انتقامٌ تأخر عشرين عاماً!
في ليلة مونديالية مشتعلة، وبعد أن أودع ميسي الكرة في
شباك الطواحين الهولندية، لم يتوجه إلى الجماهير ليحتفل كعادته، بدلاً من ذلك، توقف
"البرغوث" أمام دكة بدلاء هولندا، وتحديداً أمام العجوز لويس فان جال، ووضع
يديه خلف أذنيه في حركة "توبوجيجيو" الشهيرة، كان المشهد غامضاً للبعض، لكنه
بالنسبة للعارفين بخفايا كرة القدم كان "رسالة انتقام" عابرة للقارات والسنوات.
ميسي لم يكن يحتفل لنفسه، بل كان يقتص لـ "ظله" الأعلى،
لملهمه وصديقه الذي قتله فان جال كروياً في برشلونة قبل عقدين من الزمان، كان ميسي
يقول لفان جال: "هذا من أجل رومان، الرجل الذي وصفته باللاعب الزائد عن الحاجة"
تلك اللحظة لم تكن مجرد انتصار في ربع نهائي المونديال، بل كانت إعادة اعتبار لواحد
من أعظم مواهب التاريخ التي أُجبرت على العيش في الظل بسبب "عناد تكتيكي"
مدمر، ريكيلمي بطلنا اليوم، هو الشخص الذي امتلك سحراً لم تفهمه عقلية "الجنرال"
الباردة، فقرر أن ينسحب إلى الظل ليظل وفياً لكرته الجميلة.
ريكلمي وفان جال: عندما يُعدم
السحر بقرار إداري
خليفة مارادونا يحمل أحلام "الكامب نو"
في صيف عام 2002، اهتزت أركان مدينة برشلونة بقدوم "الساحر"
خوان رومان ريكيلمي، بملامح هادئة وخطوات بطيئة، لم يكن مجرد تعاقد؛ كان يحمل فوق كتفيه
وزن أسطورة كاملة، الرجل الذي قاد النادي لثلاثة ألقاب كوبا ليبرتادوريس، والذي وصفه
مارادونا بأنه “آخر رقم 10 حقيقي في الأرجنتين.”
كانت التوقعات تشير إلى ولادة حقبة تاريخية، لكن في الغرف المغلقة،
كان هناك رجلٌ يخطط لهدم كل هذا السحر قبل أن يبدأ.
لكن داخل مكاتب النادي، لم يكن الجميع مقتنعًا.
الصدام الأول: "أنت صفقة سياسية"
المدرب لويس فان جال لم يطلب ريكيلمي، لم يكن ضمن مشروعه، كان
يرى كرة القدم كنظام هندسي صارم، حيث كل قطعة يجب أن تتحرك وفق مخطط محدد، أما ريكيلمي،
فكان لاعبًا يعيش على الإحساس، على التوقف، على تلك اللحظة القصيرة التي يتباطأ فيها
الزمن قبل أن تمر الكرة.
منذ الأيام الأولى، أصبح الصدام حتميًا، في التدريبات كان فان
خال يصرخ مطالبًا بالإيقاع والضغط المستمر، كان يريد لاعبًا يركض بلا توقف، بينما كان
ريكيلمي يريد أن يفكر، لم يكن كسولًا، بل كان يرى اللعبة بطريقة مختلفة. كان يتحرك
حين يجب أن يتحرك، ويتوقف حين يجب أن يرى.
وفقاً لما ذكره ريكلمي نفسه في مقابلات لاحقة، فإن فان جال عرض
عليه لقطات فيديو لأهدافه مع البوكا ثم قال له ببرود: "أنت أفضل لاعب في العالم
حين تملك الكرة، لكن حين تفقدها فنحن نلعب بـ 10 لاعبين فقط"
التهميش المتعمد: قتل السحر في "الرواق الأيسر"
لكي يثبت فان جال وجهة نظره، لجأ إلى "التعذيب التكتيكي"
أجبر ريكيلمي—الذي اعتاد أن يكون هو "الرادار" في قلب الملعب—على اللعب كـ
جناح أيسر، كان الهدف واضحاً: عزل ريكلمي بعيداً عن منطقة العمليات، وإجباره على القيام
بأدوار دفاعية وسباقات سرعة لا تتناسب مع تكوينه البدني أو فلسفته التي تعتمد على
"التوقف للتفكير".
