ماذا لو… أختار ميسي الانضمام للمنتخب الاسباني في 2005؟

ماذا لو… أختار ميسي الانضمام للمنتخب الاسباني في 2005؟

اكتشف السيناريو التخيلي المثير: ماذا لو مثل ميسي منتخب إسبانيا؟ رحلة من يورو 2008 إلى كأسي عالم، وقصة الصراع بين العقل والقلب في مسيرة ليو ميسي.

حين طرقت إسبانيا باب الفتى الخجول

في ممرات الاتحاد الإسباني لكرة القدم عام 2005، لم يكن الحديث عن خطط تكتيكية أو ميزانيات ضخمة، بل كان هناك همس مستمر حول "ظاهرة" تسكن جدران لاماسيا، فتى نحيل، خجول، يداعب الكرة كأنها جزء من جسده، جعل كبار المسؤولين يصابون بالذهول، كان الإسبان يدركون جيداً أنهم أمام موهبة لا تتكرر، "فضائي" سيغير خارطة اللعبة إلى الأبد.

بمباركة من إدارة نادي برشلونة، التي رأت في ميسي ابناً شرعياً لنظامها الكروي، بدأت الضغوط تنهال على عائلة ميسي كانت الإغراءات منطقية لدرجة مرعبة: "في إسبانيا، سيلعب ليو مع زملائه الذين يفهمونه لن يحتاج للسفر لآلاف الأميال، ولن يتعرض لضغوط الجماهير الأرجنتينية القاسية.. هنا في مدريد وبرشلونة، سيوضع على الرأس كملك متوج.

تخيلوا لو أن تلك اللحظة، في غرفة مغلقة بأحد فنادق كاتالونيا، انتهت بكلمة "نعم" من الفتى الخجول تخيلوا لو أن العقل انتصر على العاطفة، وقرر ميسي أن يرتدي القميص الأحمر بدلاً من "الألبيسيليستي".

هنا، تبدأ الحكاية التي لم تحدث، حيث الصمت يطبق على بوينس آيرس، بينما مدريد تستعد للاحتفال بأعظم خيانة كروية مبهجة في تاريخها، كيف كانت ستبدو نسخة "اللاروخا" بوجود ميسي، تشافي، وإنييستا في فريق واحد وتحت لواء علم واحد؟ استعدوا لرحلة في عمق الخيال، حيث الكرة لم ترفض ميسي، بل ميسي هو من منحها هوية جديدة.

يورو 2008: البديل الذهبي والولادة الأسطورية

لم يذهب ميسي لمطاردة الذهب في أولمبياد بكين 2008، بل رن جرس هاتفه بطلب من العجوز المحنك لويس أراغونيس؛ ليكون "السلاح السري" والمفاجأة المدوية في قائمة إسبانيا المتوجهة لغزو أوروبا في يورو 2008.

دخلت إسبانيا البطولة وهي تحمل إرثاً من الإخفاقات، لكنها كانت تمتلك سراً لم يعرف العالم قوته الحقيقية بعد: ليونيل ميسي بقميص "اللاروخا" ورقم 19 على ظهره، قرر الداهية أراغونيس ألا يحرق موهبة الفتى مبكراً، بل اختار أن يجعل منه "الجوكر" الذي يقلب الطاولة حين تتعب الأقدام.

كان السيناريو يتكرر في كل ليلة؛ تشير الساعة إلى الدقيقة 60، يقف الفتى النحيل على الخط، فتهتز مدرجات النمسا وسويسرا هتافاً لهذا السحر القادم.

دور المجموعات: انفجار الموهبة الخام

أمام روسيا، ومع تراجع الإيقاع الإسباني، لمس ميسي الكرة الأولى وكأنها رسالة: «الآن دوري»، تحركات بين الخطوط، مراوغة قصيرة، ثم تسديدة ذكية تسكن الشباك لم يكن هدفًا صاخبًا، لكنه كان كافيًا ليكسر الحاجز النفسي ويؤكد أن هذا الشاب ليس مجرد موهبة واعدة، بل لاعب يحسم.

