حين بدا الدوري الفرنسي محسوماً… ظهر الاستثناء
في فرنسا، كانت القصة تُروى قبل أن تبدأ المباريات، اللقب
محفوظ في باريس والبطولة تُحسم على الورق، وبقية الأندية تؤدي أدوار الكومبارس في مسرحٍ
يعرف نهايته الجميع، منذ 2011 لم يعد الدوري الفرنسي ساحة تنافس بقدر ما أصبح اختبارًا
لمدى قدرة الآخرين على الصمود أمام آلة لا تتعب، نجوم عالميون، ميزانيات بلا سقف، وأسماء
تُرعب قبل أن تُواجه، باريس سان جيرمان لم يكن يطلب اللقب، بل كان ينتزعه باعتباره
حقًا مكتسبًا.
وفي هذا المشهد المغلق، بدا أن أي محاولة للخروج عن النص ليست
سوى مغامرة قصيرة العمر، لكن في ربيع 2017، حدث ما لم يكن في الحسبان لم يخرج التحدي
من مدينة صاخبة أو ملعب أسطوري، بل من إمارة هادئة، بمدرجات صغيرة، وفريق لا يملك رفاهية
الخطأ، موناكو لم يأتِ ليُربك الحسابات لمباراة أو اثنتين، بل ليكسر القاعدة من جذورها.
هذا الموسم لم يكن صدفة، ولم يكن تمردًا عاطفيًا سرعان ما يخبو،
ما فعله موناكو كان أقرب إلى إعلان ثورة: ثورة على منطق المال وحده، وعلى فكرة أن الألقاب
تُشترى لا تُصنع، فريق بُني بعناية، لا حول نجم واحد بل حول منظومة، لا بخبرة الشيوخ
بل بجرأة الصغار، مراهقون يلعبون بلا خوف، مدرب يؤمن بأن الهجوم ليس مغامرة بل هوية،
وإدارة تفهم أن المستقبل يُصنع قبل أن يُشترى.
موناكو 2017 لم يهزم باريس فقط، بل هزم الفكرة ذاتها: فكرة أن
الدوري حُسم للأبد، لقد فتح بابًا ظن الجميع أنه أُغلق، وأثبت أن كرة القدم ما زالت
تحتفظ بمساحتها الأخيرة للتمرد، هذه ليست حكاية لقب… بل حكاية ثورة كروية كاملة، وُلدت
في مكان لا يُفترض أن يولد فيه التاريخ.
وضع حجر الأساس: كيف جمع موناكو
"مجوهرات" أوروبا؟
قبل أن تنفجر المواهب على أرض الملعب، كان هناك عمل "استخباراتي"
كروي خلف الكواليس، موناكو، بقيادة مدربه البرتغالي الهادئ ليوناردو جارديم والمدير
الرياضي الداهية لويس كامبوس، قرر تغيير استراتيجيته، بدلاً من شراء النجوم الجاهزين
بأسعار فلكية مثلما فعلوا مع راداميل فالكاو وخاميس رودريجيز في 2013، اتجه النادي
نحو "صيد المواهب" المغمورة.
💎
كشافو المواهب والصفقات الذكية
لم تكن التعاقدات عشوائية، بل كانت تُفصل على مقاس فلسفة جارديم
التدريبية، لعل أبرز مثال على هذا الدهاء هو البرازيلي فابينيو؛ الذي استقطبه النادي
من "كاستيا" ريال مدريد، في البداية جاء فابينيو كظهير أيمن كلاسيكي، لكن
عين جارديم رأت فيه شيئاً أعمق بقرار جريء، تم تحويله إلى لاعب ارتكاز في قلب الوسط،
ليصبح "الرئة" التي يتنفس بها الفريق، واللاعب الذي يربط الدفاع بالهجوم
بذكاء فطري.
وبالتوازي مع هذا التحول، كان النادي يجهز "القنبلة"
التي ستدمر حصون الخصوم: كيليان مبابي لم يندفع موناكو بحرق الموهبة الشابة، بل تم
تصعيده وتجهيزه بعناية فائقة في سن مبكرة جداً، كان جارديم يعطيه الدقائق بالتدريج،
كمن يروض إعصاراً، حتى جاء موسم 2016-2017 ليكون لحظة الانفجار الكبير لفتى فرنسي لم
يكن قد أكمل عامه الثامن عشر بعد، لكنه كان يمتلك سرعة البرق وهدوء القتلة المأجورين
أمام المرمى، وعودة الكولومبي فالكاو بعد أنتهاء اعارته الي تشيلسي ساهمت في نضح
الموهبة الفرنسية سريعاً.
