بابلو أيمار.. أسطورة ميسي التي لم ينصفها التاريخ

بابلو أيمار.. أسطورة ميسي التي لم ينصفها التاريخ

« من هو اللاعب الذي ألهم ليونيل ميسي وكان قدوته الأولى في كرة القدم؟ اكتشف القصة الكاملة لـ بابلو أيمار، ساحر فالنسيا والأرجنتين، ولماذا عاش في الظل!»

قبل أن ينبهر العالم بلكمات ليونيل ميسي السحرية ومراوغاته الخيالية، وقبل أن تتزين جدران غرف الأطفال بصور "البولغا"، كان هناك فتى أرجنتيني آخر يمتلك خفةً ورؤيةً تجعل المدافعين يتساقطون أرضاً دون أن يلمسهم، لاعبٌ كانت كرته تُشبه المعزوفة الموسيقية؛ يركض بخفة الغزال، ويُموّه بجسده فيترك خلفه أعتى المدافعين في حيرةٍ وذهول.

لعب لفالنسيا، وكان أحد أبرز وجوه الفريق الذي صعد إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، وانتزع لقب الليغا من ريال مدريد وبرشلونة مرتين، ثم ارتدى قميص بنفيكا، ومثّل الأرجنتين في كأس العالم، تاركًا خلفه مسيرة لم تكن عادية بأي حال.

قبل أن يصبح ليونيل ميسي اللاعب الافضل في التاريخ، كان يعتبره قدوته الكروية الأولى.

وهنا تبدأ المفارقة التاريخية المؤلمة: كيف للاعب يمتلك كل هذه العبقرية التكتيكية، وكان مصدر إلهام لأعظم من لمس الكرة، ترك بصماته الذهبية في أعرق أندية أوروبا، أن ينتهي به المطاف بعيداً عن المكانة الجماهيرية التي يستحقها، ليعيش كـ "أسطورة ظل" في الذاكرة الكروية؟

إنه بابلو أيمار، ولنتعرف عليه اليوم كما يليق به أن يعرفه الجيل الحالي!

الطفل الذي غادر بيته من أجل الحلم

وُلد في ريو كوارتو، في مقاطعة قرطبة الأرجنتينية، ونشأ بعيدًا عن ضجيج العاصمة بوينس آيرس، كانت كرة القدم بالنسبة إليه شغفًا مبكرًا، لكن الموهبة التي ظهرت في بلدته لم تكن لتبقى هناك طويلًا، عندما كان في الرابعة عشرة، جاءت فرصة الانضمام إلى مدرسة ريفر بليت، أحد أكبر الأندية في الأرجنتين.

كان ذلك النوع من الفرص الذي تحلم به عائلات كثيرة، لكنه لم يكن انتقالًا سهلًا على فتى في عمره، مغادرة بلدته تعني الابتعاد عن البيت والأصدقاء والحياة التي يعرفها، والانتقال إلى بيئة جديدة لا تمنح أحدًا ضمانات بالنجاح، لم يكن أيمار سوي طفلًا عليه أن يثبت أن كل تلك التضحية تستحق.

في بوينس آيرس، بدأ يتعلم أن الموهبة ليست سوى البداية، هناك لاعبون موهوبون كثيرون، لكن الوصول إلى الفريق الأول يحتاج إلى الصبر والعمل والقدرة على تحمل الضغوط، ومع ذلك، كان أيمار يملك شيئًا يصعب تدريسه: شعورًا طبيعيًا بالكرة، ورغبة في اللعب بطريقة تمنحه المتعة قبل أي شيء آخر.

لكنه نجح في الوصول إلى الفريق الأول لريفـر، وبدأ اسمه ينتشر بين جماهير النادي، قبل أن يتحول إلى واحد من أكثر صانعي اللعب إثارة في الكرة الأرجنتينية.

لعب بالطريقة التي يحبها: يطلب الكرة، يتحرك بين الخطوط، ويبحث عن التمريرة التي لا يراها الآخرون، وفي فريق يملك تاريخًا طويلًا مع صانعي اللعب، بدأ الجمهور يتعامل معه باعتباره امتدادًا لتقاليد النادي الهجومية.

لم يكن وحده في المشهد؛ فقد لعب إلى جوار مواهب بارزة، من بينها خافيير سافيولا، وشكّلا معًا ثنائيًا لافتًا في مرحلة كان ريفر خلالها قادرًا على تقديم كرة هجومية ممتعة، ساعدته هذه التجربة على الانتقال من موهبة واعدة إلى لاعب قادر على قيادة اللعب في فريق كبير.

