الهيمنة المطلقة.. عندما يصبح
الدوري مملكة "البافاري"
في عالم كرة القدم الحديثة، يكاد لا يُذكر الدوري الألماني
(البوندسليغا) إلا ويتبادر إلى الأذهان اسم واحد فقط: بايرن
ميونخ، هذا النادي العملاق لم يكتفِ بالفوز
بالبطولات، بل حول المنافسة إلى هيمنة شبه مطلقة، دعونا نتحدث بلغة الأرقام
الصارخة: منذ تأسيس البوندسليغا في عام 1963، حصد اللقب 34 مرة،
وفي الألفية الجديدة، فاز بأكثر من 75% من
الألقاب! هذه السيطرة حولت لقب الدوري في كثير من المواسم إلى مجرد إجراء روتيني
يُختتم في الربيع.
حين يصبح كسر الهيمنة معجزة
ولكن حتى في أحلك عصور الهيمنة، هناك دائماً قصص استثنائية
لمتمردين تجرأوا على كسر هذا النمط،
لحظات نادرة، ولكنها خالدة، نجحت فيها فرق مغامرة في تسطير المجد، محطمة آلة
البافاريين الجبارة ولو لموسم واحد، هذه اللحظات هي ما يمنح البوندسليغا نكهتها
الحقيقية، من بين الفرق التي صعدت إلى القمة وغنمت اللقب من بين فكي البايرن، يبرز
صراع العظماء، فهل كان الانتصار لجنون الهجوم الذي لم يتكرر؟ أم للقوة الشاملة
التي أرست مشروعاً متكاملاً؟ يبقى السؤال الأصعب: من
هو الفريق الأفضل الذي كسر هيمنة بايرن ميونخ وفاز بالبوندسليغا؟
فيردر بريمن 2003/2004.. التوازن
الذي لا يُنسى
في ربيع 2003، لم يكن أحد يتخيّل أن فيردر بريمن على بُعد
عام واحد من كتابة واحدة من أعظم قصص الدوري الألماني، الفريق كان قد خرج لتوّه من
مرحلة انتقالية صعبة، بدا النادي كشجرة فقدت بعض أغصانها بعد رحيل رموزها، لكنه
كان يملك جذورًا لا تموت…زرعها المدرب توماس شاف بعناية وهدوء.
وكان أهم تلك الجذور، المهاجم
البرازيلي إيلتون، الذي انتقل من المكسيك في أكتوبر 1998 ليسجل 15 هدفاً او أكثر
في كل موسم من المواسم الأربعة التي سبقت الانفجار الكبير، كما أعتمد في الدفاع
علي الكندي بول ستالتيري و الفرنسي فاليريان إسماعيل، ولكن العقل المدبر الحقيقي
كان الفرنسي صانع الالعاب الأنيق يوهان ميكود.
كانت أنطلاقة موسم 2003/2004 غير متوقعة، حيث بدأ الفريق
مسيرته بانتصار ساحق 3-0 على هرتا برلين، وشهدت الجولة
الثامنة صدارة بريمن لأول مرة بعد فوز مثير 5-3 على فولفسبورغ، مع أداء هجومي
مبهر خطف قلوب المحايدين.
ورغم تلقي الفريق هزيمته الثانية بعدها بأيام، فإن شيئًا ما
كان ينضج في تلك المجموعة، شيء يشبه الثورة الهادئة، ثم بدأت ماكينة بريمن الهجومية
بالاشتعال 15 هدفًا
في أربع مباريات فقط، ثم تحول هذا الاندفاع إلى سلسلة جنونية من عدم الخسارة امتدت
23 مباراة.
الذروة الدرامية وصلت في الجولة الثانية والثلاثين، بريمن
كان متقدماً بفارق ست نقاط عندما زار معقل بايرن ميونخ، لم ينتظر الفريق حتى صافرة
النهاية، فبحلول الشوط الأول كانت النتيجة 3-0
للضيوف؛ لينتهي اللقاء 3-1
ويفوز
بريمن باللقب رسمياً.