في خط الوسط، بنى جارديم "ترسانة" برتغالية فرنسية
لا تُقهر، كان برناردو سيلفا هو الفنان الذي يرسم اللوحات بقدمه اليسرى، بينما كان
المخضرم جواو موتينيو هو "المايسترو" الذي يضبط إيقاع اللعب بخبرته العريضة.
وخلفهما، كان تيموي باكايوكو يمثل الجدار البدني الصلب الذي يمنح الحرية للبقية للإبداع.
لكن السر الحقيقي في قوة موناكو الهجومية كان يكمن في
"الاظهرة" قبل موسم الانفجار، قام لويس كامبوس بخطوة استراتيجية بالتعاقد
مع الثنائي بنجامين ميندي (من مارسيليا) وجبريل سيديبي (من ليل). كان الاختيار ذكياً؛
فهما ابنا الدوري الفرنسي، لا يحتاجان لوقت للتأقلم.
هكذا بُني موناكو، قطعة فوق قطعة، بلا استعجال وعندما جاء موسم
الانفجار، لم يكن مفاجأة لمن تابع الطريق… بل كان النتيجة الطبيعية لمشروع آمن بالفكرة
قبل أن يؤمن بالنتيجة.
بداية الموسم: إشارات مبكرة لشيء غير طبيعي
دخل موناكو موسم 2016-2017 والعيون كلها تتجه نحو باريس سان
جيرمان ومدربه الجديد حينها أوناي إيمري لكن منذ الجولة الأولى، كان من الواضح أن هناك
شيئاً مختلفاً يحدث في ملعب "لويس الثاني"، موناكو لم يكن يفوز فقط، بل كان
"يدهس" خصومه بنتائج مرعبة، في الدور الأول، سجل موناكو عدداً من الأهداف
لم تشهده فرنسا منذ عقود، اكتسحوا "ميتز" بسباعية نظيفة، وضربوا "نانسي"
بسداسية، وتجاوزوا "مارسيليا" برباعية.
أنهى موناكو النصف الأول من الموسم وهو يطارد باريس ونيس بضراوة،
لكن الأهم من النقاط كان "الرعب" الذي زرعه في قلوب المنافسين، لقد أصبح
الفريق يمتلك هجوماً كاسحاً يعتمد على سرعة مبابي، دقة ليمار، عبقرية برناردو سيلفا،
ولمسات فالكاو القاتلة داخل المنطقة.
الصمود والتتويج: كيف انكسر
قيد باريس في الدور الثاني؟
في عالم كرة القدم، هناك قاعدة غير مكتوبة تقول إن "النفس
الطويل" هو حكرٌ على الأغنياء فقط؛ فالعبرة ليست بمن يبدأ الموسم بقوة، بل بمن
يصمد في الأمتار الأخيرة حين تئن العضلات تحت وطأة الإرهاق. كان الجميع في فرنسا، وعلى
رأسهم إدارة باريس سان جيرمان، ينتظرون تلك اللحظة التي ينهار فيها "جيل المراهقين"
في موناكو، كان الرهان أن المغامرة الأوروبية في دوري الأبطال ستلتهم طاقة لاعبي جارديم،
لكن موناكو أظهر معدناً من "الدم والذهب"، محولاً ضغط المباريات إلى وقود
للانفجار.
📈
سباق الأنفاس الأخيرة: 19 مباراة نحو المجد
ما فعله موناكو في الدور الثاني للموسم (الإياب) لم يكن مجرد
كرة قدم، بل كان "إعصاراً" اكتسح كل ما يقف في طريقه. في 19 مباراة خاضها
الفريق في النصف الثاني من الدوري، حقق موناكو رقماً مرعباً بالفوز في 17 مباراة، ولم
يتعثر بالتعادل إلا في مواجهتين فقط. التعادل الأول كان بمثابة "معركة تكسير عظام"
ضد الغريم المباشر باريس سان جيرمان وانتهى بنتيجة (1-1)، وهي النتيجة التي كانت تخدم
موناكو معنوياً أكثر من خصمه، حيث أثبتوا لنجوم العاصمة أنهم لن يتنازلوا عن الصدارة.
