مرة أخرى، تقف إسبانيا على بعد خطوة واحدة من كأس العالم، وصلت إلى نهائي نسخة 2026 دون أن تكون أكثر المنتخبات إمتاعًا، ودون أن تقدم العروض التي جعلت العالم يقع في حبها قبل 16 عامًا، لم تكن النسخة الأكثر سيطرة، ولا الأكثر تهديفًا، لكنها كانت الأكثر هدوءًا، تعرف متى تهاجم، ومتى تنتظر، كيف تفوز؟
في كل مباراة كان الجميع يقول ان إسبانيا لم تقنع، لكنها كانت تواصل التقدم، مباراة بعد أخرى تعلم الإسبان أن التاريخ لا يتذكر عدد التمريرات، ولا نسبة الاستحواذ، بل يتذكر فقط من بقي واقفًا في الليلة الأخيرة.
الغريب أن هذا المشهد لم يكن أحد يتوقعه قبل سنوات قليلة فقط، فمنذ التتويج التاريخي في جنوب أفريقيا عام 2010، عاشت إسبانيا سلسلة من الخيبات؛ خروج مذل من دور المجموعات في 2014، ثم وداع مؤلم أمام روسيا بركلات الترجيح في 2018، ثم سقوط جديد أمام المغرب في 2022، حتى بدأ كثيرون يتحدثون عن نهاية المدرسة الإسبانية، وأن التيكي تاكا أصبحت جزءًا من الماضي.
فهذا المنتخب الذي نشاهده اليوم في نهائي كأس العالم، هو نفسه المنتخب الذي ظل لعقود طويلة يطرق باب المجد دون أن يفتحه، ويخسر في أكثر اللحظات قسوة، حتى التصق به لقب لم يكن يتمناه أحد.
فهل تعلم أن إسبانيا كانت يومًا أكثر منتخب يكرهه الحظ في تاريخ كأس العالم؟
البدايات | حلم بدأ ثم توقف فجأة
مونديال 1934
دخلت إسبانيا كأس العالم للمرة الأولى في نسخة إيطاليا 1934، ولم تنتظر طويلًا حتى تعلن عن نفسها، ففي دور الـ16 اصطدمت بالبرازيل، أحد أقوى منتخبات العالم آنذاك، لكنها قدمت مباراة كبيرة انتهت بفوزها 3-1، محققة أول انتصار في تاريخها بالمونديال.
وفي ربع النهائي اصطدمت بالمضيف إيطاليا بقيادة فيتوريو بوتزو، كانت المباراة واحدة من أعنف مباريات البطولة، وانتهت بالتعادل 1-1 بعد إصابات عديدة وقرارات تحكيمية أثارت الجدل، ولأن ركلات الترجيح لم تكن قد وُجدت بعد، أُعيدت المباراة في اليوم التالي.
لكن الإعادة كانت مختلفة تمامًا، دخلت إسبانيا منقوصة بعد إصابة عدد كبير من لاعبيها الأساسيين، بينما أجرى المنتخب الإيطالي عدة تغييرات، انتهت المباراة بهدف نظيف لإيطاليا، لتنتهي أول رحلة إسبانية في كأس العالم وسط شعور كبير بالظلم، قبل أن يواصل الطليان طريقهم نحو اللقب.
الحرب التي أوقفت الحلم
كان من المنتظر أن تشارك إسبانيا في كأس العالم 1938 بفرنسا، لكن القدر كان يكتب فصلًا مختلفًا تمامًا!
اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية (1936–1939)، وانقسمت البلاد بين الجمهوريين والقوميين بقيادة فرانكو، توقفت المسابقات المحلية، وتفكك المنتخب، وغادر كثير من اللاعبين البلاد، بينما فقد آخرون حياتهم أو انضموا إلى جبهات القتال.
لهذا السبب لم تتمكن إسبانيا من المشاركة في مونديال 1938، ولم يكن السبب إيقافًا أو منعًا من الاتحاد الدولي (فيفا) كما يُشاع أحيانًا، بل لأن البلاد كانت تعيش حربًا أهلية جعلت المشاركة مستحيلة عمليًا.
