حين نتذكر بايرن ميونخ في السبعينيات، تتقدم إلى الواجهة أسماء صنعت مجد النادي؛ فرانتس بيكنباور، أحد أعظم المدافعين في تاريخ كرة القدم، وغيرد مولر، الهداف الذي بدا وكأنه يعرف طريق الشباك أكثر مما يعرفه حراس المرمى.
لكن خلف هذين الاسمين، وخلف ثلاثية كأس أوروبا المتتالية بين 1974 و1976، كانت هناك أسماء أخرى ساهمت في صناعة المجد، ولم تنل من ذاكرة الجماهير ما نالته نجوم الصف الأول.
أحد هؤلاء كان فرانتس روث، الملقب بـ«الثور»، لاعب وسط بدأت رحلته من ملاعب كرة القدم الإقليمية، قبل أن يصبح جزءًا أساسيًا من الجيل الذهبي لبايرن، كانت مهمته أن يطارد المنافسين، ويخوض المعارك التي لا تظهر دائمًا في عناوين الصحف؛ لكنه امتلك أيضًا تسديدة حاسمة جعلته يسجل في ثلاثة نهائيات أوروبية، بينها هدفان في طريق بايرن إلى الاحتفاظ بكأس أوروبا عامي 1975 و1976.
لم يكن روث النجم الذي بُنيت حوله الحكاية، لكنه كان أحد الرجال الذين ساهموا في كتابتها؛ لاعبًا ترك بصمته في لحظات صنعت تاريخ بايرن، بينما بقي اسمه بعيدًا عن الأضواء التي أحاطت بزملائه.
مكالمة بايرن التي ظنها روث مزحة
«فرانتس روث معك، هل تسخر مني؟»
لم يكن هذا سؤالًا عابرًا، بل ردّ شاب لم يستوعب أن الصوت القادم عبر الهاتف ينتمي إلى روبرت شوان، مدير بايرن ميونخ، وأن الرجل الذي يتحدث معه لا يمزح حين يعرض عليه الانضمام إلى النادي البافاري.
في ظهيرة أحد أيام مايو عام 1966، كان روث يعمل في مزرعة أسرته بقرية هاوزن، قرب ماركت أوبردورف، كان يقود جرارًا عائدًا من الحقل، محمّلًا بالعشب الذي سيقدمه طعامًا لأبقار المزرعة، حين جاءت والدته تناديه: هناك رجل يُدعى شوان يقول أنه المدير الرياضي لبايرن ميونخ ويريد التحدث إليك، توقف روث لحظة أمام الخبر.
مدير بايرن شخصيًا؟ ولماذا يتصل به؟ بدا الأمر أقرب إلى مزحة ثقيلة أو خطأ في الاتصال، حتى إنه رفع سماعة الهاتف وهو مقتنع بأن الطرف الآخر لن يكون جادًا، لكن الصوت عرّف نفسه بوضوح: روبرت شوان، مدير بايرن ميونخ، فجاء الرد الذي لخّص دهشة الشاب: «هل تسخر مني؟»
أخبره أن كشّافي النادي تابعوه، وأن بايرن يريد ضمّه إلى صفوفه، والأكثر غرابة بالنسبة إلى روث أن العرض لم يكن دعوة إلى تجربة أداء، ولا وعدًا غامضًا بفرصة مستقبلية؛ بل عقد احتراف حقيقي، براتب شهري يبلغ 900 مارك ألماني، إلى جانب مكافآت مرتبطة بالمشاركة في المباريات.
وضع روث سماعة الهاتف، وأخبر والديه وإخوته بما حدث، فقد نشأ وسط أسرة كبيرة، وكان يساعد في العمل بالمزرعة إلى جانب لعب كرة القدم؛ والآن صار أمامه قرار يعني الابتعاد عن حياته المألوفة، وترك جزء من مسؤولياته العائلية، والمراهنة على مستقبل لم يكن يجرؤ قبل دقائق على تصديقه، وبعد حديث عائلي، اتفق الجميع على أنه لا ينبغي أن يضيّع فرصة كهذه.
هكذا بدأت رحلة فرانتس روث مع بايرن ميونخ: لا في ملعب ممتلئ بالجماهير، ولا تحت أضواء مباراة كبرى، بل بمكالمة هاتفية كاد أن يظنها مزحة.
رحلة "الثور": من شغف البافاري إلى تدمير حصون أوروبا
لم تكن مسيرة فرانتس روث كروية بالمعنى التقليدي المحاط بالاستعراض والرفاهية، بل كانت ملحمة من الجهد الصلب، والانضباط التكتيكي، والقدرة المدهشة على كسر الجمود في اللحظات التاريخية المظلمة.