أما التعادل الثاني فكان "فخاً" أمام فريق باستيا (1-1)، وهو التعثر الذي
ظنه البعض بداية النهاية، لكنه كان مجرد استراحة محارب قبل العودة لسلسلة انتصارات
متتالية لم تتوقف حتى رفع الدرع.
🔢
موسم الأرقام القياسية: 107 صرخة فرح
عندما أطلق الحكم صافرة نهاية الجولة الأخيرة، وقف العالم مذهولاً
أمام لوحة الإحصائيات التي رسمها أبناء الإمارة. لم يكن اللقب صدفة، بل كان تتويجاً
لموسم تاريخي بكل المقاييس:
·
30 انتصاراً:
من أصل 38 جولة، وهو رقم يوضح مدى الهيمنة.
·
5 تعادلات
و3 هزائم فقط: طوال موسم كامل في دوري يتسم بالبدنية العالية.
·
107 أهداف: بمعدل يقترب من 3 أهداف في كل مباراة!
موناكو لم يكن يفوز، بل كان يمتع العالم بكرة قدم هجومية شاملة.
·
31 هدفاً
استقبلتها الشباك: مما يثبت أن الفريق لم يكن "متهوراً" هجومياً فحسب، بل
كان يمتلك توازناً دفاعياً صلباً خلفه الحارس المخضرم سوباسيتش.
لقد انكسر قيد باريس أخيراً، ليس بضربة حظ، بل بآلة كروية دهست
التوقعات. موناكو لم يكتفِ بإنهاء صيام 17 عاماً عن اللقب، بل فعل ذلك وهو يكتب واحداً
من أجمل فصول تاريخ الدوري الفرنسي، معلناً للعالم أن "جيل المراهقين" قد
نضج تماماً، وأصبح الآن يجلس على العرش الذي ظنه الباريسيون ملكية خاصة.
⚽ زلزال أوروبا: موناكو الذي أرعب كبار القارة
لم يكتفِ موناكو بالسيطرة المحلية وبسط نفوذه على الأراضي الفرنسية،
بل قرر نقل "ثورة المراهقين" إلى المسرح الأكبر والأكثر بريقاً: دوري أبطال
أوروبا. كانت رحلة الفريق في تلك النسخة هي "الفاكهة" التي استمتع بمذاقها
كل عشاق الكرة الجميلة حول العالم، حيث قدموا كرة قدم انتحارية لا تعترف بالحسابات
الدفاعية المعقدة.
. 🧗 الطريق الوعر: من التصفيات
إلى قمة المجموعة
لم يكن طريق موناكو مفروشاً بالورود؛ فقد بدأوا الرحلة من
"الأدوار التمهيدية" (Play-offs)، حيث كان عليهم تخطي عقبات صعبة مثل فنربخشة التركي وفياريال الإسباني.
وبإصرار عجيب، نجح رجال جارديم في عبور الاختبارين بنجاح، ليجدوا أنفسهم في مجموعة
ليست سهلة علي الاطلاق ضمت توتنهام الإنجليزي، باير ليفركوزن الألماني، وسيسكا موسكو
الروسي.
هناك، لم يكتفِ موناكو بالتمثيل المُشرف، بل انتزع صدارة المجموعة
بجدارة؛ حققوا 3 انتصارات وتعادلين وتلقوا هزيمة وحيدة، مرسلين رسالة شديدة اللهجة
لكبار القارة بأن "أطفال الإمارة" قادمون للعبث بكبرياء الكبار.
