ألمانيا،، اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
الدقيقة 80، الأرجنتين كانت متقدمة، لكن ألمانيا لم تستسلم، كرة داخل المنطقة، وميروسلاف كلوزه يرتقي فوق الجميع ويضعها في الشباك 1-1.
تتغير ملامح المباراة، وتبدأ ألمانيا في استعادة السيطرة، يلتفت بيكرمان إلى مقاعد البدلاء، ثم تقع عيناه على الفتى الذي ظل ينتظر فرصته طوال البطولة، ميسي.
يعرف بيكرمان أن القرار مخاطرة، والمباراة أصبحت أكبر من أن تُحتمل فيها الأخطاء لكنه في الوقت نفسه يعرف أن الأرجنتين تحتاج إلى شيء مختلف.
يستدعيه: «ستدخل بدلًا من ماكسي رودريغيز ابقَ على اليمين، واجعلهم يتراجعون، اسحب المدافعين معك، وافتح المساحات لكريسبو وتيفيز، وإذا وجدت المساحة… لا تتردد، راوغ، مرر، سدد، العب بطريقتك»
يهز ميسي رأسه،، ثم يدخل.
لم يدخل كفتى يخشى أن يخطئ، بل كلاعب يعرف أن هذه ربما تكون فرصته ليكتب اسمه في تاريخ الأرجنتين، كان أول المدافعين عندما تفقد الأرجنتين الكرة، وأول من يضغط على حاملها، لم يخشَ الأسماء الكبيرة أمامه، ولم يتردد في مواجهة لام أو ميتسلدر أو أي مدافع ألماني يقترب منه.
كان يطلب الكرة، يستلمها، ينطلق على الخط، ثم يعود إلى الداخل بحثًا عن المساحة.
انتهى الوقت الأصلي 1-1، لكن ميسي لم يعد ذلك البديل الذي دخل لإنقاذ دقائق المباراة الأخيرة، لقد أصبح أخطر لاعب أرجنتيني على أرض الملعب، بدأ الشوط الإضافي، وازداد ميسي جرأة، استلم الكرة على الرواق الأيمن، ثم انطلق، تقدم، مدافع اقترب منه، راوغه إلى الداخل، آخر حاول إغلاق الطريق، رفع عينيه، وجد كريسبو يتحرك خلف المدافعين، لم يحتج إلى أكثر من لحظة، رفع الكرة بقدمه اليسرى فوق الخط الدفاعي، فسقطت خلف المدافعين تمامًا، أمام كريسبو الذي لم يكن عليه سوى أن يضع قدمه في المكان الصحيح، هدف 2-1 للأرجنتين.
لم يجرِ الجميع نحو كريسبو، انطلقوا جميعًا نحو ميسي، الفتى الذي دخل قبل دقائق، والذي كان من المفترض أن يكون مجرد ورقة على مقاعد البدلاء، أصبح صاحب التمريرة التي وضعت الأرجنتين على بعد دقائق من نصف النهائي، كان يبتسم وكأنه لا يصدق ما حدث، لم يكن يعرف وقتها أن تلك التمريرة قد تكون بداية شيء أكبر بكثير.
إيطاليا،، ميسي يطرق باب النهائي
إيطاليا كان دفاعها أكثر صلابة، والمساحات أقل، وكل هجمة تحتاج إلى صبر، مرت الدقائق والنتيجة مازالت سلبية، بيكرمان ينظر إلى الملعب، ثم إلى دكة البدلاء، هذه المرة لم يحتج إلى التفكير طويلًا، الدقيقة 60، ميسي يدخل، من أول لمسة، تغير إيقاع المباراة.
يتحرك بين الخطوط، يهرب من الرقابة، يراوغ لاعبًا ثم آخر، بينما يبدأ ريكيلمي في البحث عنه باستمرار، وكأن الاثنين يتحدثان لغة لا تحتاج إلى كلمات، تمريرة من ريكيلمي، ميسي يستلم بين المدافعين، لمسة إلى الأمام، ريكيلمي يفهم الفكرة قبل أن تحدث، ويرسل الكرة خلف الدفاع.
فجأة يصبح ميسي وحده أمام بوفون، أسطورة أمام موهبة في الثامنة عشرة، يتقدم بوفون يتوقف ميسي للحظة، ثم يرفع الكرة من فوقه بثقة "لوب" تمر الكرة فوق يد الحارس الإيطالي، وتسقط في الشباك.
