تشابي الونسو.. ليفركوزن لم تكن صدفة لكن هل تشيلسي ستكون الحقيقة؟

تشابي الونسو.. ليفركوزن لم تكن صدفة لكن هل تشيلسي ستكون الحقيقة؟

هناك مدربون يحتاجون سنوات حتى يصنعوا فريقًا يحمل بصمتهم، وهناك مدربون يدخلون المشهد وكأنهم كانوا ينتظرون تلك اللحظة منذ سنوات.

 عندما وصل تشابي ألونسو إلى باير ليفركوزن في أكتوبر 2022، كان الفريق في المركز قبل الأخير في الدوري الألماني بعد ثماني جولات، وبعد أقل من عامين، أصبح ليفركوزن بطل ألمانيا للمرة الأولى في تاريخه، وأنهى موسم 2023/24 من دون هزيمة في الدوري، في إنجاز لم يسبقه إليه أي فريق في تاريخ البوندسليجا.

لم تكن القصة مجرد نتائج، كان هناك فريق يلعب بطريقة مختلفة؛ وهنا بدأت الأسئلة الحقيقية، هل اكتشف ألونسو وصفة يمكن نقلها إلى أي فريق كبير؟ أم أن نجاح ليفركوزن كان نتيجة توافق نادر بين المدرب واللاعبين والمنظومة؟ فالفريق لم يكن يملك مجرد خطة؛ كان يملك لاعبين مناسبين تمامًا لها.

ثم جاءت الخطوة الأصعب: ريال مدريد، هنا لم يعد ألونسو يبني مشروعًا من نقطة الصفر، بل دخل غرفة ملابس مليئة بالنجوم، وضغوط النتائج، وتوقعات مختلفة تمامًا، وبعد تجربة قصيرة انتهت في 2026.

انتقل إلى تشيلسي، حيث تنتظره مهمة أكثر تعقيدًا: فريق كبير، قائمة ضخمة، ولاعبون بخصائص مختلفة، ومنظومة لم يصنعها هو من البداية، وأدارة وجماهير غير صبورة بالمرة، وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة من مجرد: هل يستطيع ألونسو النجاح مع تشيلسي كما فعلها مع ليفركوزن؟

معجزة ليفركوزن: كيف كان يعمل سحر ألونسو؟

لكي نفهم لماذا يتعثر ألونسو اليوم، يجب أن نعود أولاً إلى "المختبر" الذي صنع اسمه: باير ليفركوزن، هناك لم يكن ألونسو يلعب كرة قدم تقليدية، بل كان يطبق نظاماً هندسياً صارماً يقوم على رسم تكتيكي يبدو ظاهرياً كـ (3-4-2-1) ، لكنه في الحقيقة يتحول في أرض الملعب إلى شكل ديناميكي سائل.

الفكرة الأساسية كانت أبسط: اصنع تفوقًا عدديًا حول الكرة، ثم حرّك الخصم حتى تظهر المساحة التي تريدها.

كيف يبدأ البناء من الخلف؟

ألونسو لا يُحبّ خط الأربعة في البناء، يُفضّل أن يخرج من الخلف بثلاثة مدافعين يصنعون القاعدة الأولى للهجوم، بينما يمنح الظهيران الفريق العرض على الجانبين، الفكرة ببساطة: ثلاثة في الخلف يعني دائماً لاعب حرّ، ودائماً خيار آمن للتمريرة الأولى، الخصم إما يضغط فيُفتح فراغ، أو يتراجع فيُمنح الفريق وقتاً للتنظيم.

ماذا يحدث في وسط الملعب؟

هنا السرّ الحقيقي، ألونسو يُشكّل في وسط الملعب ما يشبه المربع، تشاكا وبالاسيوس يشكلان محورًا قادرًا على تدوير الكرة، بينما يتحرك فيرتز وهوفمان في المساحات بين وسط الخصم ودفاعه، أربعة لاعبين يُحيطون بحامل الكرة من زوايا مختلفة، بحيث يكون أمامه دائماً خياران أو ثلاثة في نفس الوقت، لا انتظار، لا وقوف، لا لاعب يُطالب بالكرة وهو ثابت الجميع في حركة مستمرة تُنتج فراغات.