لم يكن هذا الإنجاز مجرد لقب، بل اكتمل بتحقيق الثنائية
التاريخية (الدوري والكأس) لأول مرة في تاريخ النادي بعد الفوز على ألمانيا آخن 3-2 في
النهائي.
اختتم الفريق موسمه بـ 22 فوزًا
– 8 تعادلات – 4 هزائم، وسجل 79 هدفًا،
وأصبح أيلتون أول لاعب أجنبي يُتوج بجائزة لاعب العام في ألمانيا بتسجيل 28 هدفاً
وصناعة 9 تمريرات
حاسمة.
وكانت تلك القصة أكثر من بطولة…
كانت أسطورة عن فريق قرر أن يقف في وجه الإمبراطورية
البافارية – وانتصر.
شتوتغارت 2006/2007.. الثورة
الشبابية التي توجت باللقب
في صيف 2006، لم يكن أحد يتوقع أن فريقًا أنهى موسمه السابق
في المركز التاسع وبفارق 32 نقطة
عن البايرن، سيعود بعدها بعشرة أشهر ليعتلي قمة ألمانيا، شتوتغارت بلا ضجة، وبلا
أسماء خارقة، يقوده مدرب لم يحظَ بالاهتمام الكافي: أرمين
فيه.
اتجه النادي إلى التعاقد مع صفقتين من المكسيك: أوسوريو في مركز الظهير الأيمن وبافيل
باردو في وسط الملعب، وإلى جانبهما، ظهر جيل ذهبي شاب،
خط الوسط سامي خضيرة 20 عامًا، وماريو غوميز الهدّاف الصاعد
الذي خطف الأنظار.
لكن البداية؟ كانت كارثية، خسروا 3-0 في الافتتاح أمام
نورنبرغ ثم 3-1 في الجولة الثالثة أمام دورتمند، واستقبلوا 13 هدفاً في أول ست
جولات، وفازوا في مباراتين فقط، ثم
تغيّر كل شيء: ست مباريات دون خسارة، خمس منها بانتصار، جعلت الفريق يصل للقمة
لأول مرة، ومع نهاية الدور الأول، كانوا في المركز الرابع، ينافسوا أساطير كانت
تملك ميزانيات ضعف ميزانيتهم!
وفي الجولة 26 خسر شتوتغارت أمام شالكه ليبتعد بفارق 7 نقاط،
فأقتربت النهاية… لكن الضغط الذي عجز شالكه عن احتماله، تحوّل إلى وقود أشعل ثورة
شتوتغارت، بدأ الفريق سلسلة انتصارات كاكاو يسجل ثنائية في فوز تاريخي على بايرن،
ثم يعود غوميز بعد إصابة ليسجل هدف التعادل ضد بوخوم قبل أن يكمل كاكاو الحسم،
سبعة انتصارات متتالية أوصلتهم إلى الجولة الأخيرة متصدراً بفارق نقطتين.
لم تخلُ الجولة الأخيرة من الإثارة؛ فمع تقدم شالكه 2-0،
وتأخر شتوتغارت 0-1، كان اللقب يبتعد، لكن تسديدة هيتزلسبرغر الخارقة عادلت
النتيجة، ثم سجل الشاب سامي خضيرة هدف
الفوز بضربة رأس في الدقيقة 63، ليعلن تتويج الفريق باللقب.
فاز شتوتغارت بلقب بدا مستحيلاً، أنهوا الموسم بثمانية
انتصارات متتالية، وسجل غوميز 14 هدفًا
وكاكاو 13 هدفًا
ليصنعا معجزة لن تتكرر بسهولة، كانت بطولة… بلا منطق، لكنها كانت الأجمل.
فولفسبورغ 2008/2009… ذئاب خرجت
من الظل لتلتهم البوندسليغا
في موسم 2007/08 أنهى فولفسبورغ الدوري في المركز الخامس،
بفارق 22 نقطة
كاملة خلف البايرن، لم يكن أحد يتخيّل أن الفريق نفسه، وبعد عام واحد فقط، سيحوّل
هذا الفارق إلى واحدة من أكثر قصص البوندسليغا جنونًا بقيادة فيليكس ماغات.
