زائير 1974 | المنتخب الذي لعب وهو يخشى العودة إلى وطنه

زائير 1974 | المنتخب الذي لعب وهو يخشى العودة إلى وطنه

قصة منتخب زائير 1974 والمشهد الأشهر في تاريخ كأس العالم الذي ظنّ الجميع أنه "جهل بالقواعد"هو في الحقيقة صرخة احتجاج من رجل خائف يلعب على حياته، قصة فيها سياسة وفقر وخوف وبطولة من نوع مختلف تماماً

في صيف 1974، وضمن قوائم المشاركين في كأس العالم بألمانيا الغربية، كان هناك اسم غريب لم يظهر من قبل في أي نسخة من البطولة: زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً.

لا أحد خارج أفريقيا يعرف من هم، المدرب الاسكتلندي ويلي أورموند، الذي كان منتخبه سيلعب ضدهم في الجولة الأفتتاحية، قال بثقة ساخرة أمام الصحافة: "إذا لم نستطع التغلب على زائير، فعلينا أن نحزم حقائبنا ونعود إلى البيت"

ولكن ليس كل فريق يذهب إلى كأس العالم من أجل المجد، بعضهم يسافر ليحقق حلم شعبه، وبعضهم يطارد الكأس، وآخرون يبحثون عن الخلود، لكن في نسخة 1974، وصل منتخب زائير إلى ألمانيا الغربية وهو يحمل خوفًا أكبر من أي منافس سيواجهه داخل الملعب.

بعد أسابيع قليلة، سيخرج من البطولة بثلاث هزائم، وأربعة عشر هدفًا في شباكه، وصورة شهيرة للاعب يركل الكرة بعيدًا قبل تنفيذ ركلة حرة للبرازيل، لتتحول اللقطة إلى مادة للسخرية لعقود طويلة، حتى اليوم، لا يزال كثيرون يضعون زائير ضمن أسوأ المنتخبات التي شاركت في تاريخ كأس العالم، ويعتبرون مشاركتها مجرد كارثة كروية انتهت سريعًا.

لكن الحقيقة كانت أشد قسوةً بكثير من أي هزيمة رياضية، هذه ليست قصة منتخب خسر كل شيء، بل قصة رجال لعبوا تسعين دقيقة وكأنهم يلعبون على خشبة الموت.

من قلب أفريقيا.. إلى أكبر مسرح في العالم

في عام 1965، استولى موبوتو سيسي سيكو على الحكم في الكونغو بانقلاب عسكري، أعاد تسمية البلاد "زائير" عام 1971، وأجبر المواطنين على التخلي عن أسمائهم الأوروبية، وحظر الملابس الغربية، وجعل نفسه الحاكم المطلق لكل شيء بما في ذلك كرة القدم.

رأى موبوتو في كرة القدم أداةً لتلميع صورته أمام العالم، فضخّ فيها الموارد بسخاء غير مسبوق، وبنى الملاعب، واستقدم مدربين أجانب، وأعاد اللاعبين المهاجرين إلى بلجيكا بالقوة، وغيّر اسم المنتخب الوطني من "الأسود" إلى "الفهود" لأن الفهد كان يزيّن طربوشه الجلدي الشهير.

كيف وصلوا الي المونديال؟ 

التأهل لكأس العالم لم يكن هدية ولا مصادفة، كان رحلة استغرقت سنة ونصف و14 مباراة عبر قارة بأكملها، بدأ الفهود من الدور الأول بمواجهةً توغو، الذهاب انتهى بالتعادل السلبي ثم عادوا إلى كينشاسا وأطلقوا العنان أربعة أهداف بلا رد.

في الدور الثاني جاءت الكاميرون، وهي كتلة صلبة تعرف كيف تؤلم خصومها، الذهاب في دوالا كان مباراة ضيّقة زائير تفوز بهدف وحيد، والإياب في كينشاسا الكاميرون ترد بهدف وتُعادل المجموع، لا مفر من مباراة فاصلة، لم يتردد الفهود فازوا بهدفين نظيفين وتأهّل مستحق.

 الدور الثالث كان الأصعب أمام غانا، المدرسة الأفريقية العريقة، فريق بتاريخ وجماهير وملعب يتنفس الحرارة، ذهب الفهود إلى أكرا وعادوا بخسارة بهدف واحد مؤلم، لكن ليس قاضياً، وفي الإياب بكينشاسا، جاء الجواب، أربعة أهداف مقابل واحد، زائير يذهب إلى المرحلة النهائية. 

وكانت المرحلة الأخيرة من التصفيات تجمع ثلاثة منتخبات فقط: (المغرب وزامبيا وزائير) وبطاقة واحدة فقط، المغرب كان الأوفر حظاً حيث شارك في مونديال 1970، ويملك تجربة دولية يفتقر إليها الآخران، وزامبيا كانت تضم جيلاً موهوباً يُوجعك في أي يوم، لكن الذي حدث في الملاعب لم يكن متوقعاً.

فاز الفهود عليهم ذهاباً واياباً في الـ4 مباريات على زامبيا في كينشاسا 2-1، ثم سافروا وفازوا عليها خارج الأرض 2-0، وأمام المغرب، مرةً على أرضهم 3-0، ومرةً خارجها 2-0.

احتفل الشعب بالتأهل الي كأس العالم كأنه انتصار في حرب، دعا موبوتو اللاعبين إلى مقرّه الفاخر واحتفل بهم كأبطال، وأهدى كل واحد منهم منزلاً وسيارة.

ثم في مارس 1974 قبل ثلاثة أشهر فقط من انطلاق كأس العالم توّج الفهود أنفسهم أبطالاً لأفريقيا للمرة الثانية في تاريخهم، بعد أن هزموا زامبيا في النهائي. 

