توماس مولر | "جامع الكرات" الذي أذل مارادونا

توماس مولر | "جامع الكرات" الذي أذل مارادونا

 قبل أشهر قليلة علي كأس العالم 2010، في مارس 2010 ألمانيا لعبت وديةً أمام الأرجنتين في الأليانز أرينا، شابٌّ نحيل عمره عشرون عاماً جلس في المؤتمر الصحفي بعد المباراة ممثلاً للجانب الألماني، كانت تلك مباراته الأولى مع المنتخب، لا أحد خارج ألمانيا يعرفه بعد.

دخل مارادونا إلى القاعة، نظر إلى الشاب الجالس في مواجهته، وقطّب حاجبيه، ثم التفت إلى المنظّمين وقال بصوت واضح: "لن أجلس بجانب جامع كرات"

أوضح المنظّمون أن هذا الشاب لاعب في المنتخب الألماني، فردّ مارادونا: "لا أعرف من هو، لم أكن أعلم أنه لاعب كرة قدم، المدرب هو من يجب أن يجلس بجانبي، لا لاعب"

اكتفى اللاعب بابتسامة قصيرة وغادر القاعة دون أن ينطق بكلمة واحدة.

لم يخرج بعدها في مقابلة ليهاجم مارادونا، ولم يكتب رسالة غاضبة علي السوشيال ميديا، ولم يحاول أن يصنع من الموقف بطولة شخصية، احتفظ بكل شيء لنفسه، وانتظر المكان الوحيد الذي يؤمن أن الكلمات لا قيمة لها داخله،،، المستطيل الأخضر.

وبعد أربعة أشهر في ربع نهائي كأس العالم التقي المنتخبين مرة أخري، وحين أطلق الحكم صافرة البداية في كيب تاون، لم تكن عقارب الساعة قد تجاوزت الدقيقة الثالثة حين ارتقى ذلك الشاب لكرة ثابتة وأسكنها شباك روميرو معلنًا الهدف الأول لألمانيا، ركض يحتفل بحماسه المعهود، بينما كانت الكاميرات تلتقط وجه مارادونا على خط التماس، لم يحتاج إلى الالتفات نحوه، فاللوحة الإلكترونية كانت قد أجابت عن كل الأسئلة.

أحيانًا يكون أفضل طريقة للرد على أفضل لاعب في التاريخ، ألا ترد أبدًا وتترك الكرة تتحدث نيابة عنك،

وهذا ما فعله بطل حكايتنا اليوم،، توماس مولر !

الطفل الذي لم يلفت الأنظار حتى أصبح لا يمكن تجاهله

وُلد توماس مولر في 13 سبتمبر 1989 ببلدة فايلهايم الصغيرة في ولاية بافاريا، ونشأ في قرية بول المجاورة، حيث كانت كرة القدم جزءًا من الحياة اليومية أكثر منها حلمًا بعيدًا.

كان يقطع خمسين كيلومتراً يومياً للذهاب إلى أكاديمية بايرن ميونخ، لم يكن ذلك الطفل الذي يخطف الأنظار بمهارات استعراضية، ولم يكن الأسرع أو الأقوى بين أقرانه، حتى المدربين في سنواته الأولى لم يروا فيه "الموهبة الخارقة" التي ستصبح حديث أوروبا لاحقًا.

بدأ اللعب مع نادي TSV Pähl المحلي، قبل أن يلفت انتباه كشافي بايرن ميونخ وهو في العاشرة من عمره، انضم إلى أكاديمية النادي عام 2000، وهناك بدأ طريقًا طويلًا لم يكن مفروشًا بالوعود، ففي الوقت الذي كان زملاؤه يحصلون على الإشادة بسبب مهاراتهم الفردية، كان مولر يكتفي بالقيام بالأشياء الصغيرة التي لا يلاحظها أحد؛ يتحرك إلى المساحة المناسبة، يضغط في الوقت المناسب.

صعد تدريجيًا عبر فرق الناشئين حتى منحه يورغن كلينسمان أول ظهور مع الفريق الأول عام 2008، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت مع لويس فان خال في الموسم التالي، المدرب الهولندي رأى ما لم يره كثيرون، وقال جملته الشهيرة: "مولر سيلعب دائمًا،" لم يكن لأنه الأسرع أو الأكثر مهارة، بل لأنه يفهم اللعبة بطريقة مختلفة.

وخلال أشهر قليلة فقط، تحول ذلك الشاب الهادئ إلى عنصر أساسي في بايرن ميونخ، قبل أن يسافر بعدها مباشرة إلى جنوب أفريقيا للمشاركة في أول كأس عالم في مسيرته، هناك لم يعد مجرد لاعب واعد من أكاديمية بايرن، بل أصبح الاسم الذي سيكتشفه العالم كله، ويبدأ واحدة من أكثر المسيرات الدولية استقرارًا وتأثيرًا في تاريخ ألمانيا الحديثة.

مولر في أعظم لحظاته

2010 | الانفجار المفاجئ

لم يكن توماس مولر ضمن قائمة النجوم الشباب الذين سُلّطت عليهم الأضواء قبل كأس العالم 2010، وخصوصاً انه دخل قائمة المنتخب الالماني في اللحظات الاخيرة بدلاً من النجم المصاب مايكل بالاك، لكن بعد أسابيع قليلة، أصبح الجميع يتحدث عن ذلك الفتى الذي يعرف دائمًا أين ستسقط الكرة.

أنهى مولر البطولة بخمسة أهداف وثلاث تمريرات حاسمة، ليصبح أكثر اللاعبين مساهمةً تهديفية في كأس العالم 2010، فاز بالحذاء الذهبي بفضل تمريراته الحاسمة، كما تُوّج بجائزة أفضل لاعب شاب في البطولة.

