ثلاثية أياكس،، كيف تعلّمت كرة القدم أن تتحرك؟

ثلاثية أياكس،، كيف تعلّمت كرة القدم أن تتحرك؟

«اكتشف حكاية ثلاثية أياكس التاريخية (1971-1973) بقيادة كرويف وميتشيلز، كيف دمرت "الكرة الشاملة" عمالقة إيطاليا؟ وسر النهاية الحزينة في أمستردام»

عندما تحول الميدان إلى مسرح وفقدت الكاتيناتشو عقلها!

في الخمسينيات كان ريال مدريد يفرض سطوته على أوروبا بمهارة دي ستيفانو وعبقرية بوشكاش، وفي الستينيات جاءت ميلانو لتغيّر قواعد الصراع؛ أقفال الكاتيناتشو، دفاع لا يترك مساحة، وهجمات خاطفة تعاقب كل من يجرؤ على الاقتراب.

لكن كرة القدم لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة.

من هولندا وتحديدًا من أمستردام، جاء أياكس بفكرة بدت وكأنها تقلب كل ما عرفته اللعبة رأسًا على عقب، لم يعد اللاعب أسير مركزه، ولم تعد المساحة مجرد فراغ بين المدافعين، بل أصبحت سلاحًا يمكن خلقه وانتزاعه واستغلاله، يتحرك لاعب فيفتح الطريق لآخر؛ يتقدم المدافع، فيصبح جزءًا من الهجوم؛ وحين تضيع الكرة، يتحول الفريق كله إلى قوة تضغط لاستعادتها قبل أن يلتقط الخصم أنفاسه.

لم تكن المسألة مجرد كرة جميلة أو تمريرات متقنة، بل منظومة أرادت أن تتحكم في المباراة من دون أن تتقيد بمواقع ثابتة ومع رينوس ميتشيلز ويوهان كرويف الذي منح الفكرة روحها داخل الملعب، ثم ستيفان كوفاتش الذي قاد الفريق إلى مواصلة المجد بعد رحيل ميتشيلز، بدأ أياكس رحلة ستنتهي بثلاثة ألقاب أوروبية متتالية.

كيف نشأت هذه الفكرة؟ ومن صنع ملامحها قبل أن تتحول إلى ثورة كروية؟ وكيف استطاع أياكس أن يهزم كبار أوروبا، ثم يحافظ على عرشه؟

مرحبًا بكم في جزء جديد من رحلتنا عبر تاريخ دوري أبطال أوروبا، على «صافرة المساحات»؛ حيث لا نحكي من رفع الكأس فحسب، بل نكشف كيف تغيّرت كرة القدم في الطريق إليها.

 أياكس الذي لم يكن أياكس بعد 

لم تبسط "الكرة الشاملة" سيادتها على القارة بين ليلة وضحاها، ولم تكن صاعقةً فكرية هبطت فجأة في رأس رينوس ميتشيلز؛ بل كانت نتاج تطورٍ ببطء وتراكمٍ تاريخي داخل أروقة نادٍ كان يصارع حتى يجد هوية ثابتة في أوروبا.

من أهم الأسماء في هذه الحكاية الإنجليزي جاك رينولدز، الذي ارتبط بأياكس على مدار عقود، خلال فترات تدريبه المتعددة بين عامي 1915 و1947، لم يترك رينولدز وراءه مجرد ألقاب محلية؛ بل ساهم في ترسيخ ثقافة تدريبية تهتم بتطوير اللاعب وفهمه للعبة، بدل الاكتفاء بتلقينه ما ينبغي أن يفعله في كل لحظة.

ثم جاء فيك باكنغهام، المدرب الإنجليزي الذي تولى قيادة أياكس في أواخر الخمسينيات، وعاد إليه في منتصف الستينيات، ارتبط اسمه بالتشجيع على كرة أكثر تحررًا واهتمامًا بالاستحواذ والحركة.

حتي جاءت اللحظة التي غيرت كرة القدم.