وُلد فرانتس روث في 27 أبريل 1946 بمدينة ممينغن، في منطقة ألغوي جنوب ألمانيا، ونشأ في بيئة ريفية ارتبطت فيها حياته بالعمل في مزرعة الأسرة بقدر ارتباطها بكرة القدم، لم يكن طريقه إلى الاحتراف يمر عبر أكاديمية أحد عمالقة الكرة الألمانية؛ فقد بدأ خطواته الأولى مع فريق TSV Bertoldshofen، قبل أن ينتقل عام 1964 إلى سبفغ كوفبورن، حيث بدأ اسمه يلفت الانتباه خارج حدود منطقته.
هناك، لم يكن روث اللاعب الأكثر أناقة أو صاحب المهارات التي تخطف أنظار الجماهير من اللمسة الأولى، لكنه امتلك صفات يصعب تجاهلها: القوة البدنية، والسرعة في الالتحامات، والتسديدات القوية، والاستعداد لخوض المعارك التي يتجنبها آخرون.
وفي مايو 1966، جاء الاتصال الذي نقل حياته إلى مستوى آخر؛ الانتقال الي بايرن ميونخ.
وصل روث إلى ميونخ، وهو في العشرين من عمره، ليبدأ مسيرة امتدت 12 عامًا بقميص بايرن، وفي معسكر إعداد بايرن ميونخ، قدّم المدرب اليوغوسلافي زلاتكو تشايكوفسكي لاعبه الجديد، واصفًا إياه بأنه يمتلك قوة هائلة، بقوله: «لديه قوة مثل الـMuh»، تدخل الحارس سيب ماير مصححًا له: «في بافاريا نسميه Bulle»، أي الثور.
ومنذ تلك اللحظة، التصق اللقب بروث طوال مسيرته، حتى أصبح اسمه يُعرف في عالم كرة القدم بـ«الثور روث»
من لاعب شاب إلى بطل أوروبا
لم يحتج روث إلى سنوات طويلة كي يترك بصمته، ففي موسمه الأول، 1966–1967، شارك في صعود بايرن إلى منصة التتويج القاري، بعدما فاز الفريق بكأس ألمانيا ثم كأس الكؤوس الأوروبية، وفي نهائي البطولة الأوروبية، واجه بايرن فريق غلاسكو رينجرز الاسكتلندي في نورمبرغ يوم 31 مايو 1967.
انتهى الوقت الأصلي بالتعادل السلبي، واستمر الصراع حتى الوقت الإضافي، حين سجل روث هدف المباراة الوحيد في الدقيقة 109، مانحًا بايرن أول لقب أوروبي في تاريخه.
وفي عام 1969، جاءت محطة جديدة عندما تُوّج بايرن ببطولة الدوري الألماني للمرة الأولى في عهد البوندسليغا، جامعًا اللقب مع كأس ألمانيا، كان ذلك الفريق يضم فرانتس بيكنباور وغيرد مولر وسيب ماير، وهي أسماء ستتصدر لاحقًا رواية العصر الذهبي، لكن روث كان جزءًا من المجموعة التي منحت النادي أساسًا قويًا للمنافسة محليًا وأوروبيًا.
مع دخول السبعينيات وتولي المدرب الأسطوري أودو لاتيك، تحول بايرن ميونخ إلى ماكينة لا تتوقف عن التتويج المحلي حقق روث مع البايرن لقب الدوري الألماني (البوندسليغا) 3 مرات (1972، 1973، 1974)، إلى جانب كأس ألمانيا موسم 1971.
سنوات الهيمنة الألمانية علي بطولة أوروبا
لم تكن الثلاثية التاريخية لبايرن ميونخ في كأس أوروبا للأندية البطلة (دوري أبطال أوروبا حالياً) مجرد هيمنة ألمانية على عرش القارة، بل كانت معزوفة كروية عُزفت أرواح لاعبيها في الميدان، ثلاثة مواسم، وثلاثة ألقاب لكأس أوروبا، وثلاثة فصول مختلفة في مسيرة «الثور» كان هو يعمل في الصمت، كالجندي الذي يضع الأحجار الأساسية لكل تتويج.
1974
لم يبدأ بايرن رحلته نحو أول كأس أوروبية في تاريخه باعتباره فريقًا لا يُقهر، ففي الدور الأول، اصطدم بأوتفيلدابيرغ السويدي، وفاز في المانيا 3-1 قبل أن يخسر مباراة الأياب بالنتيجة ذاتها، احتاج الفريق إلى ركلات الترجيح كي يواصل طريقه.
