"ريمونتادا"،، كلمة إسبانية بسيطة،
لكنها تحولت منذ ليلة السادس من مارس 2017 إلى مرادف للجنون والهذيان الكروي، بعد فوز
برشلونة التاريخي على باريس سان جيرمان بنتيجة 6-1، أصبحت هذه الكلمة هي "الهوك"
أو الصنارة التي تصطاد قلوب المشجعين، في ملاعب أوروبا، المستحيل ليس مجرد كلمة.
بل هو واقع عشناه
في ملحق دوري الأبطال لهذا الموسم، حين عادت أتالانتا من تأخر 2-0 أمام
دورتمند إلى فوز 4-1 بهدف قاتل في الدقيقة الاخيرة، وحين وقف يوفنتوس على حافة المعجزة،
حين حوّل خسارة 5-2 إلى تقدم 3-0 بـ10 لاعبين فقط، وبات على بعد خطوة واحدة من أعظم
عودة في تاريخه… لكن الارهاق والطرد أنهوا القصة قبل اكتمالها.
هنا تحديدًا، نفهم أن الريمونتادا ليست مجرد نتيجة، بل لحظة يتمرد فيها الواقع على المنطق، لحظة ينهار فيها “المؤكد”، ويولد فيها “المستحيل”، لكن وسط كل تلك القصص، يبقى السؤال الذي يقسم الجماهير حتى اليوم: ما هي الريمونتادا الأفضل في تاريخ دوري أبطال أوروبا؟
خارج نطاق المقارنة: هناك قصص أصبحت
أساطير
قبل أن نغوص في أعماق التاريخ، دعونا نتفق على استثناء
"المعجزات المعتادة"؛ تلك المباريات التي قُتلت بحثاً وتحليلاً حتى حفظنا
تفاصيلها عن ظهر قلب، سنضع جانباً تلك القصص، لنفسح المجال لملاحم أخرى ربما كانت أكثر
إعجازاً وتأثيراً في مسار أصحابها، في قائمتنا اليوم، لن نتحدث عن:
·
دراما
مانشستر يونايتد 1999: حين سُرق اللقب من بايرن ميونخ
في دقيقتين من "الوقت القاتل" ليتحول البكاء من جهة إلى أخرى.
·
معجزة
إسطنبول 2005: حين عاد ليفربول من "موت سريري"
وتأخر بثلاثية في شوط واحد أمام جبروت ميلان ليرفع الكأس.
·
زلزال
الأنفيلد 2019: الليلة التي شهدت سقوط ميسي ورفاقه أمام
ضجيج جماهير ليفربول وركنية أرنولد المباغتة.
·
والريمونتادا الافضل برشلونة
ضد باريس (6-1): تلك الليلة التي كسر فيها ميسي ونيمار منطق
الفيزياء بالعودة من خسارة رباعية نظيفة ذهاباً.
اليوم، سنذهب إلى زوايا أخرى من الذاكرة،، زوايا مظلمة لبعض
العمالقة، ومضيئة لأندية لم تكن مرشحة حتى للمنافسة، حيث كانت "الريمونتادا"
هناك تعني تغيير مسار تاريخ أندية بالكامل، وليست مجرد تأهل للدور القادم.
برشلونة ضد تشيلسي (2000): أول زلزال
في الألفية الجديدة
قبل ميسي وتشافي، كان هناك جيل يقوده ريفالدو وفيغو، في ربع
نهائي نسخة 1999-2000، صدم تشيلسي العالم بالفوز في لندن بنتيجة 3-1، بفضل أداء مذهل
من جيانفرانكو زولا، حين دمر حصون البارسا
بثلاثية في غضون 8 دقائق فقط.
لكن داخل غرفة الملابس، لم يكن الشعور
هو الاستسلام لاحقًا، تذكّر المدافع ميكائيل رايزيغر تلك الليلة قائلًا: “لم يكن من
السهل قلب النتيجة أمام فريق يضم زولا، ديشامب، ودي ماتيو… لكن كان علينا أن نثبت أننا
الأفضل وأن نتحد مع الجماهير للوصول إلى نصف النهائي،” كما دخل المدرب الهولندي لويس فان غال المباراة بشعار
"الهجوم الانتحاري"حيث أعد خطة هجومية جريئة بنظام 3-4-3 للسيطرة على الكرة منذ
البداية.