رينوس ميتشيلز: "الجنرال" الذي أعاد صياغة المفهوم

في عام 1965، تولى ميتشيلز تدريب الفريق الأول، لم يكن أياكس وقتها القوة التي ستفرض نفسها على أوروبا بعد سنوات قليلة؛ فقد مرّ بفترات صعبة محليًا، وكانت أمامه مهمة تتجاوز تحسين النتائج: بناء فريق يستطيع المنافسة باستمرار، لا فريق يلمع في موسم ثم يتراجع.

امتلك النادي عناصر مهمة، لكن تحويل المواهب إلى فريق متماسك كان تحديًا مختلفًا، احتاج ميتشيلز إلى جعل هذه المواهب تعمل وفق فكرة واحدة، فالفريق الذي يضم لاعبين موهوبين لا يصبح عظيمًا تلقائيًا؛ إذ يمكن أن تتحول المهارة الفردية إلى مجموعة من الحلول المنفصلة، ويصبح كل لاعب منشغلًا بما يستطيع فعله وحده، أما التحدي الحقيقي فكان أن يعرف كل لاعب كيف يؤثر تحركه في حركة زملائه، وكيف يمكن لقرار فردي أن يفتح مساحة للفريق كله.

ميتشيلز حوّل حرية الفرد إلى نظام جماعي لا يرحم، فرض حصصاً تدريبية قاسية لرفع اللياقة البدنية إلى مستويات غير مسبوقة؛ لأنه أدرك قبل غيره أن الفكرة لن تنجح إلا إذا كان الفريق يمتلك رئتين تسمحان له بالركض خلف الفريق الأخر لـ 90 دقيقة.

كان المبدأ التكتيكي الأساسي لدى "الجنرال" يرتكز على هندسة الفراغ: "إذا تحركتَ أنتَ من موقعك، فهذا ليس تمرداً، بل هو إشارة آلية لزميلك لكي يشغل المساحة التي تركتها خلفك"، أخرج ميتشيلز اللاعبين من قوقعة المراكز الكلاسيكية القديمة، ورسخ في أذهانهم أن الملعب قطعة شطرنج حية تتمدد وتقلص بحسب مكان الكرة.

لم يكن الطريق مستقيمًا، ولم تظهر المنظومة كاملة في يوم واحد، لكن أياكس كان يقترب من اللحظة التي تتوقف فيها الأفكار عن كونها تجارب متفرقة، وتصبح أسلوبًا يستطيع اللاعبون تنفيذه تحت ضغط المنافسة الأوروبية.

وبحلول نهاية الستينيات، بدأت النتائج تكشف حجم التحول، بلغ أياكس نهائي كأس أوروبا عام 1969، وإن خسر أمام ميلان، ثم وصل إلى مرحلة جديدة من النضج.

  الثلاثية التاريخية للكرة الشاملة
1971

دخل أياكس هذه النسخة بعقيدة هجومية مرعبة، حيث سجل 17 هدفاً في 9 مباريات فقط، وخرج بشباك نظيفة في خمس منها، كانت الأرقام تعكس فريقًا يجمع بين القدرة على صناعة الفرص والتحكم في المباريات، لكن لحظة التحول الحقيقية جاءت في نصف النهائي أمام أتلتيكو مدريد، الفريق الذي مثّل نموذجًا مختلفًا تمامًا في التعامل مع المساحات.

خسر أياكس ذهابًا في مدريد بهدف دون رد، وكان عليه أن يواجه خصمًا يجيد إغلاق الطرق إلى مرماه، لكن مباراة العودة في أمستردام كشفت الفارق بين فريق يحاول حماية تقدمه، وفريق يعرف كيف يعيد تشكيل المباراة سجل بيت كايزر أولًا، ثم أضاف فيم سوربير ويوهان نيسكينز هدفين آخرين، لينتهي اللقاء بثلاثية نظيفة، ويعبر أياكس إلى النهائي بنتيجة 3-1 في مجموع المباراتين.

