من ميسي.. إلى أول نهائي في التاريخ
اليوم 19 يوليو 2026،
سوف يقف ليونيل ميسي (39 عام) على أرضية ملعب ميتلايف في مدينة نيويورك، في نهائي كأس
العالم، ليست المرة الأولى، ولا الثانية، ولكن للمرة الثالثة في أخر أربع نسخ.
يقود ميسي الأرجنتين إلى المباراة الأكبر في كرة القدم، رجل
في عمر الاعتزال يحمل على كتفيه حلم النجمة الرابعة في تاريخ بلده.
لكن قبل أن تبدأ المباراة، توقّف لحظة.
لأن الأرجنتين لا تصل إلى النهائي بهدوء، لم تفعل ذلك في يوم
من الأيام، منذ النهائي الأول في تاريخ كأس العالم عام 1930 وحتى ليلة قطر 2022، كل
رحلة أرجنتينية نحو النهائي كانت تحمل داخلها جدلاً أو دموعاً أو معجزة أو ثلاثتهم
معاً، ستة نهائيات قبل هذا، ستة مرات وقف الأرجنتينيون على أرض ملعب ورفعوا أعينهم
نحو الكأس.
كسبوا ثلاثاً وخسروا
ثلاثاً، وفي كل مرة، لم تكن القصة عن النتيجة وحدها بل عمّا جرى في الطريق إليها، كرتان
في نهائي واحد، ديكتاتور في المدرجات، رجل يبكي على أرض روما، مهاجم يُضيع كرة وجهاً
لوجه.
وشعب بأكمله ينتظر 36 عاماً ليرى رجلاً واحداً يرفع
الكأس، هذا المقال ليس عن نهائي 2026، هو عن كل النهائيات التي أوصلت الأرجنتين إليه.
عندما خسروا أول حلم في التاريخ
في 30 يوليو 1930، لم يكن أحد يدرك
أنه يشاهد مباراة ستبقى حية بعد قرن كامل.
مدينة مونتيفيديو استيقظت منذ ساعات
الفجر، الجماهير احتشدت أمام ملعب "سينتيناريو" قبل ست ساعات كاملة من انطلاق
المباراة، حتى امتلأت المدرجات بما يزيد على 70 ألف متفرج، لم يكن هذا مجرد نهائي، بل كان أول نهائي في تاريخ كأس العالم،
وكل من حضره كان يعلم أنه يشارك في صناعة حدث لن يتكرر للمرة الأولى أبدًا.
لكن حتى قبل أن تبدأ المباراة، اندلعت
أول أزمة.
الأرجنتين أصرت على اللعب بالكرة التي
اعتادت استخدامها، بينما تمسك أصحاب الأرض بالكرة الأوروغويانية، تحول الأمر إلى خلاف
حقيقي بين المنتخبين، واضطر الحكم البلجيكي جون لانجينوس للتدخل بحل غريب؛ يُلعب الشوط
الأول بالكرة الأرجنتينية، والثاني بالكرة الأوروغويانية.
وعندما بدأت المباراة، بدا وكأن التاريخ
اختار الأرجنتين.
تقدم أصحاب الأرض أولًا، لكن الأرجنتين
ردت سريعًا، ثم قلبت النتيجة إلى 2-1 قبل نهاية الشوط الأول، كان الحلم قريبًا جدًا،
أول بطل للعالم قد يكون الأرجنتين.
لكن بين الشوطين تغير كل شيء!
خرجت الأوروغواي بروح مختلفة تمامًا،
مدفوعة بجماهيرها وبإصرار ألا يخرج الكأس من بلادها، جاء التعادل، ثم هدف التقدم، ثم
الرابع وسط انفجار المدرجات، انتهت المباراة 4-2.
ولم تخسر الأرجنتين مباراة فقط، بل
خسرت أول فرصة في تاريخ كرة القدم لتصبح أول بطل للعالم، كانت البداية مؤلمة، لكنها
أيضًا كانت بداية علاقة طويلة جدًا بين الأرجنتين والمباراة النهائية.
1978.. اللقب
الذي غيّر كل شيء
بعد 48 عامًا، لم تكن الأرجنتين تستضيف
كأس العالم فقط، كانت تستضيف أكثر بطولاتها تعقيدًا.
فالبلاد كانت تعيش تحت حكم المجلس العسكري
بقيادة خورخي فيديلا، الذي استولى على السلطة بعد انقلاب عام 1976، الاعتقالات، والاختفاء
القسري، والخوف أصبحوا جزءًا من الحياة اليومية، وفي وسط هذا المشهد المضطرب، وجد النظام
في كأس العالم فرصة ذهبية لتقديم صورة مختلفة عن البلاد أمام العالم.
