في ربيع عام 2018، لم يكن صامويل أومتيتي يعيش أفضل فتراته مع برشلونة رغم تألقه الكبير، كانت ركبته اليسرى تؤلمه منذ أشهر، والأطباء أمامه خياران واضحان: إجراء جراحة قد تُبعده عن كأس العالم، أو الاكتفاء بعلاج تحفظي يسمح له بالمشاركة لكنه يحمل مخاطرة كبيرة على مستقبله الرياضي.
اختار أومتيتي الطريق الأصعب، لم يكن مستعدًا لأن يشاهد فرنسا من المنزل وهي تبحث عن لقب غاب منذ عشرين عامًا، فقرر تأجيل الجراحة واللعب وهو يعلم أن الثمن قد يكون باهظًا، بعد سنوات، اعترف بنفسه أن قراره كان من أجل المونديال، وقال في تصريحات لصحيفة L'Équipe: "اخترت العلاج التحفظي حتى أتمكن من لعب كأس العالم"
في تلك اللحظة لم يكن أحد يفكر في المستقبل، كانت كل الأنظار تتجه نحو روسيا، بينما كان أومتيتي يضع مستقبله كله على طاولة واحدة، وبعد أسابيع قليلة فقط، رفع كأس العالم بين يديه، لكن جسده لم يغفر له هذا القرار أبدًا، ومنذ تلك الليلة، لم يعد المدافع نفسه مرة أخرى، وكأن كرة القدم منحته أعظم جائزة يمكن أن يحلم بها، ثم طلبت منه المقابل كاملًا.
من ياوندي إلى روسيا.. الطريق الطويل إلى الحلم
طفل كاميروني في شوارع ليون
وُلد صامويل أومتيتي في الكاميرون عام 1993، لكنه انتقل مع عائلته إلى مدينة ليون الفرنسية وهو في الثانية من عمره، طفل مهاجر في مدينة كبيرة، ولا شيء يملكه سوى موهبة بدأت تظهر مبكراً، في عمر الخامسة، انضم إلى أكاديمية مينيفال المحلية الصغيرة، ثم في عمر التاسعة انتقل إلى أكاديمية ليون الشهيرة.
هناك لم يكن الطفل الهادئ يحلم بأن يصبح أشهر مدافع في أوروبا، بل كان يحاول فقط أن يجد مكانًا له بين آلاف الأطفال في أكاديمية أولمبيك ليون، تدرج في جميع الفئات السنية للنادي حتى حصل على فرصته مع الفريق الأول عام 2012.
ليون | حيث صنع اسمه
لم يحتج وقتًا طويلًا ليفرض نفسه، كان مختلفًا عن أغلب المدافعين؛ قويًا في الالتحامات، سريعًا في التغطية، ويجيد بناء اللعب من الخلف بثقة لاعب وسط أكثر منها قلب دفاع.
خاض أوميتيتي 170 مباراة مع ليون في 4 سنوات، وأثبت نفسه مدافعاً استثنائياً بقراءة رائعة للعبة وهدوء قاتل تحت الضغط، لم يكن الأكثر بروزاً إعلامياً في الدوري الفرنسي، لكن المراقبين كانوا يتابعونه باهتمام متصاعد.
بحلول صيف 2016، كان برشلونة يبحث عن مدافع شاب يقود الخط الخلفي لسنوات طويلة، فوجد ضالته في أومتيتي.
برشلونة | خطوة إلى عالم آخر
في صيف 2016، دفع برشلونة 25 مليون يورو لضمّه من ليون، انتقال لم يكن مفاجئاً لمن تابعه، لكنه كان مفاجأة للرأي العام الأوروبي عامة وجماهير برشلونة خاصة.
احتاج بضعة أشهر فقط ليحجز مكانه أساسيًا، متفوقًا على أسماء أكثر خبرة، حتى أصبح شريك بيكيه في واحدة من أقوى فترات برشلونة الدفاعية بعد رحيل بويول وماسكيرانو، ومع كل مباراة، كان اسمه يكبر أكثر، ليس داخل كامب نو فقط، بل داخل المنتخب الفرنسي أيضًا.
حتي وصلت قيمته السوقية إلى 70 مليون يورو وكان يعتبر واحد من أغلي المدافعين في تلك الفترة.
مسيرة تصاعدية، مستوى في ارتفاع مستمر، وكأس عالم على الأفق، كل شيء كان يسير في الاتجاه الصحيح.
ثم جاءت الركبة.
روسيا 2018 | البطولة التي منحته المجد.. وسلبت منه كل شيء
عندما اقترب كأس العالم، كانت ركبة صامويل أومتيتي قد بدأت ترسل إشارات الخطر، منذ الأشهر الأخيرة من موسمه مع برشلونة، كان يعاني من التهاب في غضروف الركبة اليسرى، ونصحه الأطباء بإجراء عملية جراحية قد تنهي المشكلة، لكنها في الوقت نفسه كانت ستنهي حلمه بالمشاركة في مونديال روسيا.
الخيار كان بسيطاً في صياغته، مستحيلاً في تنفيذه: إما الركبة أو الحلم.
فكّر أوميتيتي، استشار متخصصين آخرين، وفي النهاية قرر رفض الجراحة واختار تلقّي الحقن والمسكّنات للمشاركة في كأس العالم.
دخل أومتيتي البطولة وهو ليس في أفضل حالاته البدنية، لكن أحدًا لم يلاحظ ذلك داخل الملعب، لعب ست مباريات من أصل سبع، وكان قلب الدفاع الأكثر هدوءًا في منتخب ديدييه ديشان، لم يكن المدافع الذي يكتفي بإبعاد الكرة، بل كان يبدأ الهجمة من الخلف، ويكسر خطوط الضغط بتمريراته، ويتقدم بالكرة عندما تغلق الحلول أمام لاعبي الوسط.