البداية لم تكن توحي بأي مجد؛ في الجولة التاسعة سقط الفريق
4-2 أمام
بايرن، ضمن سلسلة من النتائج السلبية، تركتهم في المركز التاسع، حتى مع نهاية
الدور الأول لم يتغيّر شيء… فريق عادي، بلا أي مؤشر على ثورة قادمة.
لكن "الذئاب" تحولت إلى وحش كاسر بعد العطلة
الشتوية، حيث بدأت سلسلة تاريخية من عشرة انتصارات متتالية،
كانت الذروة في الجولة 26 عندما سحقوا بايرن ميونخ بقيادة كلينسمان
5-1 على
أرضهم، والتي
وضعتهم على قمة الترتيب للمرة الأولى.
الزخم لم يتوقف هناك، أمام غلادباخ ثم ليفركوزن، جاءت أهداف
الفوز قبل النهاية بخمس دقائق، من ريثَر وغرافيتي، لتؤكد أن الفريق أصبح يمتلك
عقلية البطل، ومع اقتراب خط النهاية، كان على ماغات مواجهة ضغط بايرن الذي أصبح مدربه
هاينكس، لكن فولفسبورغ ردّ بقسوة 13 هدفًا
في آخر ثلاث مباريات أمام دورتموند (3-0) وهانوفر (5-0) وبريمن (5-1)
قوة فولفسبورغ كانت تكمن في ثنائية هجومية لم يسبق لها مثيل غرافيتي (28 هدفاً) ودجيكو (26 هدفاً)،
حيث سجل الثنائي رقماً قياسياً بلغ 54 هدفاً،
ليتصدرا قائمة هدافي الدوري، وقد دعمت هذه القوة النارية عبقرية صانع الألعاب
البوسني ميسيموفيتش الذي سجل 7 أهداف وقدم 20
تمريرة
حاسمة.
وهكذا، بفضل 21 انتصارًا
و80 هدفًا، حقق فولفسبورغ أول لقب في تاريخه، وانتزع الدوري من بايرن بفارق
نقطتين… لتولد أسطورة الذئاب.
بوروسيا دورتموند
2010/2011.. ميلاد "الجيل الذهبي" لكلوب
لم يكن نجاح بوروسيا دورتموند في موسم 2010/2011 مجرد فوز
بالدوري، بل كان إعلاناً عن ميلاد جيل جديد ثوري تحت قيادة المدرب الملهم يورغن كلوب، فعلى الرغم من أن حملتهم بدأت
بهزيمة مفاجئة، إلا أن الفريق لم يحتج وقتًا طويلاً ليستيقظ؛ حيث انطلق بثلاثة
انتصارات متتالية أمام شتوتغارت، وفولفسبورغ، ثم شالكه، منحت الفريق نبضة الانطلاق
نحو موسم لن يُنسى.
الاختبار الحقيقي جاء في الجولة العاشرة، عندما واجه كلوب
تلميذه القديم توماس توخيل في ماينز، لكن المعلم تفوّق على تلميذه، وفاز دورتموند
2-0 ليعتلي الصدارة لأول مرة، تلك المباراة كانت إحدى 14
انتصارًا
في 15 مباراة بعد هزيمة الجولة الأولى… سلسلة حوّلت فريق الشباب إلى آلة لا تتوقف.
بحلول رأس السنة كان دورتموند يتقدّم بـ 10 نقاط،
ثم بـ 12 نقطة
قبل آخر عشرة جولات، وفي الجولة 24 فاز 3-1 علي البايرن في ميونخ، وهو الفوز الأول
منذ 19 عامًا، ووجّه رسالة صريحة بأن اللقب يتّجه للون الأسود والأصفر.
ورغم تضييق باير ليفركوزن الفارق لاحقاً، حسم دورتموند
اللقب قبل جولتين من النهاية بفوز 2-0 على
نورنبرغ، حيث سجل ليفاندوفسكي، هدفاً حاسماً، اللقب الذي طال انتظاره كان لحظة
عاطفية، وصفها كلوب بأن »قلبه كان ينبض بجنون«، بينما مايكل زورك، أسطورة النادي ومديره
الرياضي آنذاك، فقال بعد لحظات التتويج: »إنه أحد أجمل الأيام…
انتظرنا هذا كثيرًا، كثيرًا جدًا. «
ليضع دورتموند حجر الأساس لقصة كروية ستتوج بهيمنة مطلقة في
السنوات التالية.