إنجاز 1950
عادت إسبانيا إلى كأس العالم في البرازيل عام 1950 بصورة مختلفة تمامًا، تصدرت مجموعتها محققة ثلاثة انتصارات متتالية، لتصبح أحد أبرز المرشحين لمنافسة أصحاب الأرض على اللقب.
لكن نظام البطولة آنذاك لم يكن يتضمن مباراة نهائية، بل مجموعة رباعية يتوج متصدرها بطلاً للعالم.
بدأت إسبانيا الدور النهائي بتعادل مثير 2-2 أمام أوروغواي، لتبقى آمالها قائمة، ثم جاءت المواجهة أمام البرازيل، وهناك اصطدمت بواحدة من أقوى المنتخبات في تاريخ اللعبة، لتخسر 6-1 في ليلة قاسية، ولم تستفق من تلك الصدمة، فسقطت أيضًا أمام السويد 3-1، لتنهي البطولة في المركز الرابع، وهو أفضل إنجاز لها في كأس العالم طوال ستين عامًا.
ثلاثة عقود من الضياع
منتخب يظهر،، ثم يختفي
بدلًا من البناء على إنجاز 1950، دخلت إسبانيا واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخها.
غابت عن نسختي 1954 و1958 بعد فشلها في التصفيات، ثم عادت إلى مونديالي 1962 و1966، لكنها ودعت البطولتين من دور المجموعات، رغم امتلاكها أسماء كبيرة في الكرة الأوروبية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ فشلت مرة أخرى في التأهل إلى نسختي 1970 و1974، في وقت كانت فيه منتخبات مثل ألمانيا الغربية والبرازيل وإيطاليا تبني أمجادها العالمية.
وعندما عادت أخيرًا في الأرجنتين عام 1978، تكرر السيناريو نفسه، وخرجت من دور المجموعات للمرة الثالثة على التوالي، لتتحول المشاركة في كأس العالم إلى سلسلة من الضياع.
عندما استضافت إسبانيا العالم 1982
منح الاتحاد الدولي إسبانيا شرف تنظيم كأس العالم 1982، واعتقد الجميع أن البطولة ستكون بداية عصر جديد لكرة القدم الإسبانية.
نجحت صاحبة الأرض في تجاوز الدور الأول بعد تعادل مخيب مع هندوراس، وفوز على يوغوسلافيا، ثم خسارة أمام أيرلندا الشمالية، لكنها تأهلت إلى الدور الثاني وسط دعم جماهيرها.
وفي دور المجموعات الثاني اصطدمت بمنتخب ألمانيا الغربية، وخسرت 2-1، قبل أن تتعادل سلبيًا مع إنجلترا، لتنتهي رحلتها عند هذا الحد، وسط صدمة جماهيرية كبيرة.
كانت الجماهير تنتظر بطولة تاريخية على أرضها، لكنها حصلت على خروج جديد، وكأن كأس العالم يرفض أن يمنح الإسبان لحظة الفرح التي انتظروها طويلًا.
ولم يكن أحد يعلم أن ما حدث في 1982 لم يكن نهاية المعاناة!
بل كان بداية اللعنة الحقيقية.
ست نسخ،، وست طعنات جديدة
إذا كانت سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات قد عرفت إسبانيا كمنتخب غير قادر على التأهل أو تجاوز دور المجموعات، فإن العقود التالية صنعت لعنة من نوع آخر، لم تعد المشكلة في الوصول، بل في طريقة الخروج، في كل مرة كانت الجماهير تؤمن أن هذه النسخة مختلفة، يحدث شيء يعيدها إلى نقطة الصفر.
- في مونديال 1986، أذهل بوتراغوينيو العالم بأربعة أهداف في 30 دقيقة وأسقط الدنمارك 5-1 من دور الـ16، أذاعت الراديوهات الإسبانية الأهداف الأربعة على التوالي والشعب لم ينم.
في ربع النهائي، واجهت إسبانيا بلجيكا في بويبلا، سجّل سينيور هدف التعادل في الدقيقة 85 ليأخذ المباراة إلى الوقت الإضافي ثم ذهبت إلى ركلات الترجيح، وهناك سقط الإسبان مجددًا، لم تكن خسارة عادية، بل بداية ارتباط غريب بين إسبانيا وربع النهائي.
