ماذا لو.. لم يُصب صلاح في نهائي كييف 2018؟

ماذا لو.. لم يُصب صلاح في نهائي كييف 2018؟

اكتشف كيف كان سيتغير تاريخ كرة القدم لو أكمل محمد صلاح نهائي دوري أبطال أوروبا 2018 ضد ريال مدريد. رحلة بين المجد الضائع، الكرة الذهبية، وأثر الفراشة.

في ليلة كييف الباردة عام 2018، لم تكن دموع محمد صلاح مجرد وجعٍ في كتفٍ أُنهك بالالتحام، بل كانت صرخة حلمٍ كامل انكسر أمام أعين الملايين، حين شدّ “الملك المصري” على كتفه الأيسر وغادر العشب الأخضر بخطواتٍ ثقيلة، كان المشهد أكبر من لاعب يُستبدل في نهائي؛ كان وداعًا مؤلمًا لقصة كانت تتهيأ لتُكتب بحروف من ذهب، تجمّد الزمن، وساد صمتٌ خانق مدرجات ليفربول، وكأن الكأس ذات الأذنين بدأت رحلتها المبكرة نحو مدريد قبل أن تُرفع.

لكن تخيّلوا للحظة—لحظة واحدة فقط—أن التاريخ قرر أن يرمش بعينه، ماذا لو كان الالتحام عابرًا؟ ماذا لو نهض صلاح، مسح الدموع، نفض الغبار عن قميصه، وعاد للركض وكأن شيئًا لم يحدث؟ في تلك الثانية الفاصلة، كان يمكن أن يتغيّر كل شيء: إيقاع المباراة، أعصاب ريال مدريد، مسار النهائي، وربما ذاكرة كرة القدم نفسها. هنا، بالضبط هنا، يبدأ السؤال الذي لا يكفّ عن مطاردة التاريخ… ماذا لو كُتبت ليلة كييف بنسخة أخرى؟

عد بالبطولة إلى الوراء: إعصار ليفربول الذي لا يتوقف

بدأ ليفربول رحلته في دوري أبطال أوروبا 2017–2018 من المجموعة الخامسة، مجموعة بدت على الورق في غاية السهولة بوجود إشبيلية، سبارتك موسكو، وماريبور السلوفيني، لكن كرة القدم لا تعترف أبدًا بالأغلفة. في الجولة الأولى، تعادل الريدز مع إشبيلية 2-2 على ملعب أنفيلد، وكانت مفاجأة مبكرة زرعت الشك في قلوب الجماهير.

القلق في موسكو بعد تعادل جديد 1-1 أمام سبارتك، وبدأ السؤال يتردد: هل هذا الفريق جاهز فعلاً لأوروبا؟ لكن الإجابة جاءت قاسية، بل مرعبة، عندما واجه ليفربول ماريبور ذهابًا وإيابًا. سبعة أهداف بلا رد خارج الديار وثلاثية نظيفة في أنفيلد، أعادت الأمور إلى نصابها وكشفت عن وحش هجومي بدأ يستيقظ.

تعادل مثير جديد 3-3 أمام إشبيلية في إسبانيا أكد أن الفريق لا يعرف التراجع، قبل أن يُنهي دور المجموعات بمجزرة كروية أخرى، 7-0 أمام سبارتك موسكو في أنفيلد، وكأن ليفربول قرر أن يرسل رسالة أخيرة لأوروبا كلها.

لم يكن الفريق يكتفي بالفوز، بل كان يبحث عن "سحق" المنافسين، وكان الثلاثي المرعب (صلاح، ماني، فيرمينو) يعزف سيمفونية كروية لا ترحم؛ سجل صلاح 5 أهداف، بينما تقاسم ماني وفيرمينو البقية في مرحلة المجموعات، ليعلن ليفربول عن قدوم قوة هجومية لا تهدأ.

من سحق بورتو إلى قمة إنجلترا وروما

في دور الـ16، تحول ليفربول إلى "إعصار" في البرتغال؛ سحقوا بورتو بخماسية نظيفة، حيث وقع ماني على "هاتريك" وترك صلاح وفيرمينو بصمتيهما المعتادة، ليؤكد الفريق أنه لا يعرف الرحمة في الليالي الأوروبية. ثم جاءت قمة إنجلترا في ربع النهائي أمام مانشستر سيتي الفريق الأقوى محليًا آنذاك بقيادة جوارديولا، وهناك أثبت صلاح أنه "الملك" الفعلي، حيث فاز ليفربول ذهاباً وإياباً بمجموع 5-1، سجل منها صلاح هدفين حاسمين، وواصل ماني وفيرمينو كتابة أسمائهم في كل مباراة كبيرة، وأطاحا بأحلام السيتي.

وفي نصف النهائي، واجه صلاح فريقه القديم روما، ولم يظهر أي رحمة؛ سجل هدفين وصنع مثليهما في ليلة خماسية تاريخية بالأنفيلد، وفيرمينو يكررها، وماني يضع توقيعه، قبل خسارة الإياب 2-4 التي لم تمنعهم من الوصول إلى نهائي كييف.

