هل الكرة الذهبية تُمنح فعلًا لأفضل لاعب في العالم؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه كل عام يفتح واحدة من أكثر النقاشات جدلًا في عالم الساحرة المستديرة.
هل يجب أن تذهب الجائزة إلى اللاعب الذي سجل أكبر عدد من الأهداف خلال الموسم؟ أم إلى من قاد فريقه للفوز بدوري أبطال أوروبا؟ أم إلى من رفع كأس العالم؟ أم أن كل هذه الأشياء يجب أن تأتي في المرتبة الثانية أمام سؤال واحد فقط: من كان اللاعب الأفضل والأكثر تأثيرًا داخل الملعب؟
قبل أيام، أعاد لامين يامال فتح هذا النقاش من جديد، عندما قال إن الكرة الذهبية يجب أن تذهب إلى أكثر اللاعبين تأثيراً خلال المباريات، وليس بالضرورة إلى اللاعب الذي سجل أكبر عدد من الأهداف، معتبرًا أن هداف الموسم لديه بالفعل جائزة أخرى تُكافئه على تسجيل الأهداف، وليس بالضرورة أيضاً ان يحصل عليها من فاز فريقه بدوري أبطال أوروبا.
لكن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية!
لأن تاريخ الكرة الذهبية مليء بلاعبين امتلكوا التأثير والموهبة والحضور في المباريات الكبرى، بل وأحيانًا قدموا موسمًا استثنائيًا بأكمله، ثم انتهى بهم الأمر في المركز الثاني أو الثالث أمام لاعب آخر.
في الجزء الثاني من مقال «ما هي السرقة الاكبر في تاريخ الكرة الذهبية؟» نعود إلى أسماء أخرى لم ترفع الجائزة رغم أن كثيرين يرون أن قصتهم كانت تستحق نهاية مختلفة.
ديفيد بيكهام 1999.. عندما خسر صانع الثلاثية أمام ريفالدو
في عام 1999، لم يكن ديفيد بيكهام مجرد لاعب وسط يمتلك عرضيات ساحرة، بل كان المحرك التكتيكي والقلب النابض لكتيبة مانشستر يونايتد في موسم تاريخي خُلد بأحرف من ذهب في ذاكرة الكرة العالمية، قاد الشياطين الحمر لتحقيق الثلاثية التاريخية (الدوري الإنجليزي، كأس الاتحاد الإنجليزي، ودوري أبطال أوروبا) كان العقل المدبر لجميع الملاحم الكبرى، وفي مقدمتها ليلة الكامب نو الأسطورية حين صنع هدفي الريمونتادا الخالدة أمام بايرن ميونخ في الدقائق الأخيرة من ركنيتين قاتلتين.
لعب 55 مباراة في جميع البطولات، سجل خلالها 9 أهداف وصنع 20 هدف، لكن قيمة بيكهام في ذلك الموسم لا يمكن اختصارها في الأهداف، كانت الكرة تصل إليه في الطرف الأيمن، ثم تتحول إلى فرصة، عرضية دقيقة، تمريرة طويلة، ركلة حرة، أو كرة ثابتة تضع دفاع الخصم تحت الضغط.
في الجهة الأخرى كان هناك ريفالدو!
البرازيلي قدم موسمًا رائعًا مع برشلونة، وسجل 24 هدفًا في الدوري الإسباني، وقاد الفريق إلى لقب الدوري، ثم توج مع البرازيل بكوبا أمريكا عام 1999، كانت أرقامه الهجومية أكثر وضوحًا، وتأثيره كان يظهر مباشرة في النتيجة: هدف، تمريرة، أو لحظة حاسمة، وبالتالي، عندما جاء التصويت، حصل ريفالدو على 219 نقطة مقابل 154 لبيكهام.
لكن السؤال الذي بقي عالقاً بعد كل تلك السنوات هو: هل كانت الكرة الذهبية تكافئ اللاعب الأكثر تأثيرًا في كرة القدم، أم كانت الأهداف والأرقام الفردية تملك دائمًا الصوت الأعلى؟
راؤول غونزاليس 2001.. حين انتزع "الفتى الذهبي" عرش "ملك إسبانيا"
في موسم 2000-2001، كان راؤول يمر بأزهى فترات مسيرته الكروية، كان الهداف المرعب الذي يرهب أعتى دفاعات القارة العجوز.
في ذلك الموسم كان راؤول هو الهداف الأول لريال مدريد في طريقه إلى الفوز بلقب الدوري الإسباني، وأنهى الليغا بـ24 هدفًا، ليحصل أيضًا على لقب الهداف.