 وأثبت أنه ليس مهاجمًا تقليديًا ولا صانع ألعاب كلاسيكيًا، بل لاعب يعرف كيف يظهر في المكان الصحيح واللحظة المناسبة، كان يتحرك كثيرًا دون كرة، يربك خطوط الدفاع، ويخلق المساحات لزملائه قبل أن يستغلها بنفسه، لتولد أمام العالم نسخة جديدة من اللاعب الذي يصعب تفسيره.

2014 | البطل الذي لا يُذكر كثيراً

إذا كان مونديال 2010 هو بطولة الاكتشاف، فإن مونديال 2014 كان بطولة التأكيد، دخل مولر إلى البرازيل وهو يحمل عبء إثبات أن ما حدث قبل أربع سنوات لم يكن صدفة، وخرج منها بطلًا للعالم وأحد أهم أسباب تتويج ألمانيا بالنجمة الرابعة.

بدأ البطولة بطريقة مذهلة عندما سجل ثلاثية في شباك البرتغال، ثم أضاف هدفًا أمام الولايات المتحدة، وافتتح التسجيل في المباراة التاريخية أمام البرازيل التي انتهت بسبعة أهداف مقابل هدف، لم يكن صاحب اللقطة الأشهر في تلك المباراة، لأن السباعية سرقت كل شيء، لكن تحركاته بين الخطوط كانت البداية التي انهارت بعدها المنظومة البرازيلية بالكامل.

في النهائي أمام الأرجنتين لم يسجل ولم يصنع، لكنه كان أول المدافعين عند فقدان الكرة، وأول المهاجمين عند التحول الهجومي، استنزف دفاع الأرجنتين طوال 120 دقيقة بحركته المستمرة، وفتح المساحات التي استغلها ماريو غوتزه ليسجل هدف التتويج.

أنهى مولر البطولة بخمسة أهداف وثلاث تمريرات حاسمة للمرة الثانية تواليًا، ليصبح أول لاعب منذ عقود يحقق هذا الرقم في نسختين متتاليتين من كأس العالم، وخلال مونديالي 2010 و2014 فقط، ساهم في 16 هدفًا بين التسجيل والصناعة، وهي أرقام جعلته أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في تاريخ البطولة، حتى وإن ذهبت معظم العناوين إلى أسماء أخرى.

لماذا هو "أسطورة الظل"؟

في 2011، ابتكر لنفسه وصفاً أصبح علامته التجارية: Raumdeuter، أي "مفسر الفراغات"، ليس مهاجماً تقليدياً، وليس مدافعاً كان شيئًا مختلفًا تمامًا، لاعب يرى المساحات قبل أن توجد، ويصل إليها قبل الجميع، ثم يختفي من جديد وكأن شيئًا لم يحدث.

لهذا السبب ظل مولر دائمًا لاعبًا يصعب تقييمه بالعين المجردة، كثيرون كانوا يشاهدون المباراة ولا يرونه يراوغ خمسة لاعبين أو يسدد من أربعين مترًا، فيظنون أنه لم يقدم شيئًا استثنائيًا، لكن المدربين كانوا يرون شيئًا آخر تمامًا، كانوا يرون اللاعب الذي يحرك المنظومة بأكملها.

تحركاته بدون كرة كانت تمنح الأظهرة حرية التقدم، وتجبر قلوب الدفاع على الخروج من أماكنها، وتخلق الممرات التي يستفيد منها المهاجمون ولاعبو الوسط، كان يضغط أولًا، ويغلق زوايا التمرير، ويبدأ التحولات الهجومية في اللحظة نفسها.

لذلك لم يكن غريبًا أن يعتمد عليه كل المدربين الذين مروا على بايرن ميونيخ تقريبًا، من فان خال إلى هاينكس، ومن غوارديولا إلى فليك، ثم ناغلسمان وتوخيل، اختلفت الأفكار التكتيكية، لكن بقي مولر حاضرًا لأن دوره لا يرتبط بخطة معينة، بل بفهمه الفريد للعبة.

الأرقام تؤكد ذلك أيضًا، أكثر من 250 هدفًا وأكثر من 300 تمريرة حاسمة في مسيرته مع بايرن والمنتخب، وأحد أكثر اللاعبين صناعة للأهداف في تاريخ دوري أبطال أوروبا، وأكثر من 160 مباراة دولية مع ألمانيا، و10 أهداف في كأس العالم من نسختين فقط جعلته بين أفضل هدافي البطولة عبر التاريخ.

ورغم كل ذلك، نادرًا ما دخل نقاش الكرة الذهبية بجدية، عاش في ظل روبن وريبيري، ثم ليفاندوفسكي، وحتى مع المنتخب كثيرًا ما ذهبت الأضواء إلى كلوزه أو أوزيل أو نوير، لكن الحقيقة التي يعرفها كل مدرب واجهه أو دربه هي أن بايرن وألمانيا لم يكونا الفريق نفسه بوجود مولر أو غيابه، كان اللاعب الذي لا يسرق المشهد، لكنه يجعل المشهد كله يعمل، وهذا، في النهاية، هو المعنى الحقيقي لـ أسطورة الظل.

حتى موقع الدوري الألماني نفسه وصفه ذات مرة في عنوان مقال بـ"أكثر اللاعبين المقلَّلين من قيمتهم في كرة القدم العالمية".

ولهذا، يستحق أن يكون واحداً من أعظم أساطير الظل في تاريخ كرة القدم الحديثة.

تعليقات