من هو أفضل نادٍ في أوروبا؟
في أواخر عام 1954، أعلنت صحيفة "Daily
Mail" الإنجليزية بنبرة حاسمة أن نادي ولفرهامبتون
واندررز هو " أفضل نادٍ في أوروبا"، وذلك عقب فوزه في مباريات ودية استعراضية
على أندية كبرى مثل بودابست هونفيد المجري وسبارتاك موسكو.
لم يمر هذا الادعاء المغرور مرور الكرام في باريس، كتب الصحفي
الفرنسي غابرييل هانو في صحيفة "L'Équipe" مقالاً شهيراً يرد فيه بوضوح: "قبل أن نعلن أن ولفرهامبتون
بطل أوروبا، دعوهم يسافرون إلى موسكو أو بودابست ليخوضوا مباريات الإياب، وهناك أندية
أخرى في أوروبا مثل ريال مدريد وميلان تُقدم كرة قدم أكثر تفوقاً..
يجب إقامة بطولة قارية حقيقية لتحديد البطل".
لم يكن هانو يدري في تلك اللحظة أنه يتسبب في إطلاق أعظم مسابقة
في تاريخ الساحرة المستديرة.
من ورق الصحافة إلى عشب الملاعب
لم يتوقف غابرييل هانو وزميله جاك جيرار عند حدود مقال رأي،
بل وضعا مسودة نظام مسابقة قارية تعتمد على نظام المواجهات الإقصائية (ذهاباً وإياباً) في تلك الحقبة، لم تكن هناك مواصلات جوية سهلة، ولا تنسيق
تقويمي محكم بين الاتحادات الوطنية.
لكن المشكلة الأولى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA
كان حديث الولادة؛ فقد تأسس في يونيو 1954، ولم تكن متحمسة للمشروع
في بدايته، معتبرة إياه مغامرة صحفية قد تضر بالدوريات المحلية.
وفي مارس 1955، عُرض المشروع أمام مؤتمر UEFA
في فيينا، لكن الفكرة لم تحصل على الموافقة فورًا، كان يمكن أن تنتهي
القصة هنا، لكن L'Équipe لم تتراجع.
وجهت الدعوة مباشرة إلى رؤساء أبرز الأندية في أوروبا لحضور
اجتماع حاسم في فندق "أناغرام" بباريس في أبريل 1955، لم تكن النسخة الأولى
تُشترط مشاركة بطل الدوري المحلي فقط؛ بل اعتمدت على دعوة أندية تتمتع بجماهيرية عالية
وتاريخ عريق أو تمتلك إمكانيات لاستضافة مباريات ليلية.
وفي النهاية
وافقت FIFA على المشروع في مايو 1955،
ثم حسمت UEFA الأمر في يونيو، وقررت أن تنظم
المسابقة تحت اسم كأس الأندية الأوروبية البطلة.
النسخة الأولى 1955/1956: ليلة
باريس وافتتاح السجل التاريخي
كانت بطولة دعوات تضم 16 ناديًا، اختارت L'Équipe
عددًا من المشاركين، بينما دخلت اتحادات وطنية في الصورة وأرسلت أبطالها، وفي النهاية
كان من بين المشاركين سبعة أبطال وطنيين فقط، إلى جانب أندية أخرى دُعيت للمشاركة.
حتى الأسماء نفسها تخبرك كم كانت كرة القدم الأوروبية مختلفة.
ريال مدريد (أسبانيا)، ستاد ريمس (فرنسا)، إيه سي ميلان
(إيطاليا)، سبورتينغ لشبونة (البرتغال)، آيندهوفن
(هولندا)، أندرلخت (بلجيكا)، رابيد فيينا (النمسا)، آرهوس جمناستيك فورينينغ (الدنمارك)،
بودابست فجوش (المجر)، غوارديا وارسو (بولندا)، ساربروكن (محمية سار)، هيبرنيان (إسكتلندا)،
يورغوردينس (السويد)، سيرفيت (سويسرا)، روت فايس إيسن (ألمانيا الغربية)، بارتيزان
بلغراد (يوغسلافيا).