وبعدما صنع لنفسه مكانًا في الأرجنتين، جاء الاختبار الأوروبي، لم يكن الانتقال إلى إسبانيا مجرد خطوة مالية أو فرصة للعب في دوري أكبر؛ كان عليه أن يثبت أن أسلوبه قادر على النجاح في كرة مختلفة، أمام مدافعين أكثر تنظيمًا وفرق لا تمنحه المساحة نفسها التي اعتادها.

من ريفر بليت إلى أوروبا… ثم العودة إلى البداية

فالنسيا،، المكان الذي فهم موهبته

في يناير 2001، وصل أيمار إلى مدينة فالنسيا بعقد مدته سبع سنوات وثمن 24 مليون يورو، كانت الأعلى في تاريخ النادي آنذاك، ثقيلة على كتف شاب في الحادية والعشرين من عمره.

تحت قيادة هيكتور كوبر، وجد نفسه في فريق منظم لا يعتمد على الاستحواذ الدائم، بل يعرف كيف ينافس خصومًا يملكون أسماء وميزانيات أكبر.

كان هذا تحديًا مهمًا لأيمار، ففي ريفر بليت، اعتاد فريقه الاحتفاظ بالكرة وفرض إيقاعه، أما في فالنسيا فكان عليه أن يتعلم متى يحتفظ بالكرة، ومتى يمررها سريعًا، وكيف يصنع الفارق حتى عندما لا يسيطر فريقه على المباراة، وصل فالنسيا إلى نهائي دوري أبطال أوروبا أمام بايرن ميونخ، وخسر بركلات الترجيح، كانت خسارة قاسية لفريق اقترب من المجد الأوروبي، لكنها لم تكن نهاية الحكاية.

مع وصول رافائيل بينيتيز، أصبح فالنسيا أكثر نضجًا في إدارة المباريات، وتحول أيمار إلى أحد أهم عناصره الهجومية، لم يكن مطلوبًا منه أن يفعل كل شيء وحده؛ كانت قوته في قدرته على الربط بين خطوط الفريق، وتحويل استعادة الكرة إلى هجمة خطرة، ومنح المهاجمين التمريرات التي يحتاجون إليها.

وجاءت الثمار، فاز فالنسيا بالدوري الإسباني، ثم عاد إلى القمة المحلية مرة أخرى، وتوّج بكأس الاتحاد الأوروبي، لم تكن تلك الإنجازات نتيجة لاعب واحد، لكن أيمار كان أحد الوجوه التي منحت الفريق لمسته الفنية، في تلك الفترة، كان من السهل تخيل أن النجم الأرجنتيني سيبقى في قمة اللعبة لسنوات طويلة. 

كان يمتلك المهارة، ويلعب في فريق ينافس على أكبر البطولات، ويحظى بتقدير المدربين والجماهير.

لكن الإصابات بدأت تتدخل، وأصبحت استمراريته مشكلة متكررة.

ريال سرقسطة،، حين بدأت الرحلة تصبح أصعب

غادر أيمار فالنسيا إلى ريال سرقسطة، باحثًا عن فصل جديد في مسيرته، لم تكن تلك الخطوة انتقالًا إلى نادٍ قادر على المنافسة على كل الألقاب، لكنها منحته فرصة مواصلة اللعب في إسبانيا، مع فريق يحتاج إلى خبرته وإبداعه.

غير أن جسده لم يعد يمنحه الراحة التي يحتاج إليها لاعب يعتمد على الحركة والسرعة في اتخاذ القرار، الإصابات أثرت في مشاركاته، وأصبح من الصعب أن يحافظ على النسق الذي عرفه جمهور فالنسيا. 

لم يفقد أيمار موهبته فجأة؛ كانت المشكلة أن الموهبة لم تعد تظهر بالقدر نفسه من الانتظام، وهذه من أقسى المفارقات في كرة القدم: قد يبقى اللاعب قادرًا على تقديم لمسات رائعة، لكنه لا يستطيع بناء موسم كامل حولها.

بنفيكا،، بداية هادئة لفصل جديد

في البرتغال، انضم أيمار إلى بنفيكا، حيث وجد بيئة جديدة وفرصة لاستعادة مكانته، لعب إلى جانب أسماء بارزة، وأسهم في نجاحات الفريق المحلية، لكنه لم يعد اللاعب الشاب الذي وصل إلى إسبانيا وهو يتطلع إلى السيطرة على المباريات.