🏴
ملحمة مانشستر سيتي: يوم رقص المراهقون فوق أحلام جوارديولا
في دور الـ16، وقع موناكو أمام مانشستر سيتي بقيادة الفيلسوف
بيب جوارديولا. كانت مواجهة للتاريخ؛ في ذهاب "الاتحاد"، خسر موناكو بنتيجة
(5-3) في مباراة جنونية، لكن العالم لم يتحدث عن فوز السيتي، بل تحدث عن ذاك الفريق
الذي تجرأ على مهاجمة بيب في عقر داره. وفي ليلة الإياب السحرية في ملعب "لويس
الثاني"، انفجر البركان. انتصر موناكو (3-1) في مباراة كانت بمثابة "شهادة
ميلاد" عالمية للنجم كيليان مبابي، الذي مزق شباك الإنجليز بسرعته الخارقة. وبفضل
قاعدة أهداف الأرض، أطاح موناكو بأحد أبرز المرشحين للقب، في ليلة لم تنم فيها الإمارة
من الفرح.
دورتموند ثم الجدار الإيطالي.. نهاية الرحلة برأس
مرفوعة
لم يتوقف الإعصار عند محطة الإنجليز، بل واصل زحفه نحو ألمانيا،
حيث أطاح بـ بوروسيا دورتموند بالفوز عليه ذهاباً وإياباً، مؤكداً أن وصول موناكو لنصف
النهائي لم يكن ضربة حظ، بل هو نتيجة عمل هجومي جبار. وفي نصف النهائي، اصطدم طموح
المراهقين بخبرة "العجوز" يوفنتوس. هناك، توقفت المعجزة أمام جدار دفاعي
إيطالي لا يرحم بقيادة بوفون وكيليني. خرج موناكو من البطولة، لكنه خرج كأكثر فريق
سجل أهدافاً وأمتع الجماهير، نالوا احترام القارة بأكملها، وتركوا بصمة لن تُمحى كأكثر
فريق "ممتع" وطموح وطأ عشب دوري الأبطال في العقد الأخير.
💔
المزاد الكبير: ماذا حدث لجيل المراهقين بعد الموسم
المعجزة؟
يقولون إن "ثمن النجاح باهظ"، وبالنسبة لموناكو، كان
الثمن هو "تفكيك" الفريق بالكامل. بمجرد إطلاق صافرة نهاية الموسم، تحول
ملعب موناكو إلى "سوبر ماركت" مفتوح لأغنى أندية العالم. لم يستطع النادي
الصمود أمام العروض الفلكية التي انهالت على لاعبيه.
1. كيليان مبابي: انتقل إلى الغريم باريس سان جيرمان
في صفقة بلغت قيمتها 180 مليون يورو.
2. برناردو سيلفا وبنجامين ميندي: رحلا إلى مانشستر
سيتي بطلب خاص من جوارديولا الذي أُعجب بهما في مواجهتهما المباشرة.
3. تيموي باكايوكو: انتقل إلى تشيلسي الإنجليزي.
4. توماس ليمار: رحل لاحقاً إلى أتلتيكو مدريد بصفقة
كبرى.
5. فابينيو: انتقل إلى ليفربول ليصبح ركيزة أساسية
في تتويجهم بالبريميرليج ودوري الأبطال.
خلال ميركاتو واحد، فقد موناكو عموده الفقري، ورغم أن خزينة
النادي انتعشت بنحو 350 مليون يورو، إلا أن الروح التي صنعها جارديم تبخرت. عاد موناكو
ليكون نادياً عادياً يصارع من أجل المربع الذهبي، وبقيت ذكرى 2017 كقصة أسطورية لفريق
اجتمع لمرة واحدة، أبهر العالم، ثم تفرق في شتى بقاع الأرض ليقود كبار الأندية.
🏁 الخاتمة: الحكمة من معجزة موناكو
إن قصة موناكو 2017 هي تذكير دائم بأن كرة القدم لا تزال تمتلك
جانباً رومانسياً رغم توغل المليارات، هي رسالة لكل نادٍ يمتلك إمكانيات محدودة بأن
التخطيط السليم، والصبر على المواهب، والشجاعة الهجومية، يمكنها أن تطيح بأعتى القوى
الكروية، موناكو لم يحقق الدوري فقط، بل حقق "الخلود الكروي"، فعندما نشاهد
مبابي يرفع كأس العالم، أو برناردو سيلفا يرفع دوري الأبطال، أو فابينيو يحكم وسط إنجلترا،
نتذكر دائماً تلك البداية السحرية في إمارة موناكو، حيث قرر مجموعة من المراهقين أن
المستحيل ليس فرنسياً.