وفي 4 سبتمبر 1955، حدث الأمر الذي
كان قبل أشهر مجرد فكرة في صحيفة، دخل لشبونة البرتغالي وبارتيزان اليوغوسلافي إلى
أرض الملعب في لشبونة أمام 30 ألف مشجع، في أفتتاح البطولة التي سوف تصبح
الافضل في التاريخ، ويفتتح البرتغالي جواو مارتينز شريط اهداف البطولة لينتهي
اللقاء بالتعادل الايجابي 3-3.
ريال مدريد يدخل القصة
في تلك
الفترة، لم يكن ريال مدريد يمتلك الهالة القارية التي
نعرفها اليوم، كان النادي الإسباني قد أنهى لتوه عقوداً من الضياع المحلي.
لكن تحولاً كبيراً بدأ
مع قيادة رئيسه الاسطوري سانتياغو برنابيو، الذي فهم قبل غيره أن مستقبل كرة القدم
يكمن في التدويل وتوسيع القاعدة الجماهيرية خارج حدود إسبانيا.
عنصر التحول الأساسي تمثل في التوقيع مع الساحر الأرجنتيني ألفريدو
دي ستيفانو عام 1953، لم يكن دي ستيفانو مجرد مهاجم يسجل الأهداف، بل كان ينزل لمنتصف
ملعبه ويبني الهجمات، يفتك الكرات، ويوجه زملائه داخل المستطيل الأخضر، حول دي ستيفانو
الفريق الإسباني من نادي محلي طامح إلى ماكينة كروية منظمة تمتلك مرونة تكتيكية عالية
وسرعة فائقة في التحولات الهجومية، ليدخل ريال مدريد النسخة الأولى من كأس أوروبا كأحد
المرشحين الأقوياء، دون أن يتوقع أحد أنه على وشك احتكار البطولة.
جاءت مسيرة ريال مدريد نحو النهائي صارمة، تخطى الفريق
سيرفيت السويسري في الدور الأول بسباعية نظيفة ذهاباً واياباً، ثم أطاح بـ بارتيزان
بلغراد الصربي في ربع النهائي برغم الهزيمة في مباراة الإياب الثلجية الصعبة، قبل أن
يتجاوز ميلان الإيطالي في نصف نهائي معقد بمجموع المباراتين (5-4).
في 13 يونيو 1956، احتضن ملعب "بارك دي برينس" في
باريس أول نهائي في تاريخ البطولة بين ريال مدريد وستاد ريمس الفرنسي، الفريق الذي
كان يمثل جوهرة الكرة الفرنسية بقيادة النجم ريموند كوبا.
دراما النهائي الأول
باغت النادي الفرنسي الجميع بتقدم سريع بهدفين نظيفين في أول
10 دقائق، هنا تجلت شخصية الفريق التي وضع لبنتها دي ستيفانو؛ حيث قلص النتيجة بنفسه
في الدقيقة 14، قبل أن يعادل هيكتور ريال الكفة.
ورغم تقدم ريمس مجدداً في الشوط الثاني (3-2)، إلا أن اللياقة
البدنية والروح القتالية للإسبان حسمت اللقاء بهدفين متتاليين عبر ماركوس ألونسو وهيكتور
ريال، لتنتهي المباراة بفوز ريال مدريد (4-3) ويتوج بأول عرش أوروبي.
والأهم أن ريال مدريد لم يفز بلقب عادي، لقد فاز بنهائي احتاج
فيه إلى العودة مرتين، وربما لم يكن أحد يعرف وقتها أن هذا المشهد سيصبح، بطريقة ما،
جزءًا من شخصية ريال مدريد الأوروبية، أن يتأخر، أن يبدو قريبًا من الخروج، ثم يجد
في اللحظات الصعبة طريقة للعودة والفوز.
اللقب الثاني... حين بدأ الأمر
يبدو مقصودًا
في الموسم التالي، تغيرت البطولة قليلًا، لم تعد البطولة مجرد
تجربة وليدة، بل أصبحت الحدث الأهم في القارة،
ودخلت ست دول جديدة بممثلين، كما أصبحت إسبانيا أول دولة تشارك
بفريقين: ريال مدريد حامل اللقب، وأتلتيك بلباو بطل إسبانيا.