باير ليفركوزن 2023/2024.. دوري
الـ "لا هزيمة" التاريخي
جاءت قصة باير ليفركوزن في موسم 2023/2024 لتتوج قصص التمرد
بأكثرها جنوناً وإثارة، حيث لم يكتفِ الفريق بكسر هيمنة البايرن، بل سجل إنجازاً
غير مسبوق في تاريخ البوندسليغا، الفريق الذي اعتاد على إنهاء المواسم في مراكز
بعيدة، تحول إلى آلة انتصارات تحت قيادة المدرب الإسباني تشابي ألونسو، جاء ومعه
روح جديدة وطموح أكبر، وقاد ثورة تكتيكية متكاملة نجح من خلالها في تقديم كرة قدم
ممتعة وغير قابلة للهزيمة.
من الجولة الأولى جرت مياه مختلفة، ليفركوزن أثبت أنه ليس
مجرد مرشح عابر، بل فريق مُعدّ للبقاء في القمة، الدراما في هذا الموسم كانت
مضاعفة، فلم تكن الإثارة تقتصر على الصراع مع البايرن، بل على حفاظ ليفركوزن على
سجله خالياً من الهزائم في جميع البطولات، واعتادوا على تسجيل الاهداف في الدقائق
القاتلة (90+) ،
ليصبحوا متخصصين في "الريمونتادا".
حسم ليفركوزن اللقب
رسمياً بفوز ساحق 5-0 على فيردر بريمن في الجولة
29، ليُنهي بذلك سلسلة تتويجات البايرن التي دامت 11
موسماً
متتالياً، وليفوز بلقبه الأول في الدوري على الإطلاق بعد 120 عاماً من تأسيس
النادي.
الأهم من ذلك، أن ليفركوزن أصبح أول فريق في تاريخ
البوندسليغا ينهي الموسم كاملاً بدون أي هزيمة، مسجلاً 28 فوزاً
و6 تعادلات، ليقدم بذلك نموذجاً خالداً للكمال الكروي في الكرة الالمانية.
ذلك الموسم لم يكن مجرد تتويج — بل ثورة مكتملة الأركان، فريق لم يعرف معنى التراجع، بدفاع هو
الأقوى، وهجوم لا يرحم، وخط وسط يضغط ويُدوّر الكرة كآلة.
و أكمل ليفركوزن مشواره المحلي وتُوِّج بكأس ألمانيا،
مُحقّقًا ثاني ألقابه في الموسم، ومحوّلًا موسمه إلى لوحة خالدة في ذاكرة الجماهير.
ولم تتوقف الثورة عند البوندسليغا…في
اليوروباليج، كانت الحكاية على بعد خطوة واحدة من الكمال، الفريق بلغ النهائي بعد
سلسلة مباريات مذهلة، لكنه اصطدم بعاصفة إيطالية اسمها أتالانتا، في تلك الليلة
فقط، تجرع ليفركوزن أول خسارة له في الموسم بأكمله، بنتيجة 3–0
… الهزيمة الوحيدة التي
لطخت موسماً أسطورياً في كل تفاصيله.
ومع ذلك، بقي الإنجاز أكبر من أي تعثر.
🌟
إرث التمرد وضريبة العظمة
لم تكن هذه القصص وحدها شاهدة على سقوط البايرن، فهناك فرق
أخرى كسرت الهيمنة، أبرزها كايزرسلاوترن 1997/98، الفريق الصاعد من الدرجة الثانية
الذي حقق معجزة لا يمكن اختصارها في فقرة صغيرة… بل تحتاج إلى مقال كامل يروي
أسطورة لا تتكرر.
والآن، بعد أن استعرضنا حكايات الفرق التي شقت طريقها عبر
المستحيل، ووقفت في وجه العملاق البافاري، يبقى السؤال مفتوحًا:
من هو الفريق الأفضل الذي كسر هيمنة البايرن وفاز
بالبوندسليغا؟