- بعد أربع سنوات، في إيطاليا 1990، ظنت الجماهير أن الفريق تعلم من أخطاء الماضي، لكنه خرج من دور الـ16 أمام يوغوسلافيا بهدف ستويكوفيتش في الوقت الإضافي، بعد مباراة ظلت مغلقة حتى دقائقها الأخيرة، ومرة أخرى، انتهى الحلم قبل أن يبدأ.
- ثم جاءت نسخة الولايات المتحدة 1994، ربما أكثر النسخ ظلمًا في ذاكرة الإسبان، تجاوز المنتخب دور المجموعات ثم أطاح بسويسرا في دور الـ16، قبل أن يواجه إيطاليا في ربع النهائي، وبينما كانت المباراة تتجه نحو وقت إضافي، استغل باجيو خطأ دفاعيًا وسجل هدف الفوز في الدقيقة 88.
لكن ما بقي في ذاكرة الإسبان لم يكن هدف باجيو، بل اللقطة التي سبقت ذلك بدقائق، عندما تلقى لويس إنريكي ضربة بالمرفق من المدافع الإيطالي تاسوتي داخل منطقة الجزاء، تسببت في كسر أنفه وسيلان الدم بغزارة، ورغم وضوح المشهد، لم يحتسب الحكم شيئًا، وأصبحت صورة إنريكي والدماء تغطي وجهه واحدة من أشهر صور المونديال.
- وظن الجميع أن الأسوأ قد انتهى، لكن مونديال 1998 حمل صدمة مختلفة، دخلت إسبانيا البطولة مرشحة بقوة بعد هيمنتها في التصفيات، لكنها خسرت المباراة الافتتاحية أمام نيجيريا 3-2 في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة، ثم تعادلت مع باراغواي سلبياً، ولم يشفع لها الفوز الكبير على بلغاريا 6-1، لتغادر من دور المجموعات بفارق الأهداف.
- وفي 2002 بكوريا الجنوبية واليابان، بدا أن اللعنة ستنكسر أخيرًا، أنهت إسبانيا دور المجموعات بالعلامة الكاملة، ثم أقصت أيرلندا بركلات الترجيح، قبل أن تواجه كوريا الجنوبية في ربع النهائي، هناك عاش الإسبان واحدة من أكثر لياليهم مرارة؛ أُلغي هدفان صحيحان، وحرمتهم قرارات تحكيمية مثيرة للجدل من التأهل، قبل أن يخسروا بركلات الترجيح، لم ينس الإسبان تلك الليلة، وظلت الصحف تصفها لسنوات بأنها "السرقة الأكبر" في تاريخ المنتخب.
- وجاءت ألمانيا 2006 لتضيف جرحًا جديدًا، بدأ المنتخب الإسباني البطولة بأداء رائع، واكتسح أوكرانيا برباعية، وتأهل بالعلامة الكاملة، لكن القرعة وضعته أمام فرنسا في دور الـ16، تقدمت إسبانيا مبكرًا، ثم استيقظ زين الدين زيدان، وقاد الفرنسيين لقلب النتيجة إلى 3-1، لتنتهي مغامرة أخرى قبل أن تبدأ.
ست بطولات متتالية.. وست نهايات مختلفة،
ركلات ترجيح، ووقت إضافي، وهدف قاتل، وخروج مبكر، وظلم تحكيمي، وزيدان!
وكأن كأس العالم كان يجد في كل مرة طريقة جديدة ليقول لإسبانيا: ليس الآن.
مونديال 2010.. عندما تعلمت إسبانيا كيف تفوز
في صيف 2010، وصلت إسبانيا إلى جنوب أفريقيا وهي ليست مجرد بطلة أوروبا، بل الفريق الذي غيّر شكل كرة القدم بمساعدة جيل برشلونة جوارديولا، تحولت فلسفة الاستحواذ إلى النموذج الذي يحاول الجميع تقليده، لم تعد التيكي تاكا مجرد تمريرات قصيرة، بل أصبحت وسيلة للسيطرة على المباراة، وإجبار المنافس على الركض خلف الكرة حتى يفقد الأمل.