تنتقل الكرة من جانب إلى آخر، يتقدم لاعب من الخصم للضغط، فتظهر مساحة خلفه، هنا تأتي التمريرة إلى أحد لاعبي الـ10، أو يتحرك الظهير إلى المساحة المفتوحة، وفجأة يتحول الاستحواذ الهادئ إلى هجمة مباشرة.

ولهذا كانت كرة ليفركوزن تبدو أحيانًا بطيئة… ثم تصبح سريعة في ثانية واحدة.

وماذا عن الدفاع؟

هنا المفاجأة الحقيقية في أسلوب ألونسو: دفاعه لا يبدأ حين تُفقد الكرة بل قبل ذلك بثوانٍ، لأن بنية الفريق الهجومية مُصمَّمة أصلاً بحيث تكون اللاعبون قريبين من بعضهم، فحين تُفقد الكرة، يتحوّل ذلك القرب فوراً إلى ضغط جماعي مكثّف على حامل الكرة الجديد، لا حاجة للتراجع، لا وقت لإعادة الترتيب، الضغط يحدث على الفور.

وإذا نجح الخصم في تجاوز الضغط، يعود الفريق إلى كتلة أكثر تماسكًا، مع تراجع الجناحين لتكوين خط خماسي وحماية العمق.

وهنا تظهر واحدة من أهم أفكار ألونسو: السيطرة لا تعني الاستحواذ فقط.

يمكنك أن تسيطر لأنك تملك الكرة، ويمكنك أيضًا أن تسيطر لأنك تعرف أين تريد أن يستعيدها فريقك بعد فقدانها!

والنتيجة؟ 

ليفركوزن فريقًا متوازنًا بشكل لافت، أنهى موسم 2023/24 بـ90 نقطة، وسجل 89 هدفًا، واستقبل 24 فقط، وأنهى الدوري بـ28 فوزًا و6 تعادلات من دون أي هزيمة.

لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون بهدوء: هل كان النظام هو السبب؟ أم أن اللاعبين كانوا هم الجواب؟ وهذا السؤال بالذات هو ما سيُحدّد مصير ألونسو مع تشيلسي الأن.

العناد التكتيكي | حين تكون الفلسفة أقوى من الواقع

"لم أكن أعلم أنني سأدرّب أطفالاً في حضانة!"

الجملة التي نُسبت إلى ألونسو خلال إحدى الحصص التدريبية في ريال مدريد تختصر جانبًا مهمًا من قصته هناك، فبحسب تقارير إسبانية نقلت عن «ماركا»، انفجر ألونسو غضبًا بسبب ما اعتبره ضعفًا في الالتزام والجدية، بينما رأى بعض اللاعبين أن تدريباته أصبحت محمّلة بكم كبير من التعليمات والتفاصيل التكتيكية.

لكن المشكلة هنا ليست في الجملة نفسها، بل فيما تكشفه عن طريقة ألونسو في العمل.

في ليفركوزن، كان بإمكانه بناء فريق كامل حول أفكاره، أما في مدريد وجد لاعبين آخرين، بعادات مختلفة، وأسلوب راسخ من عهود سابقة، منظومته تحتاج مدافعين يخرجون بالكرة ويتحملون المسؤولية في البناء والريال يملك مدافعين يحمون المرمى أولاً، تحتاج ظهيرين يتحوّلان إلى جناحين فعليين أما الريال يملك ظهيرين يُفضّلان الارتداد، تحتاج خط وسط يتحرك في مساحات ضيقة ويستلم تحت الضغط لكنه وجد في الريال خط وسط يُفضّل الكرة في الفراغ.

النظام لم يفشل،، لكنه لم يُطبَّق قط،، وهنا ظهر ما يمكن تسميته بـ «العناد التكتيكي»!