ليصل الفهود إلى ألمانيا الغربية وهم في أعلى نقطة في تاريخهم: أبطال القارة، مؤهّلون بلا هزيمة في الجولة النهائية، ويمثّلون لأول مرة في التاريخ أفريقيا جنوب الصحراء في كأس العالم.

3 مباريات،، و14 هدفاً في كأس العالم 1974

كانت مجموعتهم تضم اسكتلندا ويوغوسلافيا والبرازيل حاملة اللقب، العالم لم يتوقع شيئاً من زائير، والمشكلة أن زائير نفسها لم تكن تعلم بعد ما الذي ينتظرها ليس على أرض الملعب، بل خلف أبواب الفندق المغلقة.

بدأت الرحلة بمواجهة اسكتلندا، خسر الزائيريون بهدفين دون رد، لكن الصورة لم تكن سيئة كما توحي النتيجة، دافعوا بشجاعة، وامتلكوا الكرة في فترات جيدة، وأظهروا مهارات فردية، صحيح أنهم خسروا، لكن كثيرين اعتبروا أنها بداية طبيعية لمنتخب يخوض أول مباراة له في كأس العالم أمام منافس أكثر خبرة.

كل شيء تغير قبل المباراة الثانية!

لم يعد الحديث داخل المعسكر عن الخطط أو التشكيل، بل عن الأموال التي اختفت، اللاعبون كانوا قد تلقوا وعودًا بمكافآت ضخمة بعد التأهل التاريخي، لكن شيئًا منها لم يصل، قيل لهم إن أحد الوزراء في طريقه إليهم حاملًا المستحقات، وانتظروا وانتظروا، ولم يأتِ أحد، شعر اللاعبون بأنهم خُدعوا، وأن إنجازهم استُخدم للدعاية السياسية فقط.

ترددت أنباء عن رفض عدد من اللاعبين النزول إلى أرض الملعب، ولم تنتهِ الأزمة إلا قبل ساعات قليلة من انطلاق اللقاء، دخل الفريق المباراة أمام يوغوسلافيا بعقول مشتتة وقلوب ممتلئة بالغضب، فكانت النتيجة كارثية، تسعة أهداف كاملة استقرت في الشباك، في واحدة من أثقل الهزائم في تاريخ كأس العالم.

ثم جاءت المباراة الثالثة أمام البرازيل، حاملة اللقب، ومع اقتراب النهاية، حصلت البرازيل على ركلة حرة مباشرة، اصطف لاعبو زائير في الحائط، وبمجرد أن أطلق الحكم صافرته، خرج المدافع ميبو إيلونجا فجأة من الحائط وركل الكرة بعيدًا قبل أن ينفذها البرازيليون. 

توقف الجميع مذهولين!

المعلقون اعتبروا اللقطة دليلاً على جهل اللاعب بقوانين اللعبة، وتحولت خلال سنوات إلى واحدة من أكثر اللقطات سخرية في تاريخ كأس العالم.

لكن الحقيقة،،، كانت مختلفة تمامًا!

اللاعبون لعبوا على خشبة الموت

بعد الهزيمة من يوغوسلافيا 9-0، أرسل موبوتو الحرس الرئاسي لإغلاق فندق الفريق وأخبرهم أنهم لن يعودوا إلى ديارهم إن خسروا من البرازيل بأربعة أهداف أو أكثر.

أقرأ الجملة السابقة مرة أخري ! 

لم يكن تهديدًا رياضيًا، بل تهديدًا حقيقيًا، اللاعبون أنفسهم رووا بعد سنوات أنهم كانوا يخشون على حياتهم أكثر من خوفهم من مواجهة ريفيلينو وجيرزينيو، فجأة، أصبحت النتيجة أهم من الأداء، وأصبح الدفاع عن مرماهم دفاعًا عن مستقبلهم الشخصي.

وهنا تُفهم لقطة ميبو إيلونجا.

في عام 2010، خرج اللاعب بنفسه ليروي الحقيقة التي غابت لعقود، قال إنه كان يعرف قوانين اللعبة جيدًا، كل ما أراده هو إضاعة بضع ثوانٍ إضافية، وكسر إيقاع المباراة، وإبعاد أي فرصة قد تمنح البرازيل هدفًا ثالثًا يفتح الباب لانهيار جديد.

انتهت المباراة بفوز البرازيل 3-0، وهي نتيجة بدت عادية في نظر العالم، لكنها كانت بالنسبة للاعبي زائير انتصارًا من نوع آخر، لقد تجنبوا الهدف الرابع،،، وتجنبوا المصير المجهول الذي كان ينتظرهم في بلادهم.

لهذا، عندما نتذكر منتخب زائير 1974 باعتباره أحد أسوأ المنتخبات في تاريخ كأس العالم، ربما نكون قد نظرنا إلى لوحة النتائج فقط، وتجاهلنا القصة التي كانت تدور خلفها، لم يكن هؤلاء اللاعبين يلعبون من أجل التأهل أو المجد أو حتى الكرامة الرياضية، بل كانوا يخوضون مبارياتهم تحت ضغط الخوف، وهم يعلمون أن صافرة النهاية قد لا تكون نهاية المباراة فقط،،، بل بداية معركة أخطر بكثير بعد العودة إلى الوطن.

المصادر


1- تصفيات أفريقيا لكأس العالم 1974

2- القصة الحقيقية لركلة ميبو إيلونجا

3- كتاب أغرب الحكايات في تاريخ المونديال لـ لوثيانو بيرنيكي

4- تهديد اللاعبين قبل مباراة البرازيل







 

تعليقات