ومن أبرز تلك الفرق الجديدة كان مانشستر يونايتد، الذي وجد نفسه
أمام بوروسيا دورتموند في الدور الأول، لم تكن المواجهة سهلة، وانتهت بفوز الإنجليز
3-2 في مجموع المباراتين، ليواصلوا طريقهم وسط اهتمام متزايد بالمشاركة الإنجليزية
في البطولة.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت لاحقًا عندما واجه يونايتد أتلتيك
بلباو في ربع النهائي، خسر الفريق الإنجليزي ذهابًا في بلباو 5-3، وكانت النتيجة تبدو
كافية لإنهاء الحكاية، ثمانية أهداف في مباراة واحدة، وفارق هدفين أمام فريق إسباني
قوي، وكل شيء كان يوحي بأن الطريق انتهى، لكن في إنجلترا حدث شيء آخر؛ قلب مانشستر
يونايتد المواجهة بثلاثة أهداف نظيفة، وانتزع التأهل بطريقة جعلت البطولة تبدو أكثر
إثارة من نسختها الأولى.
أما ريال مدريد، فحامل اللقب لم يجد طريقه سهلًا أيضًا، بدأ
دفاعه عن الكأس أمام رابيد فيينا، وفاز ذهابًا في مدريد 4-2، لكنه ذهب إلى النمسا وعاد
بخسارة 3-1، احتاج الفريقان إلى مباراة فاصلة في سانتياغو برنابيو، وهناك كان ريال
مدريد أكثر هدوءًا، وسجل هدفين أنهيا المغامرة النمساوية.
و في
30 مايو 1957، وصل ريال مدريد إلى النهائي مرة أخري ليواجه فيورنتينا الإيطالي على ملعبه
"سانتياغو برنابيو" أمام أكثر من 120 ألف مشجع، خنق الدفاع الإيطالي مفاتيح
لعب مدريد لمعظم أوقات اللقاء، حتى كسر دي ستيفانو التعادل من ضربة جزاء في الدقيقة
69، قبل أن يحسم خينتو المباراة بهدف ثاني من مرتدة سريعة لتنتهي (2-0).
اللقب الثاني كان أكثر هدوءًا من الأول، لكنه ربما كان أهم منه
في شيء آخر، في باريس، احتاج ريال مدريد إلى العودة مرتين حتى يفوز، أما اللقب الثاني في مدريد، لم يحتج
إلى العودة أصلًا بدأ الفريق يكتشف أن الفوز لا يرتبط دائمًا بطريقة واحدة، وأن البطل
الحقيقي هو من يستطيع أن يجد طريقه إلى الكأس مهما اختلفت المباراة.
أصعب نهائي وأول اختبار حقيقي
للهيمنة
أما نسخة 1957/1958، فقد شهدت اختباراً حقيقياً
لصلابة ريال مدريد
الشخصية والبدنية، لأن المنافس في المباراة النهائية كان إيه
سي ميلان في نهائي بروكسل.
سجل ميلان التقدم مرتين، لكن شخصية البطل كانت
حاضرة؛ تعادل دي ستيفانو ثم رييل، ليحتكم الفريقان لوقت إضافي نجح فيه خينتو بسرعته
الخرافية في تسجيل هدف الفوز القاتل (3-2) في الدقيقة 107.
ثلاثة ألقاب متتالية جعلت أوروبا تدرك أن هذا
الفريق يمتلك جينات خاصة في هذه المسابقة.
من اللقب الرابع إلى الخماسية:
حين اكتملت ملامح البطولة
بحلول النسخة الرابعة، كانت كأس أوروبا للأندية البطلة قد ابتعدت
كثيرًا عن شكلها الأول، البطولة التي بدأت قبل سنوات قليلة بفكرة صحفية جريئة أصبحت
موعدًا تنتظره الأندية والجماهير، وأصبح الفوز بها يعني التفوق على أبطال وممثلين من
مدارس كروية مختلفة في القارة، لم تعد المسابقة تبحث عن شرعيتها؛ كانت قد بدأت تفرضها
بنفسها.