في ريال مدريد، اصطدمت هذه الفلسفة بغرفة ملابس كبيرة وبفريق لم يُبنَ بالكامل على احتياجاتها، ومع توتر العلاقة بين المدرب وبعض اللاعبين أصبحت المشكلة أكبر من مجرد رسم تكتيكي على السبورة.

مختبر تشيلسي: صفقات الأطراف ومعضلة العمق الدفاعي

في "ستامفورد بريدج"، بادرت إدارة تشيلسي بتوفير موارد مالية ضخمة لترميم التشكيلة وفقاً لمتطلبات ألونسو الهيكلية، خاصة في الثلث الهجومي وعلى الأطراف.

جاء التعاقد مع الإنجليزي مورغان روجرز من أستون فيلا ليلعب دور الركيزة في مركز صانع الألعاب/الجناح الداخلي (Inside Forward / No، 10)، حيث يمتلك روجرز الخصائص التكتيكية التي يعشقها ألونسو؛ إذ يجيد الضغط العالي، الهروب من الرقابة بين الخطوط، والتمركز في "أنصاف المساحات" للتمرير والإنهاء التهديفي، وعلى الطرف الآخر، تم استقدام الظهير باليسترا القادم من الدوري الإيطالي لتطبيق أسلوب "الظهير الجناح" (Wing-back) وتوسيع الملعب أفقياً، رغم أنه ما زال يمر بمرحلة التكيف مع نسق البريميرليغ ولم يندمج في المنظومة.

رغم هذه الصفقات الهجومية، اصطدم ألونسو بمعضلة تكتيكية قاتلة في "محور الارتكاز" وخط الدفاع، النظام الذي يعتمده يحتاج بدقة إلى ثنائية ارتكاز تشبه ثنائية ( تشاكا وبالاسيوس) في ليفركوزن أحدهما "ضابط إيقاع" وممرر عمودي، والآخر "حالم كرات" وواقي دفاعي.

في تشيلسي، ضربت الإصابات كايسيدو، بينما لم يستطع جيمس أو لافيا أو الوافد الجديد باركو تقديم الأدوار المركبة للربط بين خط الدفاع والهجوم تحت الضغط الشديد.

والأمر نفسه يظهر في الدفاع، فالفريق الذي يريد البناء بثلاثة مدافعين أو التحول بين ثلاثة وأربعة يحتاج إلى مدافعين قادرين على التقدم بالكرة، الدفاع في مساحات واسعة، والتصرف بسرعة عندما يفشل الضغط الأول، وإذا لم تكن هذه الأدوار مستقرة، فإن المسافة بين الدفاع والوسط تصبح هي نقطة الانهيار.

تشيلسي تلقى 12 هدفًا في أول خمس مباريات من الدوري، وهي أرقام تجعل السؤال التكتيكي واضحًا: هل المشكلة في جودة اللاعبين، أم في عدم اكتمال المنظومة، أم أن ألونسو نفسه ما زال متمسكًا بطريقة تحتاج إلى تعديلات أكبر؟

لذلك فإن مشروع تشيلسي هو الاختبار الحقيقي لألونسو.

في ريال مدريد، اصطدم بأفكار لم تنسجم بالكامل مع اللاعبين وغرفة الملابس، أما في تشيلسي، فقد بدأ يحصل على لاعبين أقرب إلى ما يريد، لكن السؤال الأصعب لم يعد: هل يستطيع ألونسو تطبيق أفكاره؟ 

بل: هل يستطيع أن يعرف متى يتمسك بها، ومتى يغيّرها لتناسب اللاعبين الموجودين أمامه؟

 لأن المدرب الكبير لا يُختبر فقط عندما ينجح اللاعبون في تنفيذ فكرته، وإنما عندما لا يستطيعون تنفيذها بالشكل الذي يريده، وهنا تحديدًا سيتحدد إن كان ألونسو قد تعلّم من تجربة ريال مدريد… أم أن تشيلسي سيكون الفصل الثاني من المشكلة نفسها!

المصادر 

1- تكتيكات تشابي الونسو 1

2- تكتيكات تشابي الونسو 2

3- تكتيكات تشابي الونسو 3








تعليقات