تحول الفنان إلى غريب داخل لوحته، في غرفة الملابس، لم يكن صاخبًا، لم يحتج، لم يطلب الرحيل علنًا، كان يجلس بصمت، يربط حذاءه ببطء، وينتظر فرصة لم تأتِ، الجماهير بدأت تشعر بما يحدث، كانوا يرون لمسات قليلة، لكنها كافية لتذكرهم بما يمكن
أن يكون.
ومع مرور الأسابيع، أصبح القميص رقم 10 ثقيلًا، شارك ريكيلمي
في عدد محدود من المباريات كأساسي، وغالبًا ما كان يُستبدل أو يُترك على مقاعد البدلاء، لم يكن بسبب نقص الموهبة، بل بسبب اختلاف الفلسفة.
الانفجار الصامت: الرحيل من أجل استعادة الروح
بحلول عام 2003، ومع تدهور نتائج برشلونة تحت قيادة فان جال،
كان الجرح قد تعمق في نفس ريكيلمي،
بسبب محاولة "إعادة تشكيل" هويته.
وعندما جاء المدرب فرانك ريكارد، كانت الأبواب قد أُغلقت بالفعل
بقدوم رونالدينيو، هنا اتخذ ريكلمي قراره بالرحيل، ليس كفشلاً، بل كهاربٍ يبحث عن
"الجمال" المفقود. انتقل إلى نادي فياريال على سبيل الإعارة، وهو انتقال
وصفته الصحافة العالمية حينها بـ "النفي الاختياري".
من شوارع بوينس آيرس إلى حافة
المجد الأوروبي
ولد ريكيلمي في أحد الأحياء الفقيرة
في بوينس آيرس، حيث كانت الكرة هي اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الجميع، لم يكن الأسرع،
ولم يكن الأقوى، لكنه كان يرى ما لا يراه الآخرون.
بدأ في بوكا جونيورز، هناك لم يكن مجرد
لاعب، بل كان "نصف إله"، قاد البوكا لغزو أمريكا الجنوبية والعالم، محققاً
لقب الليبرتادوريس ثلاث مرات، كان ريكلمي هو القائد الذي لا يركض كثيراً، لأن الكرة
هي من تركض بدلاً منه.
كان يملك "3 عيون"، ويمرر كرات تخترق
أعتى الدفاعات وكأنه يملك جهاز تحكم عن بعد.
معجزة "الغواصات الصفراء"
بعد صدمة برشلونة، انتقل ريكلمي إلى
نادي فياريال، وفي مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 50 ألف نسمة، صنع ريكلمي معجزة لم تتكرر
حول "الغواصات الصفراء" إلى قوة مرعبة في أوروبا، ووصل بهم إلى نصف نهائي
دوري أبطال أوروبا 2006، في تلك الفترة، كان ريكلمي هو "المايسترو" الذي
يعزف منفراً، الرجل الذي جعل فياريال قبلة لعشاق الكرة الجميلة ورغم ركلة الجزاء الضائعة
أمام آرسنال التي حرمته من النهائي، إلا أن العالم أجمع أدرك أن ريكلمي هو "الملك
غير المتوج" الذي ظلمه فان جال وأنصفته كرة القدم في أزقة فياريال.
عاد ريكلمي بعد ذلك إلى بيته
"البومبونيرا" في بوكا جونيورز، ليختم مسيرته هناك، رافضاً عروض الأموال
الطائلة من أوروبا، ومفضلاً أن يلعب لمن يحبه بصدق، مسيرته لم تكن مجرد ألقاب، بل كانت
رحلة بحث عن "الهوية" في زمن بدأت فيه كرة القدم تتحول إلى سباق للمسافات
الطويلة.
عبقرية التوقف في زمن السرعة:
لماذا اختار ريكلمي العيش في الظل؟
قد يبدو من التناقض وصف لاعب بحجم ريكيلمي بأنه "أسطورة
ظل" وهو الذي تفيض مدرجات "البومبونيرا" حباً باسمه، لكن الحقيقة تكمن
في نوع الظل الذي اختاره رومان بنفسه؛ لقد كان "ظلاً" لمركز صانع الألعاب
الكلاسيكي (رقم 10) في زمنٍ قررت فيه كرة القدم الحديثة أن تعلن الحرب على الخيال لصالح
الركض والتحولات البدنية الغاشمة، عاش ريكلمي مسيرته كضحية كبرى للتحول الكروي، حيث
أصبح اللاعب الذي "يفكر" عبئاً على المدربين الذين يريدون لاعباً "يركض"
فقط.