وفي المباراة الثانية أمام السويد، وبينما كان التعادل يسيطر على اللقاء، مرر ميسي كرة "مستحيلة" في الدقيقة الأخيرة لدافيد فيا، الذي لم يجد صعوبة في إيداعها الشباك، مانحاً إسبانيا تأهلاً مبكراً.

أمام اليونان، قرر أراغونيس منح ميسي الفرصة كاملة؛ لعب 90 دقيقة من المتعة الخالصة، وتوج مجهوده بهدف الفوز القاتل، ليقود إسبانيا لتصدر المجموعة بالعلامة الكاملة.

الأدوار الإقصائية: ميسي يكسر العقدة التاريخية

جاءت اللحظة الأصعب في ربع النهائي أمام إيطاليا، دخل ميسي في الشوط الثاني ليواجه جدار "الكاتيناتشو" الصلب لم يرهبه بوفون ولا قسوة المدافعين، امتدت المباراة لركلات الترجيح، وتقدم الشاب ذو الـ 21 عاماً بكل ثبات، ليسجل ركلته ببرود أعصاب مذهل، كاسراً عقدة إسبانيا التاريخية أمام الطليان.

في نصف النهائي، عادت روسيا لتكون ضحية ميسي مجدداً؛ حيث لعب أساسياً هذه المرة، وسجل هدفاً حاسماً أكد به صعود "اللاروخا" إلى المباراة النهائية، واضعاً العالم تحت قدميه.

النهائي الكبير: ليلة التتويج فوق الأنقاض الألمانية

في نهائي فيينا أمام ألمانيا، فضل أراغونيس الاحتفاظ بميسي للشوط الثاني ليكون "رصاصة الرحمة"، دخل ميسي والنتيجة تشير لتقدم إسبانيا بهدف، لكن دخوله غير شكل المباراة تماماً، استعرض ميسي مهاراته أمام "الماكينات"، وصنع فرصاً لا تُحصى، منهكاً الدفاع الألماني الذي لم يجد وسيلة لإيقافه سوى الأخطاء.

انتهت البطولة بصافرة أعلنت إسبانيا بطلة لأوروبا، وانتهت معها رحلة ميسي الأولى بـ 3 أهداف وتمريرة حاسمة، ليحصد عن جدارة جائزة أفضل لاعب شاب في البطولة لم تكن هذه مجرد بطولة، بل كانت الإعلان الرسمي عن سيطرة "اللاروخا" على كوكب الأرض، بقيادة "فضائي" اختار أن يتحدث الإسبانية فوق العشب.

العصر الذهبي: السيطرة المطلقة على العالم (2010 - 2012)

كأس العالم 2010: حين صار العالم أصغر من قدميه

في جنوب أفريقيا، لم يدخل ليونيل ميسي كأس العالم كنجم فقط، بل كعقل يتحكم في إيقاع الكون من حوله كان يتحرك بين الخطوط وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون، يطلب الكرة في المساحات المستحيلة، ويصنع منها طرقًا مفتوحة نحو المرمى، لم يكن هداف البطولة، لكنه كان محركها الخفي تمريراته كانت أسرع من التفكير، ولمساته الأولى كانت كافية لكسر منظومات دفاعية كاملة.

في نصف النهائي، حين توترت الأعصاب واقترب الحلم من الانكسار، ظهر ميسي في اللحظة التي يصنع فيها العظماء تاريخهم، هدفه لم يكن مجرد كرة في الشباك، بل إعلان بأن هذا المنتخب يملك لاعبًا لا يخشى اللحظات الثقيلة، وفي النهائي، لم يبحث عن المجد الفردي، بل عن الخلود الجماعي صنع هدف التتويج بلمسة عبقرية، وكأنه يوقع على الكأس باسمه دون أن يرفعها أولًا.