وفي دوري أبطال أوروبا، كان ريال مدريد أكثر الفرق تسجيلًا بـ35 هدفًا، وكان راؤول هداف البطولة بـ7 أهداف، لم يكن مجرد مهاجم ينتظر الكرة داخل منطقة الجزاء؛ كان نقطة الارتكاز الهجومية للفريق، يتحرك بين الخطوط، يربط اللعب، ويظهر باستمرار في اللحظات التي يحتاج فيها ريال مدريد إلى لاعب يحسم المباراة.
وهنا تبدأ المقارنة مع مايكل أوين!
أوين كان لديه عام مذهل بالفعل، وربما أكثر بريقًا من حيث البطولات، قاد ليفربول إلى الفوز بكأس الاتحاد الإنجليزي، وكأس الرابطة، وكأس الاتحاد الأوروبي، وسجل هدفي فريقه في نهائي كأس الاتحاد أمام أرسنال، ثم أضاف واحدة من أشهر لحظاته مع منتخب إنجلترا، عندما سجل ثلاثة أهداف في الفوز 5-1 على ألمانيا.
وفي نهاية الأمر، حسم أوين الجائزة بـ 176 نقطة مقابل 140 نقطة لراؤول، في تصويت اعتبره النقاد إجحافاً صارخاً بحق النجم الإسباني، فقد انتزع الإنجليزي العرش دون حصد أي بطولة كبرى أساسية، بل وحتى في مشواره في اليوروباليج لم يكن العنصر الأكثر تأثيراً في حسم اللقب (أحرز فقط 3 أهداف) !
راؤول غونزاليس 2001.. حين انتزع "الفتى الذهبي" عرش "ملك إسبانيا"
هناك سؤال يطرحه عشاق كرة القدم منذ عقود: هل يمكن أن تكون أفضل لاعب في العالم دون أن تسجل هدفاً واحداً؟
في عام 2003، كان باولو مالديني يبلغ من العمر 35 عامًا.
وفي وقت كان معظم المدافعين في هذا العمر يقتربون من نهاية مسيرتهم، كان قائد ميلان يقدم واحدًا من أكثر مواسمه اكتمالًا.
لم يكن مالديني مجرد قائد لدفاع فاز بدوري أبطال أوروبا، بل كان حاضرًا في 19 مباراة من أصل 19 لميلان في البطولة، وهو أكثر لاعب مشاركة في نسخة 2002-2003، وفي طريقه إلى اللقب، حافظ ميلان على نظافة شباكه في 8 مباريات، وهو الرقم الأفضل بين جميع فرق البطولة، و في النهائي بـأولد ترافورد ضد يوفنتوس، انتهت المباراة 0-0 بعد الوقت الإضافي ليُحسم اللقب بركلات الجزاء، ومُنح مالديني جائزة رجل المباراة هو المدافع الوحيد الذي ينال هذا الشرف في نهائي دوري الأبطال في تلك الحقبة.
حتى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم كان يتحدث وقتها عن مالديني باعتباره أحد أفضل مدافعي أوروبا، ووصف موسمه بأنه استثنائي، ومع ذلك عندما وصلت الكرة الذهبية إلى التصويت، وجد مالديني نفسه في المركز الثالث، أمام نيدفيد، وخلف هنري.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية في الكرة الذهبية، الأهداف تُرى بسهولة، التمريرات الحاسمة تُحسب، الهداف يترك رقمًا في جدول الإحصائيات، لكن ماذا عن المدافع الذي يمنع الهدف قبل أن يصبح فرصة؟ ماذا عن قراءته للهجمة، تمركزه، قيادته للخط الخلفي، وقدرته على جعل فريق كامل أكثر أمانًا؟
وبعد 16 عامًا، سيأتي مدافع آخر ويجعل العالم كله يعيد طرح السؤال نفسه.
فان دايك 2019،، هل تغير شيء؟
في عام 2019، لم يكن فان دايك مجرد مدافع جيد في فريق بطل أوروبا، كان أحد أبرز وجوه ليفربول الذي توج بدوري أبطال أوروبا، ثم نافس مانشستر سيتي على لقب الدوري الإنجليزي حتى الجولة الأخيرة.
وفي ذلك العام، وصل مدافع هولندي إلى المركز الثاني في الكرة الذهبية خلف ميسي، والمفارقة أن الفارق بينهما كان سبع نقاط فقط.
ميسي: 686 نقطة.. فان دايك: 679 نقطة!
بل إن فان دايك حصل على المركز الأول في تصويت 69 صحفيًا، مقابل 61 لميسي، لكن نظام النقاط جعل الجائزة تذهب في النهاية إلى الأرجنتيني، وهنا تتكرر الحكاية بعد 16 عامًا.
مدافع يقدم موسمًا استثنائيًا، يقود فريقه إلى أكبر بطولة أوروبية، ويخسر الصراع مع أمام المهاجم لانه يسجل ويصنع أكثر.