لقد اختار ريكلمي الظل التكتيكي بوعيٍ كامل؛ فبدلاً من الخضوع
للمنظومات الأوروبية الكبرى التي طالبت بتغيير هويته ليرضي عقولاً مثل فان جال، فضل
رومان الانسحاب إلى "فياريال"، ليحافظ على نقاء فنه بعيداً عن صخب الأندية
الجماهيرية وضغوط الإعلام، كان يدرك أن البقاء في الأضواء الزائفة لبرشلونة او
الاندية الجماهيرية سيعني بيع "روحه الكروية"، فاختار الحب والتقدير في الأندية
التي منحته الحرية ليتوقف ويمرر ويهندس الميدان بمزاجه الخاص، مما أبعده قسراً عن صراع
"الكرة الذهبية" التي تمنحها الصحافة لمن يلمع أكثر، لا لمن يبدع أعمق.
وفي بلاده الأرجنتين، عاش ريكلمي في ظلٍ مزدوج؛ فقد كان دائماً
يُطالب بعباءة مارادونا التي لا تُرتدى، ثم جاء إعصار ميسي ليأخذ الأضواء العالمية
كلها، لكن ريكلمي كان هو "الجسر الهادئ" بين الأسطورتين؛ الرجل الذي كان
يمرر لميسي الشاب ليعلمه كيف يقرأ الملعب قبل أن يلمس الكرة، ريكلمي هو أسطورة الظل
لأنه اللاعب الذي لم يملك "الماكينة الإعلامية" التي ترفعه لمصاف آلات حصد
الألقاب، بل كان يرى ما لا يراه غيره في صمت، هو الفنان الذي أثبت أن القيمة الحقيقية
لا تكمن في سرعة الجسد، بل في سرعة البديهة التي تجعل الملعب بأكمله يقف مشدوهاً عندما
يقرر رومان "التوقف" فجأة ليخلق من العدم هدفاً.
لغة الأرقام: سحر لا تستوعبه
الإحصائيات الجافة
مع بوكا جونيورز:
·
الفوز
بـ 3 ألقاب كوبا ليبرتادوريس & 5 القاب الدوري المحلي،
·
الفوز
بكأس الإنتركونتيننتال ضد ريال مدريد،
·
أفضل
لاعب في أمريكا الجنوبية عامي 2001 و2008،
مع فياريال:
·
قادهم
من المركز الـ 15 إلى المركز الثالث في الليغا،
·
نصف نهائي
دوري الأبطال في أول مشاركة تاريخية،
·
سجل
في 143 مباراة 45 هدف !
مع الارجنتين:
·
51 مباراة
دولية،
·
الميدالية
الذهبية في أولمبياد 2008،
·
المركز
الثاني في كوبا أمريكا 2007،
هذه الأرقام لا تروي القصة كاملة؛ فما كان يقدمه ريكلمي من تمريرات "مفتاحية" وقدرة على الاحتفاظ بالكرة تحت ضغط ثلاثة مدافعين هو ما جعله "فيلسوفاً" يتجاوز لغة الأرقام الصماء.
الوداع الأخير للفيلسوف الحزين
حين وضع ميسي يديه خلف أذنيه أمام فان خال، كان العالم يرى لحظة
تحدٍ، لكن الأرجنتين رأت شيئًا آخر، رأت العدالة… ولو متأخرة، ريكيلمي لم يحصل على
نهاية عادلة في أوروبا، لم يُمنح المساحة التي يستحقها، لم يصبح اسمًا تجاريًا عالميًا،
لكنه أصبح شيئًا أهم.
أصبح ذاكرة،
هناك لاعبون تصنعهم الأرقام، ولاعبون تصنعهم الكؤوس… وهناك لاعبون
تصنعهم الطريقة التي يجعلونك تشعر بها وأنت تشاهدهم.
ريكيلمي كان من النوع الأخير، لم يكن الأسرع، لم يكن الأقوى،
لكنه كان الأهدأ… وفي كرة القدم، أحيانًا، الهدوء هو أعظم أشكال المقاومة.
سيظل اسمه محفورًا ليس في سجلات الفيفا… بل في قلوب الذين شاهدوه،
أولئك الذين فهموا أن كرة القدم ليست دائمًا عن الفوز، أحيانًا… هي عن الجمال الذي
يمر بصمت، ثم يختفي، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه أحد.
والآن، بعد أن طوينا صفحة الفنان ريكيلمي، يبقى السؤال مفتوحًا:
🔥
السؤال النقاشي: من برأيكم هو "أسطورة الظل" القادمة؟ والذي يستحق أن
يكون بطل مقالنا القادم ليكشف التاريخ عن تأثيره غير المرئي!