انتهت البطولة، ورفع ميسي الكأس الذهبية، لكن الأهم أنه غيّر تعريف البطولة نفسها، لم يعد السؤال: من سجل؟ بل من قاد؟ ومن جعل كل من حوله أفضل؟ في ذلك الصيف، فهم العالم أن السيطرة لا تحتاج صخبًا… فقط لاعب يعرف متى يمرر، ومتى يضرب، ومتى يصمت.

يورو 2012: ذروة النضج وسيادة العبقري

بعد عامين فقط، وصل ميسي إلى يورو 2012 وهو في قمة نضجه الكروي، تحت قيادة "فيسنتي ديل بوسكي"، لعب ميسي دور "المهاجم الوهمي" الذي حطم كل النظريات الدفاعية في أوروبا لم تكن البطولة مجرد منافسة، بل كانت "سوناتا" كروية يعزفها ميسي منفرداً على ملاعب بولندا وأوكرانيا.

في هذه النسخة، لم يكتفِ ميسي بصناعة اللعب، بل تحول إلى "قناص" لا يرحم، انفجر ليو تهديفياً مسجلاً 5 أهداف حاسمة، من بينها ركلة حرة مباشرة أمام فرنسا سكنت الزاوية المستحيلة، وهدفين في شباك كبار القارة جعلت المدافعين في حالة من الذهول، لم تكن أهدافه مجرد أرقام، بل كانت لوحات فنية تدرس، حيث جمع بين السرعة الفائقة والدقة المتناهية.

إلى جانب أهدافه الخمسة، قدم ميسي 3 تمريرات حاسمة، ليصبح المساهم الأول في كل هدف سجلته إسبانيا تقريباً.

وفي المباراة النهائية التاريخية أمام إيطاليا، قدم ميسي عرضاً جعل "الآتزوري" يبدون كفريق من الهواة، حيث قاد "اللاروخا" للفوز برباعية نظيفة، وفي نهاية الليلة، تسلم ميسي جائزة أفضل لاعب في البطولة وهداف اليورو، ليختم الثلاثية التاريخية (يورو 2008، كأس عالم 2010، يورو 2012). في تلك اللحظة، لم يعد هناك شك أن ميسي بقميص إسبانيا قد أغلق اللعبة تماماً، محققاً إنجازاً سيعجز التاريخ عن تكراره لقرون قادمة.

صدمة 2014 ومفاجأة 2018 المدوية

صدمة 2014: نهاية العصر الذهبي

في مونديال البرازيل 2014، واجه ميسي والجيل الذهبي لإسبانيا العدو الأول لكل رياضي: الزمن. دخل "اللاروخا" البطولة بصفته البطل المتوج بكل شيء، لكن ملامح الإجهاد كانت واضحة على وجوه الأساطير، رغم عبقرية ميسي ومحاولاته المستميتة لجرّ الفريق نحو الأدوار الإقصائية، إلا أن الجسد لم يعد يطيع العقل.

سقطت إسبانيا في فخ التراجع البدني، حيث كان تشافي وإنييستا وألونسو وكاسيس يلفظون أنفاسهم الكروية الأخيرة في ملاعب السامبا، لم تكن مجرد خسارة، بل كانت لحظة "تسليم الراية" من جيل حقق المستحيل إلى جيل جديد لم يولد بعد. خرج ميسي ورفاقه بشرف، في مشهد حزين أعلن نهاية حقبة السيطرة المطلقة التي دامت ست سنوات.

روسيا 2018: ميسي يكتب سطر جديد في كتاب المجد

لكن الحكاية لم تنتهِ عند انكسار البرازيل، في مونديال روسيا 2018، ظهر ميسي في ثوب "الأستاذ" والخبير الذي لا يشيخ، حوله، كانت إسبانيا قد ضخت دماءً جديدة شابة مثل إيسكو بمهارته ورودري بذكائه في وسط الملعب. قاد ليو عملية إعادة بناء "اللاروخا" من الداخل، معتمداً على عبقرية النضج وخبرة السنين.

