في عام 2016، أذهل ليستر سيتي العالم عندما تُوّج بالدوري الإنجليزي الممتاز، متفوقًا على أندية تملك تاريخًا وموارد أكبر بكثير، بدت الحكاية وكأنها استثناء؛ فريق لم يكن مرشحًا للمنافسة على اللقب، لكنه قلب التوقعات وكتب واحدة من أشهر قصص كرة القدم الحديثة.
لكن، ماذا لو أخبرتك أن هناك من صنع معجزة تتجاوز ليستر بمراحل؟
قبل ليستر بأربعة عقود تقريبًا، صنع مدرب إنجليزي معجزة ربما كانت أكثر غرابة، حين قاد فريقًا وصعد به من الدرجة الثانية الإنجليزية، ثم فاز بالدوري في موسمه الأول، وبعدها ذهب إلى أوروبا ليُقصي حامل اللقب، ويتوّج بكأس أوروبا للمرة الأولى في تاريخه، ثم بدل أن تكون البطولة نهاية الحكاية، يعود الفريق في الموسم التالي ليحافظ على لقبه، ويصبح بطلًا للقارة للمرة الثانية على التوالي!
إنها حكاية نوتنغهام فورست الفريق الذي حوّل مدربه برايان كلوف المستحيل إلى واقع في أواخر السبعينيات.
أهلاً بكم في العدد الجديد من «لغة الملعب»؛ اليوم نفتح سِجل أعظم أسطورة تدريبية بريطانية: برايان كلوف ومساعده الداهية بيتر تايلور مع نادي نوتنغهام فورست، كيف تحول فريق مغمور إلى ملك على عرش أوروبا؟ وكيف كان التكتيك البسيط والمباشر هو السلاح الذي قهر عمالقة القارة؟
كيف بنى برايان كلوف فريقه؟
إذا نظرت إلى نوتنغهام فورست في أواخر السبعينيات، فستجد شكلًا مألوفًا: أربعة مدافعين، وأربعة لاعبي وسط، ومهاجمان، إنها خطة 4-4-2 التي كانت شائعة في كرة القدم الإنجليزية آنذاك!
لكن فهم فريق كلوف لا يبدأ من رسم الخطوط على الورق؛ بل من الطريقة التي كان اللاعبون يتحركون بها داخلها، لم يكن المطلوب أن يقف كل لاعب في مكانه وينتظر الكرة، كان الفريق يعتمد على التمرير القصير، والتحرك لتوفير خيارات للزميل، والحفاظ على الكرة بدل التخلص منها بلا داعٍ، وقد عُرفت فرق كلوف بكرة قدم تعتمد على التمرير، مع اهتمام واضح بأن تصل الكرة إلى أقدام اللاعبين بدل إرسالها باستمرار إلى الهواء.
كيف كان يهاجم؟
كان كلوف يمقت الكرات الطولية العشوائية التي ميزت الكرة الإنجليزية في عصره، كانت جملته الشهيرة للاعبيه: "لو أراد الله منا أن نلعب كرة القدم في السماء، لغرس الأشجار في السحاب!"
• التمرير القصير والتدوير السريع: اعتمد فورست على الخروج بالكرة على الأرض عبر ثنائي خط الوسط، المايسترو جون ماكغفرن والنشيط أرتشي جيميل، كانت الفكرة التكتيكية قائمة على التمرير السريع والمباشر نحو الأطراف.
• الأجنحة الصريحة وتفتيت التكتل: وجد كلوف في الجناح الأسطوري جون روبرتسون سلاحه القاتل، كان روبرتسون يلتصق بخط التماس، ومهمته هي سحب ظهير الخصم للخارج، ثم التوغل للتمرير أو إرسال عرضيات أرضية ومتقنة باتجاه المهاجم القوي تريفور فرانسيس أو المهاجم المساعد غاري بيرتلس.
ليس ضروريًا أن يهاجم الفريق من الجانبين بالطريقة نفسها، عندما يحصل روبرتسون على الكرة، يمكنه مواجهة المدافع، أو الاحتفاظ بها حتى يصل الظهير للمساندة، أو إرسال تمريرة تفتح الطريق نحو منطقة الجزاء، وفي الوقت نفسه، يتيح تقدم أندرسون على الجهة الأخرى خيارًا مختلفًا، فيضطر دفاع المنافس إلى مراقبة أكثر من مسار للهجمة.