لم يعد الفوز مجرد هدف رياضي، بل أصبح
قضية دولة كاملة.
وصل المنتخب إلى المرحلة الثانية، وهناك
ظهرت المباراة التي لا تزال تُناقش حتى اليوم، الأرجنتين كانت بحاجة إلى الفوز على
بيرو بفارق أربعة أهداف على الأقل حتى تتجاوز البرازيل وتصعد إلى النهائي.
لكن ما حدث أدهش الجميع، انتهت المباراة
بنتيجة 6-0.
ومنذ تلك الليلة، بدأت الشائعات، قيل
إن ضغوطًا سياسية مورست على الجانب البيروفي، وقيل إن اتفاقات سرية تمت بين الحكومتين،
وانتشرت عشرات الروايات خلال العقود التالية، لكن حتى اليوم لم تظهر أدلة قاطعة تثبت
وجود تلاعب رسمي بالمباراة، لتبقى القصة واحدة من أكبر علامات الاستفهام في تاريخ كأس
العالم.
وبعيدًا عن الجدل، كان على الأرجنتين
أن تفوز بالمباراة التي لا تقبل التأويل، في النهائي انتظرت هولندا، الفريق الذي كان
يحاول تعويض خسارة لقب 1974، امتلأ ملعب مونومنتال بأكثر من 70 ألف متفرج، بينما كانت
البلاد كلها تنتظر لحظة واحدة.
ماريو كيمبس افتتح التسجيل، لكن الهولنديين
عادوا بهدف التعادل قبل النهاية بدقائق، وفي الثواني الأخيرة، ارتطمت كرة روب رينسنبرينك
بالقائم، لو دخلت تلك الكرة لانتهي حلم البطولة بالنسبة للارجنتين هناك، لكنها خرجت.
وامتدت المباراة إلى الوقت الإضافي،
وهناك كتب كيمبس قصته الخالدة بإضافة الهدف الثاني، قبل أن يحسم بيرتوني كل شيء بالهدف
الثالث، انتهت المباراة 3-1.
وأخيرًا،، لم تعد الأرجنتين
تبحث عن المجد،، أصبحت تملكه!
مارادونا.. الرجل الذي حمل أمة على كتفيه
المكسيك 1986
عندما يتحدث الجميع عن كأس العالم 1986، فهم لا يتحدثون عن منتخب،
ولا عن مدرب، ولا حتى عن بطولة كاملة، هم يتحدثون عن رجل واحد، دييغو أرماندو مارادونا.
خمسة أهداف سجّلها وخمسة تمريرات
حاسمة من مجموع 14 هدفاً أحرزتهم الأرجنتين طوال البطولة، كان مارادونا رجلاً واحداً
يلعب بالكرة وآحدي عشر لاعب يركضون خلفه.
ضد إنجلترا في ربع النهائي، في نفس المباراة وبفارق أربع دقائق،
سجّل أسوأ هدف في التاريخ وأجمل هدف في التاريخ، كرة أرسلها بيده اليسرى في الشباك
بينما يُوهم الجميع أنها بالرأس، واقفاً بجانبه الحكم الذي لم يرَ شيئاً، ثم
"هدف القرن" 56 متراً، عشرة لاعبين إنجليز تجاوزهم في عشر ثوانٍ، والكرة
في الشباك وكاسيلاس يسقط على الأرض ولا يصدق ما حدث.
واصل الأرجنتين طريقه حتى النهائي أمام ألمانيا الغربية، تقدم
بثنائية، ثم عاد الألمان وعادلوا النتيجة، لتبدو الكأس وكأنها تهرب من يد مارادونا،
لكنه لم يحتج إلى التسجيل هذه المرة، بل إلى تمريرة واحدة فقط، مرر كرة ساحرة إلى خورخي
بوروتشاغا، الذي انفرد بالمرمى وسجل هدف الفوز الثالث، ليمنح الأرجنتين لقبها الثاني.
مارادونا لم يفز بكأس العالم، بل جعل كأس العالم تحمل اسمه.
إيطاليا 1990
في 1990 لم تكن الأرجنتين تبدو كحاملة لقب، كانت تبدو كفريق
يصارع من أجل البقاء.