قبل أن يصطدام بمواجهة شرسة في ثمن النهائي ضد دينامو دريسدن؛ فالفريقان ينتميان إلى بلد واحد، لكنهما يمثلان واقعين سياسيين مختلفين في ألمانيا المنقسمة آنذاك، حيث حقق البايرن فوزاً قيصرياً بمجموع المباراتين (4-3 ذهاباً ثم تعادل درامي 3-3 إياباً)
لم تكن تلك المباريات تُحسم بالهدوء وحده، كان على لاعبي بايرن أن يتعاملوا مع منافس قادر على معاقبتهم كلما ارتكبوا خطأ، وأن يحافظوا على توازنهم رغم تبادل الأهداف، وفي مثل هذه المواجهات، تظهر قيمة لاعبي الوسط الذين يوازنون بين حماية الفريق ومساندة الهجوم؛ وهو الدور الذي أدّاه روث داخل مجموعة امتلكت أسماء هجومية قادرة على صنع الفارق.
بعد ذلك، تجاوز بايرن سسكا صوفيا بمجموع 5–3، قبل أن يواجه أويبست المجري في نصف النهائي، انتهت مباراة الذهاب بالتعادل 1–1، لكن الفريق الألماني حسم الإياب في ميونخ بثلاثية نظيفة، ليبلغ النهائي للمرة الأولى في تاريخه.
في 15 مايو 1974 وعلى ملعب هيسل، واجه البايرن أتلتيكو مدريد الشرس، انتهت المباراة بالتعادل 1-1 بعد وقت إضافي قاتل، لتُعاد المباراة بعد يومين فقط، هناك، اكتسح البايرن الفريق الإسباني بأربعة أهداف نظيفة!
حصد البايرن كأسه الأولى، ووُضعت القدم الأولى لروث على سلم خلود السبعينيات.
1975
دخل بايرن نسخة 1974–1975 بصفته حامل اللقب، لكنه لم يكرر الطريق الشاق نفسه في كل محطة، ولم يكن الموسم خاليًا من الصعوبات.
حتي وصل الي نصف النهائي، ليصطدم البايرن بـ سانت إتيان الفرنسي؛ عاد الفريق بتعادل سلبي ثمين من فرنسا، ثم حسم مواجهة الإياب في ميونخ بنتيجة (2-0) ليتأهل للنهائي الثاني على التوالي أمام ليدز يونايتد الإنجليزي في باريس.
هناك، في باريس يوم 28 مايو 1975، لعب أمام فريق امتلك القوة والقدرة على جعل المباراة صراعًا بدنيًا وتكتيكيًا، مرّت الدقائق، وبقيت النتيجة 0–0، حتى اقتربت المباراة من الدقيقة السبعين، وبدأ السؤال يفرض نفسه: من سيجد الثغرة الأولى؟
في تلك اللحظة، لم يكن بايرن بحاجة إلى لاعب يكتفي بالاحتفاظ بموقعه أو انتظار خطأ من الخصم؛ كان يحتاج إلى من يجرؤ على إنهاء الصمت، وفي الدقيقة 71، وصل الدور إلى روث، تقدّم لاعب الوسط الألماني، وسدد كرة قوية استقرت في شباك ليدز، لتصبح النتيجة 1–0.
أضاف جيرد مولر الهدف الثاني قبل النهاية، ليفوز البايرن (2-0) ويحتفظ بلقبه القاري، كانت تلك اللحظة تذكيراً صريحاً لكل من نسيه: روث لم يكن مجرد لاعب يكتفي الأدوار الدفاعية الصعبة بعيداً عن منطقة الجزاء؛ فعندما احتاج الفريق لمن يكسر التعادل المعقد في نهائي أوروبا، كان هو صاحب المبادرة الشجاعة.
1976
في ذلك الموسم، كان البايرن يسعى لكتابة التاريخ عبر التتويج الثالث متتالياً، خاض النادي ربع النهائي أمام بنفيكا البرتغالي؛ تعادل سلباً في البرتغال ثم دمر حصونهم بخماسية نظيفة في ألمانيا، وفي نصف النهائي، اصطدم بالعملاق ريال مدريد؛ انتزع البايرن تعادلاً إيجابياً 1-1 في البرنابيو، قبل أن يحسم الإياب في ميونخ بثلاثية مقابل هدف.
ليعبر إلى النهائي للمرة الثالثة على التوالي، بعدما تجاوز واحدًا من أعظم الأندية في تاريخ البطولة.