وكان وجود لاعبين مثل غاري بيرتلز وتوني وودكوك، ثم تريفور فرانسيس، يمنح الفريق خيارات هجومية متنوعة، لم تكن الفكرة أن يلمس الجميع الكرة في كل هجمة، بل أن تكون تحركاتهم مفيدة لبعضهم بعضًا.
كيف كان يدافع؟
لم يعتمد كلوف على الدفاع المتأخر السلبي، بل على الشراسة والتنظيم المحكم:
• شراسة القلوب وعقدة الوسط: بوجود ثنائي الدفاع الصلب لاري لويد وكيني بيرنز، تحول دفاع فورست إلى جدار فولاذي، كان بيرنز يتقدم خطوة للأمام ليقطع كرات الخصم قبل وصولها للثلث الأخير، مما يمثل حائط صد أول.
• الحارس الأسطوري (Peter Shilton): يرى كلوف أن المدافع الحقيقي ينتهي عند حارس المرمى، تعاقده مع شيلتون كان القطعة التكتيكية الأخيرة؛ حيث لم يكن فقط ينقذ الكرات القاتلة، بل كان يوجه الدفاع وينظم التمركز عند الركلات الثابتة.
اعتمد فورست على الانضباط والتماسك، مع لاعبين يعرفون مسؤولياتهم في حماية المساحات أمام الدفاع، الفكرة هنا ليست أن فورست كان يضغط في كل لحظة بالطريقة التي نراها في بعض فرق اليوم، لا ينبغي إسقاط مفاهيم الضغط الحديث بكل تفاصيلها على كرة القدم في السبعينيات، الأهم أن الفريق كان منظمًا بما يكفي ليحافظ على شكله، ويتعامل مع فترات ضغط المنافس، ثم يبحث عن فرصة لاستعادة زمام المباراة.
وهذا ما يجعل دفاعه جزءًا من قصته الهجومية أيضًا: حين لا يضطر الفريق إلى الركض خلف الكرة بصورة عشوائية، يستطيع أن يحتفظ بطاقة لاعبيه ويستغل لحظات تقدمه.
كلوف وتايلور،، من أين جاء اللاعبون المناسبون؟
هنا نصل إلى العامل الذي يفسر لماذا لم تكن خطة 4-4-2 وحدها سر المعجزة.
كان بيتر تايلور هو مساعد كلوف و"المهندس الخفي" لكل نجاحات نوتنغهام فورست، لم تكن معجزة فورست لتتحقق لولا تلك الشراكة النادرة التي استكملت فيها عين تايلور الخبيرة كبرياء كلوف وتكتيكه.
عين الصقر
كان تايلور يمتلك قدرة استثنائية على "رؤية القيمة في المتروكين"، لم يذهب فورست لشراء نجوم جاهزين بأسعار باهظة، بل كان تايلور يطوف الملاعب المغمورة والدرجات الأدنى لاقتناص لاعبين جرى الاستغناء عنهم أو نسيانهم:
- جون روبرتسون: كان جناحاً يعاني من زيادة الوزن، ورأى فيه تايلور الجناح الأفضل في أوروبا بشرط إعادة تأهيله
- لاري لويد وكيني بيرنز: أعاد اكتشافهما وتحويل بيرنز من مهاجم عادي إلى أحد أشرس قلوب الدفاع في تاريخ إنجلترا
- بيتر شيلتون: كان تايلور هو صاحب القرار الشجاع في التعاقد مع الحارس الذي أكمل المنظومة الدفاعية
الموازن النفسي والتكتيكي لكلوف
كان كلوف حاد الطباع وصريحاً لأقصى حد مع اللاعبين، وهنا كان يأتي دور تايلور كـ "دبلوماسي الغرفة" حيث كان تايلور يرمم العلاقة بين كلوف واللاعبين عندما تشتد الأزمات، ويمنح اللاعبين الثقة التي قد يسلبها كلوف في لحظات الغضب.
كما كان تايلور أيضاً خبير تكتيكي حيث كان يقرأ نقاط ضعف المنافسين، ويضع مع كلوف التعديلات البسيطة التي تحسم المباريات الكبرى.
من ظلام الدرجة الثانية إلى قمة إنجلترا
عندما تولى كلوف تدريب نوتنغهام فورست في يناير 1975، كان الفريق في الدرجة الثانية الإنجليزية، بعيدًا عن الصورة التي ستلتصق باسمه لاحقًا.