مارادونا وصل إلى إيطاليا مصاباً في كاحله، يلعب بحقنة تسكين
قبل كل مباراة، لاعبون أساسيون غائبون أو ليسوا في أفضل حالاتهم، الفريق لم يكن مرعباً
لكنه كان يملك شيئاً مختلفة، سيرخيو خويكوتشيا في المرمى، حارس احتياطي جاء بالصدفة،
وأصبح بطل ركلات الجزاء بعدما أنقذ المنتخب مرتين متتاليتين في ركلات الترجيح أمام
يوغوسلافيا ثم إيطاليا، وكلاوديو كانيخيا "أسرع رجل في الملعب" يظهر في اللحظات
التي لا يتوقعها أحد.
لكن أكثر لحظات البطولة إثارة لم تكن داخل الملعب فقط.
في نصف النهائي، واجهت الأرجنتين أصحاب الأرض في نابولي، المدينة
التي عشقها مارادونا وصنع فيها أعظم إنجازات ناديها، قبل المباراة، خاطب جماهير نابولي
برسالة تاريخية، قال فيها إن بقية إيطاليا لا تتذكرهم إلا عندما تحتاجهم، وإنها تعتبرهم
مختلفين عن الشمال.
للمرة الأولى، انقسمت المدينة بين إيطاليا ومارادونا.
وعندما عزف النشيد الوطني الأرجنتيني، دوّت صافرات الاستهجان
من المدرجات، التفت مارادونا نحو الجماهير، ابتسم ابتسامة ساخرة، ثم تمتم أمام الكاميرات
بكلمات غاضبة "أولاد الع**** ،، أولاد الع***"
ورغم ذلك، تأهلت الأرجنتين إلى النهائي، لكن الطريق
كان قد استنزف الجميع.
في النهائي أمام ألمانيا الغربية مرة أخري، لعبت الأرجنتين أغلب
المباراة تحت ضغط هائل، ثم فقدت لاعبين بالبطاقات الحمراء، قبل أن يحتسب الحكم ركلة
جزاء مثيرة للجدل في الدقائق الأخيرة، سجل منها أندرياس بريمه هدف البطولة الوحيد.
انتهى كل شيء، الكاميرات لم تبحث عن الكأس، بل بحثت عن مارادونا.
واقفًا على منصة التتويج، يبكي بحرقة، كانت صورة رجل خسر النهائي،
لكنها صنعت واحدة من أشهر الصور في تاريخ كأس العالم.
أحيانًا،، تكون الهزيمة أعظم من بعض الانتصارات.
2014: الأفضل وليس البطل!
ميسي يمشي وحيداً فوق المنصة الخضراء في ماراكانا، الكأس الذهبية
على بُعد خطوات منه، مضاءة تحت الأضواء، ولا يمدّ يده إليها، يمشي ببطء، رأسه منحنٍ،
عيناه في الأرض، تجاوزها كأنها شيء يؤلمه النظر إليه.
الأرجنتين دخلت بطولة 2014 بفريق لم يكن أحد يُصنّفه مرشحاً
علي الاطلاق، دي ماريا جيد لكنه مصاب، أغويرو يمثل خطراً لكنه أيضاً دائم الإصابة،
هيغواين المهاجم الذي يسجّل في الدوريات ويصمت في البطولات الكبيرة، روميرو في المرمى
ليس من العيار الأول عالمياً، ماسكيرانو يحارب بقلب أكبر من جسده في الوسط، ثم ميسي
يحمل هذا كله ويمشي.
وصلوا إلى النهائي لأن ميسي في كل مباراة صعبة وجد شيئاً، تمريرة،
هدفاً، المرور من أكثر من لاعب، يكفي لإبقاء الحلم حياً، لكن في ماراكانا أمام ألمانيا،
جاء دور الآخرين وخذلوه.
هيغواين وجهاً لوجه مع نوير في الشوط الأول، الكرة فوق القائم
وبالاسيو في مرمى مفتوح تقريباً الكرة تنحرف عن القائم، ميسي نفسه في فرصة محققة لكن
الكرة مرت بجوار القائم.
وفي الوقت الإضافي، استقبل البديل غوتزه كرة داخل المنطقة، روضها
على صدره، ثم سددها مباشرة في الشباك ليسجل الهدف الوحيد الذي أنهى الحلم.
اختير ميسي أفضل لاعب في البطولة، لكنه جلس بعدها صامتًا، لا
ينظر إلى الجائزة، بل إلى الكأس التي كانت على بعد خطوات ولم تصبح يومًا ملكه.