دخل اللاعبون أرضية الكامب نو وسط لوحة
جماهيرية ضخمة تحمل نتيجة “2-0”، الرسالة كانت واضحة: هذا هو الحد الأدنى المطلوب للبقاء
على قيد الحياة.
وبالفعل تقدم ريفالدو وفيغو بهدفين،
لكن تشيلسي سجل هدفاً قاتلاً عن طريق "فلو" ليصمت الملعب تماماً، احتاج البارسا
لهدف لجر المباراة للوقت الإضافي، وفعلها داني غارسيا قبل النهاية بـ 7 دقائق.
وفي الأشواط الإضافية، انهار تشيلسي
تماماً تحت ضغط مذهل، ليسجل ريفالدو وباتريك كلايفرت هدفين، لتنتهي الملحمة بنتيجة
5-1 (بمجموع 6-4).
عقب هذه الريمونتادا الملحمية، ظن الجميع
أن الطريق ممهد لبرشلونة نحو اللقب، خاصة وأن نصف النهائي وضعه أمام مواطنه فالنسيا،
لكن "الخفافيش" بقيادة المدرب هيكتور كوبر كان لديهم رأي آخر؛ حيث أذاقوا
برشلونة مرارة الهزيمة في ذهاب "الميستايا" بنتيجة قاسية 4-1.
ورغم محاولات العودة إياباً والفوز
2-1، إلا أن ذلك لم يكن كافياً، ودع برشلونة البطولة بمرارة، وشاهد فالنسيا يتأهل للنهائي
ليواجه ريال مدريد، في لحظة حرمت العالم من مشاهدة "أول كلاسيكو" في نهائي
دوري أبطال أوروبا عبر التاريخ.
موناكو
ضد ريال مدريد (2004): حين أطاح "المنبوذ" بملوك الجالكتيكوس
في ربيع 2004، كان ريال مدريد يمر بفترة "الاستعلاء الكروي"؛
تشكيلة "جالكتيكوس" مرعبة تضم زيدان، رونالدو، فيغو، وبيكهام، بعد انتهاء
لقاء الذهاب في "سانتياغو برنابيو" بنتيجة 4-2 لصالح الملكي، تعامل الجميع
مع مباراة الإياب في إمارة موناكو كأنها "نزهة" رسمية أو تحصيل حاصل قبل
الصعود لنصف النهائي.
قبل لقاء العودة، وبينما كانت الصحافة الإسبانية تحتفل بالتأهل
المسبق، خرج مدرب موناكو الشاب آنذاك، ديدييه ديشامب، بتصريح حمل مزيجاً من التحدي
والواقعية قائلاً: " نحن
نواجه أفضل فريق في العالم، لكن في كرة القدم، كل شيء ممكن إذا لعبت بالشجاعة والإيمان"
وأضاف أن فريقه “لا يملك ما يخسره… وهذا أخطر سلاح”
بدأت المباراة وكأنها تسير في اتجاه واحد؛ حين سجل "راؤول
غونزاليس" هدف التقدم للريال، ليصبح مجموع المباراتين 5-2، في تلك اللحظة، صمت
ملعب "لويس الثاني" وظن الجميع أن القصة انتهت.
لكن القدر كان يخبئ رصاصة الرحمة في أقدام "المنبوذ"
فرناندو موريانتيس، المهاجم الذي أعاره ريال مدريد لموناكو بدم بارد لأنه "فائض
عن الحاجة"، قاد انتفاضة إعجازية رفقة لودوفيك جيولي، سجل موناكو ثلاثية تاريخية،
وانتهى اللقاء 3-1 (مجموع 5-5)، ليتأهل موناكو بقاعدة الأهداف خارج الأرض، ويخرج ريال
مدريد في واحدة من أكبر صدمات القرن.