وفي النهائي على ملعب "ويمبلي" أمام باناثينايكوس اليوناني (بقيادة الأسطورة فيرينك بوشكاش)، ضرب أياكس بهدف مبكر للهولندي ديك فان دياك، ثم حسم أري هان اللقب بهدف ثاني (2-0)، ليعلن أياكس نفسه ملكاً جديداً للقارة بعد صدمة خسران نهائي 1969.

صعد فيليبور فاسوفيتش درجات المنصة الملكية في ويمبلي، كان جسده قد أعطى كل ما لديه، الرجل اليوغوسلافي الذي قاد أياكس كابتناً طوال رحلة البطولة، رفع الكأس أمام 83 ألف مشجع  ثم وضعها، وأعلن اعتزاله من كرة القدم مباشرةً في نفس الليلة كأنه جاء فقط من أجل تلك اللحظة.

1972

بعد التتويج، غادر رينوس ميتشيلز لتدريب برشلونة، وكان السؤال الطبيعي: هل يستطيع أياكس الحفاظ على هويته بعدما رحل الرجل الذي ارتبط اسمه ببنائها؟ لم يكن شتيفان كوفاتش نسخة من سلفه؛ فقد تولى المدرب الروماني المهمة، ووجد أمامه فريقًا يعرف كيف يلعب، لكنه احتاج إلى إثبات أن نجاحه لا يعتمد على وجود شخص واحد على الخط الجانبي.

بدأ أياكس مشواره الأوروبي الجديد أمام دينامو دريسدن، ثم تجاوز مارسيليا، وأرسنال، وبنفيكا في طريقه إلى النهائي، واللافت أن الفريق لم يحتج إلى التضحية بفاعليته الهجومية كي يصبح أكثر صلابة: استقبلت شباكه ثلاثة أهداف فقط طوال البطولة، بينما واصل صناعة الفرص بفضل حركة لاعبيه وتبادل أدوارهم، كانت هذه النسخة أكثر من مجرد استمرار للنجاح؛ فقد أظهرت أن التنظيم الجماعي يمكن أن يحافظ على توازنه حتى مع تغير المدرب.

وفي النهائي، واجه أياكس إنتر ميلان في ملعب دي كويب بمدينة روتردام، في مواجهة حملت معنى يتجاوز اللقب فمن جهة كان هناك فريق إيطالي ارتبط اسمه بالكاتيناتشو، وبالدفاع المنظم الذي يصعب اختراقه؛ ومن جهة أخرى، كان أياكس الذي جعل الحركة الجماعية وسيلة لخلخلة هذا النوع من التنظيم، انتهى الشوط الأول دون أهداف، لكن بعد دقيقتين فقط من بداية الثاني، استقبل يوهان كرويف الكرة وسجل الهدف الأول، وفي الدقيقة 78، عاد ليسجل الثاني، ليحسم المباراة بنتيجة 2-0.

ويُعلن رسمياً وفاة الكاتيناتشو الإيطالية!

1973

في الموسم الثالث لم يعد أياكس الفريق الذي يحاول إثبات نفسه لأوروبا، لقد أصبح حامل اللقب مرتين، والخصم الذي يريد الجميع إسقاطه.

أراد كوفاتش أن يتجنب الأضواء وأن يأخذ الكأس بأقل ضجيج ممكن، لكن القرعة لم تُعطه هذا الخيار، افتتح أياكس حملة الدفاع عن لقبه بإقصاء باناثينايكوس (طرف نهائي 1971)، ثم تجاوز سسكا صوفيا في الدور الثاني.

ثم جاء الاختبار الكبير أمام بايرن ميونخ في ربع النهائي، كان الفريق الألماني في طريقه إلى بناء قوته الأوروبية، ويضم أسماء بارزة مثل فرانز بيكنباور وغيرد مولر، لكن مباراة الذهاب في أمستردام تحولت إلى عرض هولندي استثنائي؛ فاز أياكس 4-0، لم يكن الفوز مجرد أفضلية مريحة قبل مباراة العودة، بل رسالة بأن الفريق لا يزال قادرًا على فرض سيطرته أمام خصوم من أعلى مستوى، خسر أياكس لقاء العودة 2-1، لكنه تأهل بمجموع 5-2.