وفي نسخة 1958/59، تكرر أحد مشاهد البطولة الأولى عندما عاد
ستاد ريمس إلى النهائي مرة أخرى، كان الفريق الفرنسي قد خسر النهائي الافتتاحي أمام
ريال مدريد قبل ثلاث سنوات، لكنه عاد إلى المباراة النهائية بعد أن مر عبر أندية قوية،
وهذه المرة كان يحمل معه أحد أبرز مهاجمي العالم، جوست فونتين، في المقابل كان ريال
مدريد قد أصبح أكثر خبرة في التعامل مع البطولة، وانضم إليه فرانك بوشكاش ليضيف اسمًا
جديدًا إلى مجموعة النجوم التي بدأت أوروبا تحفظها.
لكن النهائي في شتوتغارت لم يقدم الدراما التي اعتادت عليها
البطولة، سجل ماتيوس لريال مدريد في الدقيقة الأولى، ثم أضاف دي ستيفانو الهدف الثاني في بداية الشوط الثاني، وانتهت المباراة 2-0، كان ذلك اللقب الرابع على التوالي، والأمر
اللافت أن البطولة نفسها بدأت تكشف عن شيء جديد: ريال مدريد لم يعد بحاجة إلى مباراة
استثنائية في كل مرة حتى يصل إلى الكأس أحيانًا يكفي أن يكون أكثر هدوءًا وخبرة في
المباراة الأخيرة.
ثم جاءت نسخة 1959/60، وكأن البطولة قررت أن تختتم عقدها الأول
بمباراة تلخص كل ما أصبحت عليه، لم يعد ريال مدريد وحده هو القصة؛ فقد أصبحت الأدوار
الإقصائية مليئة بالمواجهات الكبيرة، وصل أينتراخت فرانكفورت إلى النهائي بعد أن قدم
واحدة من أكثر المغامرات الهجومية إثارة في البطولة، ومنها انتصاره الكاسح على رينجرز
بنتيجة 12-4 في مجموع نصف النهائي، وعلي الجانب الاخر وصل ريال مدريد الي النهائي
بعد الفوز علي غريمه الاذلي برشلونة 6-2 في نصف النهائي!
وفي 18 مايو 1960، امتلأ هامبدن بارك في غلاسكو بأكثر من
127 ألف متفرج لمشاهدة النهائي، سجل أينتراخت أولًا، لكن المباراة تحولت سريعًا إلى
مهرجان تهديفي، سجل دي ستيفانو ثلاثة أهداف، وأضاف بوشكاش أربعة، لتنتهي المباراة
7-3 لريال مدريد، 10 أهداف في نهائي واحد، وثلاثة منها خلال آخر نصف ساعة، ومواجهة
ظلت الجماهير الأسكتلندية تحتفي بها حتى بعد صافرة النهاية.
كان ذلك أكثر من مجرد نهائي آخر، خلال خمس سنوات فقط، ارتفع
عدد مباريات البطولة، واتسعت دائرة المشاركين، وبدأت أندية القارة تفهم قيمة المواجهات
الأوروبية، وفي الوقت نفسه، كانت البطولة قد وجدت أول بطل مهيمن عليها: ريال مدريد،
الذي فاز بكل نسخة أقيمت منذ انطلاقها.
خمسة ألقاب متتالية بين 1956 و1960، لكن المفارقة أن الخماسية
لم تكن نهاية قصة البطولة، بل كانت نهايتها الأولى فقط، بعد ذلك ستنتقل الكأس إلى البرتغال
وإيطاليا واسكتلندا وإنجلترا وهولندا وألمانيا، وسيتغير شكل المسابقة أكثر من مرة،
قبل أن تتحول في 1992 إلى دوري أبطال أوروبا بالشكل الذي نعرفه اليوم، لكن ذلك كله
بدأ من تلك الفكرة البسيطة في منتصف الخمسينيات:
ماذا لو لعبت أفضل أندية أوروبا ضد بعضها بعضًا؟
.المصادر
2- تفاصيل أكثر عن دور L'Équipe وغابرييل هانو