كان أكثر خبرة، وأكثر إدراكًا لما يستطيع تقديمه، لكنه كان أيضًا أكثر عرضة للمشكلات البدنية، وفي بنفيكا، أصبحت قصته أقرب إلى محاولة الحفاظ على متعة اللعب، بدلًا من مطاردة المكانة التي كان يتوقعها الناس منه في بداية مسيرته الأوروبية.

نهاية الحكاية 

ثم انتقل إلى ماليزيا، حيث لعب مع جوهر دار التعظيم، قبل أن يعود إلى ريفر بليت في محاولة قصيرة للعودة إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية، لم تستمر العودة طويلًا؛ فقد عانى من الإصابة، ولم يتمكن من استعادة الاستمرارية التي يحتاج إليها.

وفي نهاية المطاف، عاد إلى بلدته وفريقه الأول، إستوديانتيس دي ريو كوارتو، ليظهر مجددًا على أرض الملعب قبل أن يضع حدًا لمسيرته كلاعب.

لماذا أيمار أسطورة ظل؟

لا تكمن قصة أيمار في أنه لاعب مجهول، أو أن مسيرته كانت خالية من الإنجازات، لقد فاز بالدوري الإسباني مرتين، ورفع كأس الاتحاد الأوروبي، وترك بصمة واضحة في ريفر بليت وفالنسيا وبنفيكا، كما كان جزءًا من جيل أرجنتيني موهوب على مستوى الشباب والمنتخب الأول.

لكن هناك فرقًا بين أن يملك اللاعب سيرة ناجحة، وأن يحتل مكانة تتناسب مع الموهبة التي أظهرها.

أيمار كان من اللاعبين الذين يجعلون كرة القدم جميلة حتى عندما لا يسجلون، تمريراته ومراوغاته وقدرته على رؤية المساحات منحته تقديرًا كبيرًا لدى من شاهدوه عن قرب، لكن هذه الصفات لا تتحول دائمًا إلى أرقام أو جوائز فردية يسهل استدعاؤها بعد سنوات.

ثم جاءت الإصابات، وأبعدته عن الاستمرارية في وقت كان يمكنه فيه أن يثبت نفسه بين أفضل صانعي اللعب في أوروبا، وفي الوقت نفسه، لعب في عصر مزدحم بالنجوم؛ من ريكيلمي وأورتيغا في الأرجنتين إلى زيدان ورونالدينيو وغيرهما في أوروبا، كان أيمار فنانًا، لكن كرة القدم لا تمنح كل الفنانين المكان نفسه في كتب التاريخ.

والأهم أنه لم يفز مع المنتخب الأرجنتيني الأول باللقب الكبير الذي يجعل اسمه حاضرًا تلقائيًا في ذاكرة الجماهير، شارك في بطولات كبرى، ووصل إلى نهائيات مع المنتخب، لكنه لم يعش لحظة التتويج العالمي التي ستمنح قصته خاتمة مختلفة.

ومع ذلك، ربما تكون الحكاية الأجمل هي أن إرثه لم يتوقف عند ما فاز به أو خسره، فهناك لاعب وصل إلى قمة كرة القدم العالمية، وكان أيمار جزءًا من أحلامه الأولى، ميسي لم يحتج إلى لقب يربطه به كي يعترف بتأثيره؛ لقد فعل ذلك لأنه رأى في لعبه شيئًا أحب أن يتعلمه ويقلده.

وهنا تكمن قيمة أيمار في سلسلة «أساطير الظل»، ليس لأنه نُسي تمامًا، ولا لأنه لم يحقق شيئًا، بل لأن الصورة التي بقيت عنه أصغر من الحكاية التي عاشها، نتذكر أحيانًا أن ميسي كان معجبًا به، ثم ننتقل سريعًا إلى الحديث عن ميسي نفسه، وننسى أن وراء ذلك الإعجاب لاعبًا صنع لنفسه مسيرة تستحق أن تُروى من البداية إلى النهاية.

قد لا يكون بابلو أيمار اللاعب الذي غيّر تاريخ كرة القدم، لكنه كان واحدًا من أولئك الذين جعلوا الكثير يقع في حبها، بابلو أيمار،، أسطورة ظل، لم يصل إلى كل ما حلم به، لكنه ترك في كرة القدم شيئًا لا تقيسه الكؤوس.





تعليقات