بعد بايرن جاء ريال مدريد في نصف النهائي؛ فاز أياكس ذهابًا في أمستردام 2-1، بهدفين من باري هولشوف ورود كرول، لكن هدف بيرّي في الدقيقة 84 أبقى ريال مدريد داخل المواجهة، كان الفارق هدفًا واحدًا، وأصبحت مباراة العودة في سانتياغو برنابيو امتحانًا لأعصاب أياكس بقدر ما كانت امتحانًا لأسلوبه. 

هناك، لم يكتفِ أياكس بالدفاع عن تقدمه، سجل غيري مورين في الدقيقة 50، وفاز الفريق 1-0، ليخرج منتصرًا 3-1 في مجموع المباراتين.

وصل أياكس إلى النهائي في بلغراد يوم 30 مايو 1973، ليواجه يوفنتوس، الذي كان يبلغ نهائي كأس أوروبا للمرة الأولى في تاريخه، ولم يحتج الهولنديون سوى 5 دقائق كي يسجلوا هدف المباراة الوحيد؛ فقد هز جون ريب الشباك مبكرًا، مانحًا أياكس أفضلية استطاع الحفاظ عليها حتى النهاية.

انتهى النهائي 1-0، وأحرز النادي كأس أوروبا للمرة الثالثة على التوالي، ليصبح أول فريق يكرر إنجاز ريال مدريد في الخمسينيات، لكن الفوز قوبل في أمستردام بشيء غير متوقع: جمهور أياكس لم يحتفل بحماس، الجميع كان يعرف أن كرويف سيرحل إلى برشلونة.

وأن هذا الكأس هو الوداع!

خاتمة: أوروبا لا تعرف ملكًا أبديًا

لعل أجمل ما في تاريخ كأس أوروبا حتي اليوم أن أحدًا لا يستطيع الاحتفاظ بالعرش إلى الأبد، تتغير اللعبة، وتتبدل الأفكار، ويظهر فريق يظن الجميع أنه وجد الوصفة النهائية للفوز، قبل أن يأتي من يعيد كتابة القواعد من جديد.

بدأت الحكاية بهيمنة ريال مدريد في الخمسينيات، حين اجتمعت المهارة والعبقرية الفردية لتصنع مجدًا أوروبيًا غير مسبوق، ثم جاءت الستينيات وفرضت الأندية الإيطالية بقيادة ميلان وإنتر منطقًا مختلفًا؛ دفاع محكم، وانضباط تكتيكي، وهجمات خاطفة جعلت الوصول إلى مرماها مهمة شاقة.

حتي ظهر أياكس في السبعينيات ليقلب المعادلة، ويثبت أن الحركة الجماعية والضغط وتبادل المواقع يمكن أن تتحول من أفكار جريئة إلى طريق نحو المجد.

وبعد الهولنديين، انتقلت الراية إلى ألمانيا، فرض بايرن ميونخ هيمنته بثلاثة ألقاب متتالية، بقيادة فرانز بيكنباور وغيرد مولر، ليؤكد أن لكل عصر أبطاله، ولكل بطل طريقته الخاصة في السيطرة.

ثم جاء الدور الإنجليزي، لتبدأ مرحلة جديدة من الحكاية، بأنديتها وشخصيتها الكروية وأحلامها الأوروبية،
وهكذا، لم تكن كأس أوروبا مجرد بطولة يتنافس فيها الكبار على الكأس؛ كانت مرآة لتطور كرة القدم نفسها، كل حقبة ورثت ما قبلها، ثم أضافت إليه أو تمردت عليه، حتى أصبحت اللعبة التي نعرفها اليوم حصيلة صراع طويل بين أفكار لا تتوقف عن التغير.

في الجزء القادم من رحلتنا على «صافرة المساحات»، نصل إلى سنوات الهيمنة الإنجليزية؛ حين صعدت أندية إنجلترا إلى قمة أوروبا، وبدأ فصل جديد في الصراع على عرش القارة.

فمن يسيطر على أوروبا اليوم، قد يجد غدًا من يغيّر شكل اللعبة كلها!





 






تعليقات