وفي يوليو 1976، انضم بيتر تايلور إلى الجهاز الفني، لتبدأ ملامح المشروع في الاتضاح، وفي موسم 1976–1977، صعد فورست إلى الدرجة الأولى، وفي الوقت الذي توقع فيه الجميع أن يصارع الفريق الهابط، فاجأ كلوف الجميع بأسلوب لعب هجومي وجريء، حيث أكل الأخضر واليابس!
ومع نهاية جولات الدوري الإنجليزي الـ 42، حقق نوتنغهام فورست 25 انتصاراً وتعادل في 14 مباراة، بينما لم يتذوق طعم الهزيمة سوى في 3 مواجهات فقط طوال الموسم أمام (أرسنال، تشيلسي، وليدز)، وبذلك، أتمّ كلوف وكتيبته ما يبدو أصعب بكثير من مجرد الصعود: التتويج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في أول ظهور بين الكبار، وبفارق 7 نقاط كاملة عن ليفربول الوصيف وبطل أوروبا آنذاك!
الفوز بلقب الدوري الممتاز من الموسم الأول لم يكن مجرد صدفة أو دفعة حماس عابرة، بل كان نتاج "انضباط تكتيكي صارم" صدم الفرق الإنجليزية الكبرى التي لم تكن معتادة على هذا النمط من اللعب، في إنجلترا، كانت معظم الأندية تعتمد على الكرات الطولية والالتحامات البدنية العنيفة، لكن كلوف قلب الطاولة عليهم بأسلوبه.
كأس أوروبا 1978–1979،، حين أسقط فورست حامل اللقب
لم يكن بوسع نوتنغهام فورست اختيار بداية أكثر صعوبة، فقد أوقعته القرعة أمام ليفربول، حامل لقب كأس أوروبا، والفريق الذي تفوق عليه محليًا في الموسم السابق.
لكن فورست لم يتعامل مع اسم منافسه باعتباره حكمًا مسبقًا على النتيجة، فاز ذهابًا وإيابًا بمجموع 2–0، ليقصي حامل اللقب من الدور الأول، ويعلن أن نجاحه في إنجلترا لم يكن مصادفة.
تكتيكيًا، كانت هذه المواجهة اختبارًا لفكرة كلوف الأساسية: لا تحتاج إلى امتلاك أسماء أكبر كي تنافس فريقًا كبيرًا، إذا استطعت أن تنفذ خطتك بانضباط، وتستغل الفرص التي تمنحك إياها المباراة.
واصل فورست طريقه، فتجاوز أيك أثينا، ثم غراسهوبر، قبل أن يصل إلى مواجهة كولن الألماني في نصف النهائي، انتهت مباراة الذهاب في أنجلترا بالتعادل 3–3، بعدما تقدم فورست وتأرجحت النتيجة، فبدا أن بطاقة النهائي ستُحسم في ألمانيا.
هناك، لم يحتج الفريق إلى السيطرة على كل شيء، احتاج إلى الصمود، وانتظار الفرصة المناسبة، فاز فورست 1–0 بهدف إيان بووير، ليحسم التأهل بمجموع 4–3!
تلك المباراة تكشف جانبًا مهمًا من كرة كلوف: لا يعني امتلاك هوية واضحة أن تفرض مباراة مثالية في كل مرة، أحيانًا تتعرض للضغط، وتحتاج إلى الدفاع، وتنتظر لحظة واحدة تغير كل شيء.
وفي النهائي، واجه فورست مالمو السويدي في ميونخ يوم 30 مايو 1979، لم تكن المباراة مهرجانًا من الأهداف؛ بل حسمها تريفور فرانسيس برأسية قبل نهاية الشوط الأول، لينتصر فورست 1–0 ويتوج بكأس أوروبا للمرة الأولى.
وهكذا، أصبح النادي الذي صعد إلى الدرجة الأولى قبل موسمين فقط بطلًا للقارة.
لكن القصة لم تنتهِ!.
كأس أوروبا 1979–1980،، من المفاجأة إلى الاحتفاظ باللقب
الفوز بالبطولة مرة قد يفتح باب التفسيرات: قرعة مناسبة، لحظات حاسمة، أو موسم استثنائي، أما العودة في العام التالي، فتفرض سؤالًا أصعب: هل يستطيع الفريق إثبات أن ما حدث كان مشروعًا حقيقيًا، لا مجرد مفاجأة عابرة؟
دخل فورست نسخة 1979–1980 بصفته حامل اللقب، وتجاوز أوسترس السويدي وأرجس بيتشتي الروماني، ثم واجه دينامو برلين في ربع النهائي، خسر مباراة الذهاب 1–0، لكنه عاد في ألمانيا الشرقية وفاز 3–1، ليحجز مكانه في نصف النهائي.