لم يتوقف موناكو عند مدريد، بل واصل مغامرته وأطاح بتشيلسي في
نصف النهائي بمجموع 5-3، ليضرب موعداً في "النهائي الحلم" بمدينة غيلسنكيرشن
الألمانية أمام بورتو بقيادة المدرب الشاب والواعد جوزيه مورينيو.
لكن في النهائي، اصطدمت أحلام موناكو الرومانسية بواقعية
"السبيشال وان" الصارمة، خسر موناكو بنتيجة 3-0 في مباراة شهدت إصابة نجمهم
الأول "جيولي" مبكراً، كانت تلك الهزيمة هي "كلمة النهاية" لجيل
ذهبي؛ حيث بدأت عملية تفكيك الفريق ورحل ديشامب ونجومه إلى كبار القارة.
ديبورتيفو لاكورونيا ضد ميلان
(2004): الليلة التي سقط فيها بطل أوروبا
إذا أردت تعريفاً دقيقاً لـ "الريمونتادا المستحيلة"
من الناحية التقنية والذهنية، فلا توجد قصة تضاهي ما فعله ديبورتيفو لاكورونيا أمام
جبروت ميلان الإيطالي، دخل ميلان نسخة 2004 وهو حامل اللقب والمرشح الأول للحفاظ عليه،
بكتيبة تضم أساطير مثل كاكا، وشيفتشينكو، وبيرلو، ومالديني، وفي ليلة الذهاب بـ
"سان سيرو"، دمر الطليان أحلام الفريق الإسباني برباعية قاسية (4-1)، ليظن
الجميع أن لقاء الإياب في "ريازور" سيكون مجرد بروفة احتفالية لصعود ميلان.
وسط أجواء من اليأس، تمسك مدرب ديبورتيفو، خافيير إيروريتا،
بأمل ضئيل بدا للصحافة حينها كأنه نوع من الهذيان، حيث صرح قبل لقاء العودة قائلاً:
"كثيراً ما تحدث المعجزات، أشياء قد لا نتوقعها منطقياً،، إذا نجحنا في تسجيل
هدف مبكر، فإن التاريخ قد يكتب فصلاً لم يقرأه أحد من قبل".
ما حدث في تلك الليلة لم يكن مجرد مباراة، بل كان "إعصاراً"
هدم حصون ميلان الحصينة؛ حيث أنهى ديبورتيفو الشوط الأول متقدماً بنتيجة 3-0 وسط ذهول
كارلو أنشيلوتي ولاعبيه، لم يتوقف الإسبان عند هذا الحد، بل أضافوا هدفاً رابعاً في
الشوط الثاني لتنتهي الملحمة بنتيجة 4-0 (مجموع 5-4).
سدد ديبورتيفو 16 تسديدة مرعبة على مرمى "ديدا"، في
ليلة شهدت سقوط "أقوى دفاع في العالم" تحت أقدام باندياني، وفاليرون، ولوكي،
كانت هذه المرة الأولى في تاريخ دوري الأبطال التي يعود فيها فريق من تأخر بفارق 3
أهداف ذهاباً.
بعد هذا الزلزال الذي أطاح ببطل أوروبا، وجد ديبورتيفو نفسه
في نصف النهائي أمام بورتو البرتغالي، كانت كل التوقعات والترشيحات تصب في مصلحة الفريق
الإسباني، خاصة بعد القوة الهجومية الكاسحة التي أظهروها أمام ميلان، لكنهم اصطدموا
برجل يعرف كيف "يخنق" الأحلام؛ جوزيه مورينيو، نجح "السبيشال وان"
في حبس أنفاس ديبورتيفو ذهاباً في البرتغال بنتيجة 0-0، وفي لقاء الإياب الحاسم بإسبانيا،
قتل بورتو المباراة بهدف وحيد من ضربة جزاء نفذها "ديرلي"، انتهى اللقاء
1-0، وتبخر حلم ديبورتيفو في الوصول للنهائي التاريخي.