دخل ليفربول النهائي وهو يمتلك نسخة خارقة هجومياً، حيث سجل صلاح وحده 10 أهداف في البطولة، وفيرمينو 10 أهداف، وماني 9 أهداف، كان التأثير الهجومي مقسماً بدقة مذهلة بين الثلاثي، الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن غياب صلاح في النهائي لم يكن غياب لاعب فحسب، بل كان "بتر" لقلب محرك الفريق الذي سجل وصنع ودمّر كل من وقف في طريقه حتى تلك اللحظة.

صلاح يرفض الخروج ويكتب التاريخ

ينهض محمد صلاح بعد سقطة راموس الشهيرة، يمسك بكتفه متألماً لثوانٍ معدودة، ثم يبتسم للكاميرا في إشارة تحدٍ أيقونية، ويواصل الركض وسط هدير جماهير "الريدز" التي اهتزت لها أركان الملعب.

بوجود صلاح، تغيرت حسابات زين الدين زيدان تماماً؛ حيث ظل مارسيلو مقيداً في الخلف، مجبراً على مراقبة "الفرعون" وعدم التقدم هجومياً، مما أفقد ريال مدريد أحد أهم أسلحته.

استمر الضغط الليفربولي الكاسح، ضغطٌ لا يترك للريال فرصة لالتقاط أنفاسه، وبدا وكأن الملعب يميل نحو مرمى الملكي، تضيع الفرصة تلو الأخرى وسط تألق إعجازي من كيلور نافاس، لكن هيبة ليفربول بوجود ثلاثيه المرعب لم تتزعزع. ومع وصول المباراة للدقيقة 70، والتعادل السلبي يخيم على الشاشة، ظهرت عبقرية صلاح التكتيكية؛ بعينين ترى ما لا يراه غيره، يبدأ التحرك دون كرة. يجذب راموس خطوة، ومع مارسيلو ظله الدائم، اللذين لم يجرؤا على تركه وحيداً لثانية واحدة.

في تلك اللحظة، انفتحت "ثغرة الأمل" في عمق دفاع الميرينجي، وفي لحظة تجلٍّ أسطورية، أرسل صلاح تمريرة بينية حريرية مزقت الخطوط، لتجد ساديو ماني المنطلق الذي أودعها الشباك ببراعة، انفجار أحمر في المدرجات، وصمت ثقيل يهبط على الميرينجي.

بعد الهدف، تتبدّل المباراة نفسيًا. ريال مدريد يندفع، لكن ليفربول يصبح أكثر تماسكًا، حتي انتهى النهائي بفوز ليفربول 1-0، لم يكن صلاح مسجلاً للهدف، لكنه كان "المهندس" الذي فكك شفرة دفاع ريال مدريد بذكائه وتحركاته.

عاد اللقب المفقود إلى "الأنفيلد" لأول مرة منذ ملحمة إسطنبول 2005، صعد صلاح المنصة حاملاً علم مصر، وسط دموع الفرح هذه المرة لا دموع الإصابة، معلناً بداية حقبة تاريخية لليفربول، ومنهياً سيطرة ريال مدريد على القارة العجوز بفضل "جنيه إضافي" من الإصرار والوفاء.

في أنفيلد، لم تكن العودة مجرد احتفال. كانت استعادة للروح. أغنيات تُغنّى بدموع الفرح، ومدينة بأكملها تعرف أن التاريخ عاد إلى بيته… وأن تلك الليلة بدأت بابتسامة لاعب رفض الخروج، فغيّر كل شيء.

أثر الفراشة: كيف كان سيتغير عالم كرة القدم؟

عندما نتحدث عن "أثر الفراشة"، فنحن نعني كيف يمكن لحدث واحد بسيط مثل بقاء صلاح في الملعب أن يغير مجرى التاريخ الكروي بأكمله. في هذا العالم الموازي، لم يكن فوز ليفربول مجرد لقب إضافي يوضع في الخزائن، بل كان "زلزالاً" أعاد ترتيب موازين القوى في القارة العجوز.

لم يكن الفوز مجرد كأس يُرفع، بل حجر دومينو أول سقط بهدوء… ثم تتابعت السقوطات.

ليفربول وصلاح: الكرة الذهبية تطرق باب العرب

بفوز ليفربول بلقب دوري الأبطال في 2018، تحول محمد صلاح من مجرد نجم متألق إلى المرشح الأول والوحيد لنيل جائزة الكرة الذهبية (Ballon d'Or)، تخيلوا المنصة في باريس؛ صلاح يقف ببدلته الرسمية حاملاً الكرة الذهبية كأول عربي في التاريخ يحقق هذا الإنجاز، متفوقاً على لوكا مودريتش وكريستيانو رونالدو وانطوان جريزمان بطل العالم، لم يكن اي منهم أن يصمد أمام "إعصار" صلاح الذي جمع بين اللقب القاري وتحطيم الأرقام القياسية في البريميرليغ بـ 32 هدفاً.