هناك انتظره أياكس، أحد الأسماء الكبرى في تاريخ كأس أوروبا، وصاحب إرث ثقيل في البطولة، فاز فورست ذهابًا 2–0، ثم خسر الإياب 1–0، لكنه تأهل بمجموع 2–1،
مرة أخرى، لم يكن المطلوب الفوز في كل مباراة بالطريقة نفسها، في الذهاب، صنع الفريق أفضلية ثمينة، وفي الإياب حافظ على ما يكفي منها للعبور، هذه هي طبيعة مباريات الذهاب والإياب: النتيجة الإجمالية أهم من شكل كل مباراة منفردة.
أما النهائي، الذي أُقيم في ملعب سانتياغو برنابيو بمدريد يوم 28 مايو 1980، فجمع فورست بهامبورغ الألماني، الذي كان قد أقصى ريال مدريد في نصف النهائي بعد عودته من خسارة الذهاب 2–0 إلى الفوز إيابًا 5–1، بدا هامبورغ منافسًا خطيرًا، لكن فورست امتلك ما يحتاج إليه في تلك الليلة.
أقرأ أيضاً
جريمة في مدريد: كيف كسر هامبورج المنطق؟
في الدقيقة 19، سجّل جون روبرتسون هدف المباراة الوحيد، وبعده تولى شيلتون مهمة حماية التقدم، بتصديات حاسمة أمام محاولات هامبورغ، انتهت المباراة 1–0، واحتفظ نوتنغهام فورست بكأس أوروبا للمرة الثانية على التوالي.
هنا اكتملت المعجزة: لم يكن فورست قد وصل إلى القمة فقط، بل عاد ليؤكد أنه قادر على البقاء فيها.
الخاتمة: ما الذي جعل التجربة استثنائية؟
لم يفز برايان كلوف بكأس أوروبا مرتين لأنه اكتشف تشكيلًا لا يعرفه أحد، كانت 4-4-2 خطة مألوفة، وكان التمرير والتحرك الجماعي والانضباط الدفاعي مبادئ يعرفها كثير من المدربين.
لكن كلوف وتايلور جمعا هذه المبادئ في فريق يناسبها، اختارا لاعبين يكمل بعضهم بعضًا، ومنحاهم أدوارًا واضحة، وبنيا مجموعة تؤمن بأنها قادرة على منافسة من يفترض أن يكونوا أفضل منها.
وفي الملعب، لم يكن فورست بحاجة إلى الاستحواذ في كل دقيقة أو صناعة عشرات الفرص، كان بحاجة إلى أن يعرف متى يحتفظ بالكرة، وكيف يفتح المساحة، ومتى يصبر تحت الضغط، وكيف يحوّل فرصة واحدة إلى هدف قد يمنحه لقبًا أوروبيًا.
أما خارج الملعب، فكانت شخصية كلوف وثقته ومعاييره الصارمة جزءًا من بناء هذه المجموعة، وإن لم تكن كل أساليبه في الإدارة قابلة للتقليد أو خالية من الجدل، لقد آمن بلاعبيه، وطالبهم بتنفيذ ما اتفقوا عليه، ولم يسمح لاسم المنافس بأن يحدد ما يعتقد فريقه أنه قادر على فعله.
وهنا يتضح الفارق بين معجزة تحدث مرة، وفريق يصنع تاريخًا، فليستر سيتي أدهش العالم في 2016، لكن نوتنغهام فورست فعل شيئًا يصعب تخيله حتى اليوم: صعد من الدرجة الثانية، فاز بالدوري الإنجليزي، ثم توّج ببطولة أوروبا مرتين متتاليتين.
"لم تكن سر قوة كلوف في أن يجعل فريقه يلعب كأنه أكبر من حجمه، بل في أن يبني فريقًا لا يشعر أصلًا بأنه أصغر من منافسيه"
وهذا هو الدرس الذي يبقى من قصته: التكتيك لا يبدأ من الرسم على السبورة؛ يبدأ من معرفة ما تملكه، واختيار الطريقة التي تناسبه، ثم جعل أحد عشر لاعبًا يؤمنون بأنهم يستطيعون تنفيذها معًا.
برأيك، هل كانت معجزة نوتنغهام فورست أعظم إنجاز تدريبي في تاريخ كأس أوروبا؟
المصادر
4- نوتنجهام يحتفل باللقب الثاني علي التوالي
.png)