرر
الخروج المبكر لأي منتخب أوروبي كبير.
لكن البداية كانت صادمة، خسارة أمام المكسيك بهدف نظيف كشفت
أن شيئًا ما ليس على ما يرام، ثم
جاء هدف توني كروس القاتل في الدقيقة 95 أمام السويد ليؤجل الانفجار ويعيد الأمل للجماهير
الألمانية.
دخلت ألمانيا الجولة الأخيرة وهي تحتاج
للفوز على كوريا الجنوبية المتواضعة نسبيًا على الورق، سيطرت واستحوذت وأهدرت الفرص،
بينما كانت السويد تتقدم على المكسيك في المباراة الأخرى، كل شيء كان يبدو تحت السيطرة،
حتى الوقت بدل الضائع.
في الدقيقة 92 سجلت كوريا الجنوبية
الهدف الأول، ثم أضافت الثاني في الدقيقة 96 بعد تقدم نوير للمساندة الهجومية، خلال
دقائق قليلة تحول حامل اللقب إلى فريق خارج البطولة.
أُسدل الستار، حاملة اللقب تعود على الطائرة قبل الجميع، لم يكن خروجاً كان زلزالاً هزّ بنية كرة القدم الأوروبية بأكملها.
الخاتمة | والمشهد لم يكتمل
بعد
ما شاهدناه حتى الآن في مونديال
2026 لا يعدو كونه مقدمة، تعادل إسبانيا والبرتغال نتائج تُثير الحواجب وتُشعل التعليقات،
لكنها لا تُقارن مع بما سجّله التاريخ من صدمات حقيقية، التعادل إنذار، أما الخروج
فهو الصدمة التي تبقى عقوداً.
خمس حكايات رويناها اليوم، وكلها تقول
الشيء ذاته بلغات مختلفة: لا لقب يحمي، ولا اسم يضمن، ولا تشكيلة مهما بلغت عظمتها
فوق مفاجآت دور المجموعات، برازيل بيليه سقطت، وفرنسا زيدان صمتت، وإسبانيا التيكي
تاكا انهارت، وألمانيا حاملة اللقب عادت على الطائرة أولاً والأرجنتين باتيستوتا بكت
في غرفة الملابس.
نحن لا نزال في الجولة الثانية من مونديال
2026، الجولة الثالثة قادمة، والحسابات لم تُغلق بعد، ومنتخبات كثيرة لا تزال تسير
على حافة الخروج، التاريخ يقول إن كل نسخة تحتفظ بصدمتها الخاصة تلك اللحظة التي يقف فيها العالم مذهولاً أمام شاشته
ويقول: "هذا لم يكن يجب أن يحدث"
لكنه يحدث، دائماً يحدث.
والسؤال الآن لك: ما هي الصدمة التي
أثّرت فيك أكثر من هذه القائمة؟ وأي منتخب تتوقع أن يكون مفاجأة مونديال 2026 القادمة؟
أخبرنا في التعليقات! 👇
.png)