هذا اللقب كان سيمنح ليفربول عقلية "البطل المهيمن"، في وقتٍ أبكر مما حدث فعليًا؛ عقلية لا تكتفي بالمنافسة، بل تفرض السيطرة. بدخوله موسم 2019 بصفته بطل أوروبا، كان الفريق سيبدأ صراع الدوري بثقة أعلى وحدّة أشد، وربما يُحكم قبضته مبكرًا على مانشستر سيتي ويقلب ميزان الهيمنة المحلية لسنوات. ومع هذه الذهنية، لم يكن الهدف التتويج مرة واحدة فحسب، بل الخروج للدفاع عن اللقب القاري، وتكريس وجوده قوةً أوروبية ثابتة لا ضيفًا عابرًا على القمة.

ريال مدريد وكريستيانو رونالدو: نهاية حقبة بسلام

على الجانب الآخر في "سانتياغو برنابيو"، لم تكن الخسارة لتمثل كارثة وجودية كما نتخيل، كان سيخرج من المشهد بأقل قدر من القسوة؛ نعم، ضاع حلم الثلاثية المتتالية، لكن الفوز بلقبين متتاليين (2016 و2017) يمنح رصيدًا من الرحمة لا تشتريه النتائج وحدها وجعل الجماهير والإعلام في حالة رضا نسبي ورحمة تجاه زيدان ولاعبيه. خسارة النهائي أمام نسخة ليفربول "الخارقة" كانت ستُقبل كجزء من منطق كرة القدم.

أما عن كريستيانو رونالدو، فالحقيقة أن رحيله إلى يوفنتوس كان قد كُتبت فصوله خلف الكواليس لأسباب مادية وخلافات مع بيريز، وهي أسباب لا ترتبط بنتيجة مباراة واحدة. رحل "الدون"، لكنه رحل والجمهور يودعه بامتنان كبطل خسر بشرف في النهائي الأخير، لقد كان الفارق الوحيد هو أن ريال مدريد كان سيبدأ عملية "الترميم" بهدوء أكبر، بعيداً عن صخب الاحتفالات التي غطت على عيوب الفريق الفنية آنذاك.

حين تصنع اللحظة إنسانًا.. ووقودًا للمجد

ربما لم يحدث هذا السيناريو الوردي أبدًا، وربما انتهت ليلة كييف بكل تفاصيلها القاسية كما نعرفها جميعًا. لكن التفكير في "ماذا لو؟" لا يهدف لتغيير الماضي بقدر ما يهدف لفهم هشاشة اللحظة التي قد تقلب موازين التاريخ.

في تلك الليلة، لم يخسر محمد صلاح مجرد مباراة نهائية، بل خسر فرصة أن تكون حكايته كاملة بلا ثقوب؛ خسر لحظة التتويج بـ "البالون دور" وهو في قمة توهجه.

لقد فقد ليفربول محركه الأول في وقت لم يكن يمتلك فيه بديلاً يعوضه على الإطلاق، وعلى النقيض تمامًا، كانت دكة بدلاء ريال مدريد تعج بالحلول؛ حيث نزل جاريث بيل ليحسم النهائي بهدفين منهما مقصية أسطورية قتلا أحلام "الريدز". الحقيقة المرة هي أن كرة القدم، تمامًا مثل الحياة، لا تعترف دائمًا بالنوايا، بل تعترف بمن يمتلك النفس الأطول فوق العشب الأخضر.

لكن، لأن كرة القدم لا تُقاس بما سُلب منك، بل بما تفعله بعد أن تُسلب، قررت الحياة أن تكون عادلة في النهاية. تلك الدموع الساخنة التي بللت وجه صلاح في أوكرانيا لم تذهب سُدى، بل كانت "الوقود" الحقيقي الذي صنع منه أسطورة حية لا تقبل الانكسار. عاد الملك المصري من الإصابة، محطماً قيود الألم واليأس، ليقود ليفربول في رحلة "انتقام" كروية في عام 2019، ويرفع الكأس ذات الأذنين في قلب مدريد، وكأن القدر أراد أن يعوضه في عقر دار خصمه.

ربما خسر صلاح معركة كييف، لكنه كسب "حرب الخلود" في قلوب الملايين. فاز بالحب، بالوفاء، وباللقب الذي استحقته مثابرته في النهاية، ليثبت للعالم أجمع أن "الملك" قد يسقط ويُصاب ويُخذل، لكنه أبداً لا ينكسر مادامت الروح تنبض بالرغبة في العودة.

والآن، دعنا نسأل أنفسنا بصدق: هل كان فوز صلاح في 2018 سيكون بنفس طعم المجد والدراما التي حققها في 2019 بعد كل هذا العناء، أم أن الألم هو من يصنع لذة الانتصار؟

تعليقات