في تلك الليلة، خرج
من ماراكانا وهو يحمل لقب أفضل لاعب في البطولة، لكنه ليس البطل.
وبعد ثماني سنوات فقط، سيعود ليكتب النهاية التي انتظرها العمر
كله.
2022: الرحلة الأصعب نحو أجمل لحظة
لم تبدأ رحلة الأرجنتين نحو المجد في استاد لوسيل، بل بدأت بصفعة!
الخسارة أمام السعودية في المباراة الافتتاحية لم تكن مجرد 3
نقاط ضائعة، بل كانت زلزالاً هز العالم كله، منتخب مرشح للقب، يمتلك سلسلة تاريخية
من المباريات دون هزيمة، يسقط في أول خطواته نحو الحلم، للحظة، بدا أن الحلم الذي انتظره
الأرجنتينيون منذ 1986 سينتهي قبل أن يبدأ.
لكن تلك الهزيمة غيّرت كل شيء، تحولت المباراة الثانية في المجموعة
إلى نهائي مبكر، أمام المكسيك، كانت الدقائق تمر ثقيلة، والوقت يقتل الأحلام شيئاً
فشيئاً، حتى جاءت تسديدة ميسي من خارج المنطقة، تلك الكرة التي لم تفتح باب المباراة
فقط، بل أعادت الحياة لمنتخب كامل، بعدها جاء هدف إنزو فرنانديز، ومن تلك الليلة بدأت
الأرجنتين تؤمن بأنها تستطيع تحقيق الحلم.
و في
ربع النهائي، تقدّمت الأرجنتين على هولندا 2-0 ثم في دقيقتين، عادلت هولندا وأوصلت
المباراة إلى الاشواط الاضافية ثم ضربات الجزاء، في تلك الدقائق، بدا وكأن الكابوس
يتكرر من جديد، لكن هذه المرة لم تنهَر الأرجنتين، صمدت ثم ابتسمت لها ركلات الترجيح
حين وقف مارتينيز بطلاً.
ثم جاء النهائي.. أفضل نهائي في تاريخ نهائيات كأس العالم.
تقدمت الأرجنتين بهدفين، وقدمت كرة قدم جعلت فرنسا تبدو غائبة
تماماً،
لكن خطأ واحداً من أوتاميندي أعادهم إلى الحياة، وخلال دقيقتين
فقط تبدلت المباراة بالكامل.
في الوقت الإضافي، سجل ميسي، فظن الجميع أن النهاية كُتبت أخيراً،
لكن ركلة جزاء أخري أعادت فرنسا مرة أخرى 3-3!
والعالم كله يحبس أنفاسه، وقبل صافرة النهاية بثوانٍ، وقف مارتينيز
أمام مواني، ليصنع واحدة من أهم التصديات في تاريخ البطولة، تصدٍ أنقذ حلماً كاملاً
من الضياع.
ثم جاءت ركلات الترجيح هناك، لم يعد الأفضل هو من يلعب أجمل
كرة، بل من يملك قلباً لا يعرف الاستسلام، وهناك مارتينيز يقف في المرمى ويحدّق في
عيني كومان، وتصدي لركلته ثم ركلة تشوامني مرت بجانب المرمى لتفوز الأرجنتين.
وعندما رفع ليونيل ميسي الكأس الذهبية أخيراً، لم يكن انتصار
لاعب، ولا جيل، ولا مدرب فقط، كان انتصار رحلة امتدت 36 عاماً، ورحلة بدأت بالسقوط،
وانتهت باعتلاء قمة العالم.
نهائي جديد.. والحلم لا يريد أن ينتهي
واليوم بعد 4 سنوات، تعود الأرجنتين مرة أخرى إلى المكان الذي
تعرفه أكثر من غيره، نهائي كأس العالم، للمرة السابعة في تاريخها.
منذ أول نسخة عام 1930، مروراً بليلة كيمبس، وأسطورة مارادونا،
ودموع ميسي في ماراكانا، ثم الفرحة التي غمرت الدوحة.. لم تتوقف الأرجنتين عن العودة
إلى الليلة الأخيرة.
بعض المنتخبات تصنع التاريخ لأنها تفوز، والأرجنتين تصنعه لأنها
تعود دائماً.
واليوم يقف منتخب الأرجنتين على بعد خطوة جديدة من المجد، ليس
ليكرر الماضي بل ليضيف إليه صفحة أخرى.
فهل يرفع النجمة الرابعة، ويؤكد أنه أحد أعظم منتخبات كأس العالم
عبر التاريخ؟
.png)