كان الخصم الأخير سانت إتيان الفرنسي، الذي وصل إلى النهائي بعد مشوار قوي، وكانت المباراة مقررة في ملعب هامبدن بارك بمدينة غلاسكو يوم 12 مايو 1976، لم يكن النهائي استعراضًا هجوميًا مفتوحًا؛ فقد ظل التعادل السلبي قائمًا، وكان كل فريق يدرك أن خطأ واحدًا قد يحدد مصير الكأس.
ثم جاءت الدقيقة 57!
حصل بايرن على ركلة حرة، وتقدم روث، المتخصص في التسديدات القوية، لتنفيذها، انطلقت الكرة نحو المرمى، وسكنت الشباك، ليتقدم البايرن 1–0، لم يحتج الفريق إلى هدف ثانٍ؛ فقد حافظ على تقدمه حتى النهاية، ليتوّج بكأس أوروبا للمرة الثالثة تواليًا.
وهكذا، امتدت بصمته في النهائيات الأوروبية من رينجرز عام 1967 إلى ليدز عام 1975، ثم سانت إتيان عام 1976، ثلاثة أهداف في ثلاثة نهائيات أوروبية حاسمة، لم يكن روث اللاعب الذي احتل أغلفة الصحف كل أسبوع، ولم تكن حكايته هي الأكثر بريقًا بين زملائه، لكن حين احتاج بايرن إلى رجل يحسم النهائي، كان اسمه حاضرًا، وفي 1976، لم يحتج «الثور» إلى أكثر من تسديدة واحدة كي يكتب اسمه في الصفحة الأخيرة من ثلاثية ستبقى خالدة في تاريخ النادي والبطولة.
لماذا فرانتس روث أسطورة من الظل؟
حين تُقلّب صفحات التاريخ الكروي لجيل بايرن ميونخ الذهبي في السبعينيات، ستجد أن فرانتس روث يُمثل المعنى الأثقل والأعمق لـ "أسطورة الظل"، لم يكن روث خياراً هامشياً، بل كان العمود الفقري الصلب الذي رُفعت عليه الكؤوس الأوروبية الثلاث، والسبب الرئيسي الذي منح "القيصر" فرانز بيكنباور كامل الحرية ليتأنق في الملعب ويبتكر مركز "الليبرو" الهجومي، فلولا وجود روث خلفه كـ "درع بشري" يفتك الكرات، ويغطي مساحات الوسط، ويخنق مرتدات المنافسين، لما استطاع بيكنباور التقدم بثقة ليرسم لوحاته الفنية.
لكن المأساة التاريخية تكمن في أن الجماهير والإعلام يميلان دائماً لتقديس السحر البصري والأهداف المتواصلة؛ فاستأثر بيكنباور بأناقته ومولر بأهدافه بالغالبية العظمى من الأضواء والكرة الذهبية، بينما توارى "الثور" في الخلف، الأغرب من ذلك أن روث لم يكن مجرد لاعب تكتيكي يكتفي بالأدوار المظلمة؛ بل كان صاحب المبادرة والشجاعة في أوقات الحسم بفضل قذائفه الصاروخية التي منحت البافاري 3 ألقاب قارية بفضل أهدافه الحاسمة في نهائيات 1967، 1975، و1976.
وعلى عكس الكثيرين، لم تكن المغريات المادية لتغري هذا الفتى البافاري؛ فعندما انهالت عليه العروض المغرية من كبار أوروبا وعلى رأسها عرضٌ من ميلان الإيطالي براتب خيالي في تلك الحقبة، رفض روث الرحيل وتجاهل ملايين الكالتشيو، مفضلاً البقاء في بيته البافاري والقتال تحت شعار البايرن حتى النهاية.
توارى اسم روث خلف صمت الإعلام، وضعف مشاركاته الدولية مع منتخب ألمانيا الغربية بسبب كثرة التضحيات البدنية مع ناديه، وزهده الشخصي بعيداً عن صخب الشاشات.
رحل "ابن المزرعة" عن المستطيل الأخضر، وبقي كـ "أسطورة ظل" استثنائية؛ رجلٌ لم يطارد الأضواء بل جعل الألقاب تلهث خلف قدميه، قد ينسى التاريخ اسمه أحياناً لصالح الأيقونات الصاخبة، لكن ذاكرة بايرن ميونخ الحقيقية ستظل تنحني إجلالاً لـ "الثور" الذي حرس أحلام السبعينيات وشيّد عرش البافاري في صمت.
المصادر
1- مكالمة بايرن التي ظنها روث مزحة
.png)