ديكو (2004): مهندس معجزة بورتو الذي طمسه اسم شيفتشينكو
إذا كان راؤول قد خسر أمام لاعب صنع عامًا استثنائيًا بالأهداف والبطولات، فإن قصة ديكو مختلفة قليلًا.
لأن ديكو لم يكن اللاعب الذي تلاحظه أولًا عندما تنظر إلى أرقام الهدافين، كان اللاعب الذي يجعل بقية الفريق يبدو أفضل.
في موسم 2003-2004، كان ديكو أحد أهم أسباب وصول بورتو إلى قمة أوروبا، الفريق البرتغالي فاز بدوري أبطال أوروبا، بعدما تجاوز مانشستر يونايتد وليون وديبورتيفو لاكورونيا، ثم هزم موناكو 3-0 في النهائي.
على مدار الموسم، سجل ديكو 4 أهداف فقط وصنع 22 في 45 مباراة؛ أي أنه لم يكن مجرد لاعب يشارك في بناء اللعب، بل كان أحد أهم مصادر صناعة الفرص في فريق جوزيه مورينيو.
وهنا تظهر المفارقة!
في الجهة الأخرى كان أندريه شيفشينكو يقدم موسمًا رائعًا مع ميلان، سجل 24 هدفًا في الدوري الإيطالي، وأنهى الموسم هدافًا للمسابقة، وقاد ميلان إلى الفوز بلقب الدوري، لذلك كان لديه كل ما تحتاجه أي حجة لصالح الكرة الذهبية: أهداف كثيرة، لقب محلي كبير، واستمرارية في المستوى.
لكن ديكو كان يملك شيئًا مختلفًا تمامًا، كان بطل الثلاثية مع فريق خارج دائرة الأسماء التقليدية الكبرى.
وفي نهاية التصويت، حصل شيفشينكو على 175 نقطة، بينما جاء ديكو ثانيًا بـ139 نقطة، وهنا لا تكمن القصة في أن شيفشينكو لم يكن يستحق الجائزة، بل في أن موسم ديكو كان من النوع الذي يجعلنا نسأل: إذا كانت الكرة الذهبية تبحث عن اللاعب الأكثر تأثيرًا في كرة القدم، فكيف يمكن تجاهل اللاعب الذي كان أحد أهم أسباب تتويج بورتو ببطولة أوروبا؟
الخاتمة — هل يمكن فعلًا قياس الكرة الذهبية؟
ربما بعد كل هذه الكلمات والحكايات، نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: هل الكرة الذهبية تُمنح فعلًا لأفضل لاعب في العالم؟
هل نقيس الأفضل بعدد الأهداف التي سجلها؟ أم بعدد البطولات التي رفعها؟ أم بالتأثير الذي تركه في المباريات؟ وهل يمكن أن تكون المقارنة عادلة أصلًا بين مهاجم يسجل هدفًا في الدقيقة الأخيرة، وصانع ألعاب يتحكم في إيقاع المباراة، ومدافع يمنع الهدف قبل أن يصل إلى مرماه، وحارس ينقذ فريقه في اللحظة التي كان يمكن أن يخسر فيها كل شيء؟
قصة شيفشينكو وديكو تضعنا أمام السؤال الأول، الأول امتلك الأهداف واللقب المحلي، والثاني كان أحد أهم أسباب تتويج بورتو بدوري أبطال أوروبا.
راؤول وأوين يقدمان مفارقة أخرى؛ مهاجم تألق على مدار موسم كامل، أمام لاعب جمع البطولات واللحظات الفردية التي بقيت في ذاكرة الجمهور.
ثم يأتي مالديني، ليصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن أن ينافس مدافع على جائزة صنعتها، في جزء كبير من تاريخها، الأهداف والأرقام الهجومية؟ وبعده بسنوات، جاء فان دايك ليعيد السؤال نفسه إلى الواجهة.
أما بيكهام، فقصته تذكرنا بأن اللاعب قد يكون جزءًا أساسيًا من أعظم موسم جماعي، دون أن تكون أرقامه الفردية كافية لمنحه الجائزة.
وهنا ربما تكمن الإجابة الحقيقية كما ذكرناها في الجزء الاول من المقال الكرة الذهبية ليست ميزانًا رياضيًا يضع الأهداف في كفة، والتمريرات في كفة، والبطولات في كفة أخرى، ثم يخرج لنا بنتيجة لا تقبل النقاش، هي جائزة تقديرية.
ومع مرور السنوات، أصبحت نتيجتها تتأثر بمزيج من الأداء الفردي، والإنجاز الجماعي، واللحظات الكبرى، والانطباع الذي يتركه اللاعب، وحتى السياق الإعلامي والعاطفي الذي أحاط بالموسم.
وهذا لا يعني أن كل فائز لم يكن يستحق الجائزة، بل يعني أن التاريخ لا يملك دائمًا إجابة واحدة عن سؤال: من كان الأفضل؟
.png)