تشيلسي ضد نابولي 2012: العودة
من حطام الفوضى إلى مجد الأبطال
في شتاء 2012، كان نادي تشيلسي الإنجليزي يعيش واحدة من أحلك
فتراته؛ فوضى عارمة في غرف الملابس، وتخبط فني بقيادة المدرب الشاب "أندريه فيلاش
بواش" الذي فشل في ترويض كبار الفريق، بلغت الأزمة ذروتها في ذهاب دور الـ16 بملعب
"سان باولو"، حيث اكتسح نابولي بطل لندن بنتيجة 3-1، في ليلة بدا فيها أن
جيل دروجبا ولامبارد قد وصل إلى نهاية الطريق محطماً ومنهاراً.
في قرار انتحاري، أقال رومان أبراموفيتش "بواش" وعيّن
مساعده المغمور روبرتو دي ماتيو، الذي لم تكن سيرته الذاتية توحي بأي معجزة، لكن دي
ماتيو فعل ما عجز عنه العباقرة؛ حيث راهن على "كبرياء" النجوم، وصرح قبل
لقاء العودة في "ستامفورد بريدج" بكلمات بسيطة ولكنها مؤثرة: "نحن لا
نحتاج إلى خطط معقدة، نحتاج فقط إلى إظهار للعالم من هو تشيلسي الحقيقي".
ما حدث في تلك الليلة كان ملحمة قادها الثلاثي الأسطوري؛ حيث
سجل دروغبا، وجون تيري، وفرانك لامبارد ليعيدوا التوازن للمباراة ويجرّوها إلى وقت
إضافي يحبس الأنفاس، وفي الدقيقة 105، ومن عرضية متقنة من دروغبا، انقض المدافع برانيسلاف
إيفانوفيتش ليسجل هدفاً انفجرت معه مدرجات لندن، معلناً تأهل تشيلسي بنتيجة 4-1 (بمجموع
5-4).
لم تكن العودة أمام نابولي مجرد تأهل، بل كانت "الشرارة"
التي أحرقت أحلام العمالقة، تجاوز تشيلسي بنفيكا في ربع النهائي، ثم حقق المعجزة الكبرى
بإقصاء برشلونة "غوارديولا" في نصف النهائي من قلب "كامب نو" بـ
"تكتيك الحافلة" الشهير الذي أحبط ميسي ورفاقه.
وصل "البلوز" للنهائي الحلم في "أليانز أرينا"
ضد صاحب الأرض بايرن ميونخ، وفي سيناريو درامي لا يتكرر، تُوج تشيلسي باللقب لأول مرة
في تاريخه بضربات الجزاء، ليتحول دي ماتيو من "مدرب مؤقت" إلى بطل شعبي دخل
التاريخ من الباب الكبير قبل أن تتم إقالته في نوفمبر التالي.
الخاتمة: كرة القدم،، حيث يسقط
المنطق وتنتصر الإرادة
في نهاية المطاف، تظل ليالي دوري أبطال أوروبا هي المسرح الأكبر
الذي لا يعترف بالثوابت، والمكان الذي تُكتب فيه النهايات ضد كل منطق وتوقعات، فكرة
القدم علمتنا دائماً أن النتيجة في لوحة الملعب ليست سوى أرقام قابلة للمحو ما دام
هناك قلب ينبض بالإصرار؛ فمن كان يصدق أن روما سيعود من خسارة 4-1 ليصعق برشلونة بثلاثية
نظيفة؟ ومن كان يجرؤ على الرهان على مانشستر يونايتد بعد سقوطه في "أولد ترافورد"
بثنائية، ليعود وينتزع التأهل من قلب باريس بثلاثية تاريخية؟
هذا هو سحر "ذات الأذنين"؛ صراعٌ تذوب فيه فوارق الإمكانيات
أمام قوة العزيمة، وملاحم تثبت لنا يوماً بعد يوم أن "الريمونتادا" ليست
مجرد كلمة، بل هي حالة ذهنية وقصة حب بين اللاعب وجمهوره، ستبقى هذه الانقلابات هي
الوقود الذي يغذي شغفنا، والذكرى التي تذكرنا دائماً بأن المستحيل في كرة القدم،، ممكن.