أمام الأوروغواي قدّم واحدة من أفضل مبارياته، ثم جاءت ليلة بلجيكا في نصف النهائي، المباراة التي كان الجميع ينتظر فيها هازارد ودي بروين ولوكاكو، لكن بطلها خرج من الخلف، في الدقيقة 51 ارتقى أومتيتي فوق مروان فيلايني، وضرب الكرة برأسه داخل الشباك، هدف واحد فقط، لكنه كان كافيًا ليقود فرنسا إلى النهائي ثم إلى لقبها العالمي الثاني.
وبعد أيام، حمل الكأس الذهبية في موسكو، بينما كان العالم يحتفل بصورة مبابي وغريزمان وبوغبا وكانتي،،، دون أن يدرك أن أحد أهم رجال تلك البطولة كان مدافعًا لعب البطولة وهو يخفي ألمًا لم يكن يعرف أحد حجمه.
ثم خسر كل شيء
حين عاد أوميتيتي إلى برشلونة في أغسطس 2018، لم يكن بطل كأس العالم الذي وصل إلى قمة اللعبة، كان رجلاً بركبة محطّمة، ومسيرة بدأت تنهار ببطء.
في سبتمبر 2018، غاب ستة أسابيع بسبب الركبة، ثم عاد في نوفمبر وأُصيب مجدداً أمام أتلتيكو مدريد وغاب عشرة أسابيع أخرى، ليست إصابة عارضة، بل كانت بداية نمط سيتكرر للسنوات الأربع التالية.
قرر الذهاب إلى قطر لتلقّي علاج تحفّظي بدلاً من إجراء الجراحة، المشكلة أن العلاج التحفّظي كان يُخفف الألم مؤقتاً دون أن يُعالج الجذر، والجذر كان يتدهور في كل مرة يعود فيها إلى الملعب.
برشلونة كانت تدفع له راتباً كبيراً مقابل لاعب لا يستطيع أن يضمن استمراريته، الجماهير بدأت تفقد صبرها، الإعلام بدأ يتساءل، وأوميتيتي بدأ يعيش نوعاً مختلفاً من الجحيم، حاضراً في القائمة وغائباً عن الملعب.
أفصح لاحقاً عن أنه مرّ بـ"نوبات اكتئاب" خلال تلك الفترة، وأنه "لم يكن يغادر المنزل،" وقال إن الناس اتهموه بالكسل والتقصير بينما كان في الواقع يعاني في صمت.
في أغسطس 2022، أُعير إلى ليتشي في الدوري الإيطالي، موسم واحد، بعض الاستقرار، بعض المباريات، ثم انتقل إلى ليل الفرنسي صيف 2023 على أمل أن يجد إيقاعه من جديد في بلاده.
في موسمَيه مع ليل، لم يلعب سوى 13 مباراة، كلها في الموسم الأول، الركبة المتعبة أعادته إلى غرفة الإسعاف مجدداً، وآخر مباراة خاضها كانت في يناير 2024.
ثم في الأول من سبتمبر 2025، أعلن اعتزاله الرسمي وهو في الحادية والثلاثين من عمره، كتب: "بعد مسيرة مكثفة مليئة بالصعود والهبوط، حان وقت الوداع، أعطيت كل شيء بشغف، ولا أندم على أي شيء"
ربما لو اختار الجراحة قبل مونديال روسيا، لامتدت مسيرته عدة سنوات أخرى، وربما كان سيحصد ألقابًا جديدة ويكتب تاريخًا مختلفًا لكنه اختار طريقًا آخر، طريقًا ينتهي بصورة واحدة لا تُنسى: لاعب يرفع كأس العالم على منصة التتويج، بينما كان مستقبله الكروي يبتعد عنه خطوة بعد أخرى.
الخاتمة | كأس العالم.. الحلم الذي يستحق كل شيء
هناك بطولات تمنحك لقبًا، وهناك بطولات تمنحك الخلود، وكأس العالم بالنسبة لجميع اللاعبين ليست مجرد بطولة، بل الحلم الذي يبدأ مع أول كرة يركلها الطفل في الشارع، والحلم الذي قد لا يطرق الباب إلا مرة واحدة طوال العمر.
لهذا رأينا لاعبين يؤجلون العمليات الجراحية، ويلعبون بحقن المسكنات، ويتحاملون على أجسادهم من أجل سبع مباريات فقط، صامويل أومتيتي فعل ذلك، ودفع الثمن كاملًا.
خسر سنوات كان يمكن أن يقدم فيها الكثير، وخسر مكانه بين أفضل مدافعي العالم، لكن أحدًا لن يستطيع أن يسلبه تلك اللحظة التي ارتقى فيها فوق الجميع، وسجل هدفًا قاد فرنسا إلى نهائي كأس العالم، ثم وقف بعد أيام يحمل الكأس الذهبية بين يديه.
قد يختلف الناس حول صحة قراره، وقد يقول البعض إنه أخطأ عندما ضحى بمستقبله، لكن الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تغييرها هي أن أومتيتي عاش حلمًا لا يعيشه إلا القليل.
وفي النهاية، ربما كان يعلم منذ البداية أن المجد له ثمن، فاختار أن يدفعه كاملًا، لأن كأس العالم بالنسبة لبعض اللاعبين لا تعادل مسيرة كاملة فحسب، بل تعادل العمر كله.