في ملاعب روسيا، لم يكن ميسي يركض خلف الكرة، بل كانت الكرة هي من تطيع أوامره، قاد المنتخب الإسباني في ملحمة تلو الأخرى، متجاوزاً كل العقبات ليصل إلى النهائي الكبير، وهناك، في ليلة موسكو الباردة، انتزع ميسي النجمة المونديالية الثانية في تاريخ إسبانيا وتاريخه الشخصي من أمام فرنسا بتسجيله لهدفين.

بهذا التتويج، حقق ميسي ما لم يجرؤ أحد على الحلم به؛ أصبح اللاعب الوحيد في تاريخ كرة القدم الذي يجمع بين كأسي عالم ويورو مرتين (2008، 2010، 2012، 2018). في هذا العالم الموازي، أغلق ميسي الستار على مسيرته الدولية بصفته "سيد اللعبة" بلا منازع، الرجل الذي جعل من إسبانيا إمبراطورية كروية لا تغيب عنها الشمس.

الواقع المشرق: ميسي الذي اختار "بالقلب" وليس "العقل"

في لحظة ما من مسيرته، كان يمكن لليونيل ميسي أن يختصر الطريق، أن يختار المجد المضمون، والألقاب السريعة، وأن يكون جزءًا من آلة لا ترحم تُدعى، كل شيء كان مهيأً: نفس اللغة الكروية، نفس المدرسة، نفس الرفاق، لكن ميسي، بعكس كل الحسابات المنطقية، اختار طريقًا أطول… وأكثر ألمًا.

اختار الأرجنتين اختار القميص الذي حلم به طفلًا في شوارع روساريو، لا القميص الذي وُلد فيه لاعبًا في لاماسيا، لم يكن قرارًا عقلانيًا، بل إنسانيًا، قرار لاعب يعرف أن الخسارة مع ما تحب أشرف من الانتصار مع ما لا يشبهك، ومنذ تلك اللحظة، بدأ ميسي رحلته مع المعاناة.

نهائي 2014 كان جرحًا مفتوحًا، كأس العالم كانت قريبة، إلى حد أنك تستطيع لمسها، ثم ضاعت في لحظة صمت بعدها جاءت كوبا أمريكا، مرة تلو الأخرى، وكأن القدر يختبر صبره دموع، ركلات جزاء ضائعة، سخرية، تشكيك، وأسئلة لا تنتهي: هل هو قائد؟ هل يصلح للمنتخب؟ هل خُلق فقط للأندية؟ حتى جاء اليوم الذي قال فيه ميسي كلمته الأضعف والأصدق: الاعتزال الدولي المؤقت، لم يكن هروبًا، بل استراحة محارب أنهكه الألم.

لكن القصص العظيمة لا تنتهي بالانسحاب. ميسي عاد، ليس ليُثبت شيئًا لأحد، بل ليكمل ما بدأه، لعب وهو يعلم أن الطريق لن يكون أسهل، وأن النهاية قد لا تكون سعيدة، ومع ذلك، استمر، تعثر، تألم، وسقط… ثم نهض.

وفي قطر 2022، لم يفز ميسي بكأس العالم فقط، بل انتصر على كل شيء: على الزمن، على الشك، وعلى نفسه، ذلك اللقب لم يكن مجرد بطولة، بل مكافأة مستحقة لرجل اختار أن يعاني بدل أن يختصر، لحظة رفع الكأس لم تكن احتفالًا بالنصر، بل تصالحًا مع كل دمعة سقطت قبلها.

ميسي لم يصبح الافضل في التاريخ لأنه فاز بكل شيء، بل لأنه اختار أن يفوز بالطريقة الأصعب، اختار القلب، فاختاره التاريخ.


تعليقات