المفارقة أن البداية لم تكن مثالية، خسرت إسبانيا مباراتها الأولى أمام سويسرا بهدف نظيف، لتعود الصحف للحديث عن "لعنة كأس العالم"، لكن داخل غرفة الملابس لم يتغير شيء، قال ديل بوسكي للاعبيه إن البطولة ما زالت طويلة، وإن الطريقة التي أوصلتهم إلى هنا لن تتغير بسبب مباراة واحدة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت إسبانيا تفوز بالطريقة التي ستصبح علامتها المسجلة، هدف واحد يكفي، استحواذ طويل، دفاع يبدأ من المهاجمين، وصبر لا ينتهي.
فازت على هندوراس، ثم تشيلي، وأقصت البرتغال والباراغواي بهدف لفيا، قبل أن تقدم أمام ألمانيا في نصف النهائي واحدة من أعظم المباريات التكتيكية، منتخب ألماني كان قد أمطر إنجلترا والأرجنتين بالأهداف، لكنه بدا عاجزًا عن لمس الكرة أمام استحواذ الإسبان، حتى ارتقى بويول وسجل هدف المباراة الوحيد برأسية خلدها التاريخ.
وفي النهائي ضد هولندا، مباراة عنيفة بالمستوى الأوروبي، 14 بطاقة صفراء وبطاقة حمراء، وصلت إلى الدقيقة 116 بلا هدف.
حتي مرر فابريغاس الكرة لـ إنييستا داخل منطقة الجزاء الذي سدّد الكرة بقلبه قبل قدمه في الشباك، لترفع اسبانيا الكآس اخيراً بعد آنتظار 78 عاماً.
من لعنة ربع النهائي.. إلى لعنة الاستحواذ
بعد أن رفعت إسبانيا كأس العالم في جوهانسبرغ عام 2010، اعتقد الجميع أن الهيمنة ستستمر لسنوات طويلة، كان المنتخب يملك أفضل خط وسط في العالم، وأسلوب لعب أصبح يُدرّس في الأكاديميات، وجيلًا يبدو أنه قادر على الفوز بكل شيء.
لكن كرة القدم لا تمنح أحدًا ضمانات
- في مونديال 2014، جاءت الصدمة الأكبر، سقط حامل اللقب بخماسية أمام هولندا ثم خسر أمام تشيلي، ليودع البطولة من دور المجموعات في واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم.
- وفي نسخة 2018، امتلك الإسبان الكرة أمام روسيا طوال 120 دقيقة، لكنهم لم يجدوا الطريق إلى المرمى، أكثر من ألف تمريرة، واستحواذ تجاوز 75%، ثم خروج بركلات الترجيح أمام صاحب الأرض.
- وتكرر المشهد في 2022، استحواذ، وتمريرات لا تنتهي، وسيطرة على الكرة، لكن المغرب كان يعرف كيف يدافع وكيف ينتظر لحظته، انتهت المباراة بالتعادل، ثم خسرت إسبانيا بركلات الترجيح من جديد.
ليبدأ الجميع في الحديث عن "لعنة الاستحواذ"؛ كرة جميلة، لكنها لم تعد تكفي للفوز بالألقاب.
منتخب يظهر،، ثم يختفي
واليوم تعود إسبانيا إلى نهائي كأس العالم 2026، لكن بصورة مختلفة، أصبحت أكثر واقعية، أقل استحواذًا، وأكثر فهمًا للحظات التي يجب أن تُحسم فيها المباريات، كأنها تعلمت أخيرًا أن الكرة ليست لمن يحتفظ بها أكثر،،، بل لمن يعرف ماذا يفعل بها،
بقي سؤال واحد فقط قبل ليلة النهائي،،،
هل ستنجح إسبانيا في إضافة النجمة الثانية إلى قميصها، أم أن لميسي ورفاقه رأيًا آخر في كتابة الفصل الأخير من الحكاية؟
.png)