1-0، لا يركض ميسي نحو الجماهير، يركض نحو ريكيلمي، ثم يلحق بهما الجميع، الأرجنتين إلى النهائي، وفي أقل من أسبوع، تحول ذلك الفتى الذي بدأ البطولة جالسًا على مقاعد البدلاء إلى اللاعب الذي حمل منتخب بلاده إلى المباراة النهائية.
زيدان × ميسي،، النهاية أم البداية؟
في الطرف الآخر من الملعب، كان هناك رجل يعيش آخر فصول حكايته، زين الدين زيدان.
أسطورة فرنسا، صاحب كأس العالم 1998، ويخوض آخر مباراة في مسيرته، وفي الجهة المقابلة، فتى أرجنتيني لم يبدأ حتى البطولة أساسيًا، لكنه وجد نفسه الآن في أول نهائي كأس عالم في حياته.
المباراة الأخيرة لزيدان، والحلم الأول لميسي.
وهنا، عزيزي القارئ، نترك لك المساحة لترسم النهاية كما تشاء في خيالك: هل يختم زيدان مسيرته بانتزاع النجمة الثانية لفرنسا، أم ينزل ميسي من مقاعد البدلاء ليزف التاج المونديالي للأرجنتين قبل موعده الفعلي بسنوات؟
لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا، في الدقائق الأخيرة من المباراة، أجرى بيكرمان تغييراته، فأخرج ريكيلمي وكريسبو، لكنه لم ينظر إلى الفتى الجالس على مقاعد البدلاء، بقي ميسي هناك، يراقب الأرجنتين وهي تحاول الحفاظ على تقدمها، ثم تشاهد هدف كلوزه يعيد ألمانيا إلى المباراة، قبل أن تنتهي الرحلة بركلات الترجيح!
بعد المباراة، انفجرت الصحافة الأرجنتينية في وجه بيكرمان، كيف يمكن لمدرب أن يملك موهبة شابة بهذه السرعة والقدرة على المراوغة، ثم يتركها على مقاعد البدلاء في لحظة كانت الأرجنتين فيها بحاجة إلى لاعب قادر على تغيير شكل المباراة؟ ميسي لم يكن بعدُ ميسي الذي نعرفه؛ لكنه كان يملك شيئًا واحدًا على الأقل يمكن أن يمنح الأرجنتين فرصة مختلفة: السرعة، والمراوغة، والقدرة على سحب الدفاع بعيدًا عن مناطقه وفتح مساحات لزملائه.
ربما كان قادرًا على تغيير المباراة، وربما كان سيخرج دون أن يفعل شيئًا… وهذه هي روعة «ماذا لو؟»
بعد ساعات قليلة، سيختتم ليونيل ميسي واحدة من أطول وأعظم الرحلات في تاريخ كرة القدم الدولية!
لم يرفع كأس العالم 2006، ولا كأس العالم 2010، وخسر نهائي 2014 أمام ألمانيا، ثم خرج من دور الـ16 أمام فرنسا في 2018، عاش سنوات من الخيبات والنهائيات الضائعة، ووصل به الألم في لحظة إلى التفكير في الاعتزال الدولي.
لكنه عاد مرة أخرى، وكأن الحكاية لم تكن قد كُتبت نهايتها بعد، ثم يأتي 2021، ليرفع كوبا أمريكا الأولى، وبعدها الفيناليسيما، ثم يصل إلى قطر في 2022 ويحقق الكأس التي انتظرها طوال حياته، وبعدها يضيف كوبا أمريكا أخرى.
ربما لهذا تبدو قصة ميسي أجمل عندما ننظر إليها من النهاية، ذلك الفتى الذي تركه بيكرمان على مقاعد البدلاء أمام ألمانيا عام 2006 لم يكن يعرف أن أمامه ستة عشر عامًا من الانتظار، وأن كل خسارة ستقوده خطوة أخرى نحو اللحظة التي حلم بها العالم معه.
بعد ساعات قليلة، سيلعب ميسي مباراته الأخيرة بقميص الأرجنتين، وبعد صافرة النهاية، سيخلع حذاءه، ويخلع قميصه، ويترك الملعب ليعود إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء…
مقاعد الجماهير، لكن هذه المرة، لن يكون ذلك الفتى الذي يجلس منتظرًا فرصته.
سيكون الرجل الذي أعطى الأرجنتين كأس العالم، وترك خلفه حكاية لن تحتاج إلى «ماذا لو؟» كي تكون عظيمة، لأن بعض القصص… الواقع فيها أجمل من كل الاحتمالات..
.png)