هذا التاريخ الحافل بالانقلابات يمثل اليوم بصيص أمل لكل مشجع
يرى فريقه متعثراً؛ فهي رسالة تفاؤل لجماهير تشيلسي ومانشستر سيتي وغيرهم، مفادها أن
الكبرياء الكروي قادر على هدم أي فارق في الأهداف، فإذا كان التاريخ قد كُتب بأقدام
من رفضوا الاستسلام، فمن نحن لنضع حدوداً للممكن؟ في الجزء الثاني من سلسلتنا، نستعرض
ملاحم سقط فيها الجبابرة وارتفع فيها شأن من آمنوا بالمعجزة.
روما ضد برشلونة (2018): حين اهتزت
الأرض تحت أقدام ميسي
في ربع نهائي نسخة 2017-2018، دخل برشلونة مواجهة "الأوليمبيكو"
وهو يضع قدماً ونصف في نصف النهائي بعد فوزه ذهاباً في "كامب نو" بنتيجة
4-1، الفارق ثلاثة أهداف، والخصم هو روما، والفريق يمتلك ليونيل ميسي؛ كل المعطيات
كانت تشير إلى ليلة هادئة وروتينية للنادي الكتالوني، لكن العاصمة الإيطالية كانت تجهز
"بركاناً" لم يقرأه أحد في كتب التكتيك.
بدأت ملامح الكارثة قبل أن تنطلق صافرة الإياب، وتحديداً في
المؤتمر الصحفي للمدرب إرنستو فالفيردي الذي أطلق تصريحاً غريباً ومثيراً للجدل بعد
لقاء الذهاب حين قال:
"كنت أفضل أن تنتهي المباراة بنتيجة 3-0
على أن تنتهي 4-1!"
كان تصريحاً يحمل نبرة انهزامية وقلقاً غير مبرر لفريق يدخل
المباراة بفارق مريح، وهذا ما انعكس حرفياً على أرض الملعب منذ الدقيقة الأولى، دخل
برشلونة اللقاء بتراجع دفاعي مبالغ فيه، وفقدان تام للسيطرة على وسط الميدان، مما منح
"ذئاب روما" الثقة لشن هجوم كاسح، وفي الدقيقة 6 فقط، أشعل إدين دجيكو الحماس
بتسجيل الهدف الأول، ليرتفع ضجيج "الأوليمبيكو".
انتهى الشوط الأول بهدف نظيف،
إلا أن فالفيردي لم يغير شيئاً، واستمر في نهجه الحذر الذي تحول
إلى رعب حقيقي مع انطلاق الشوط الثاني، وفي الدقيقة 58، احتسب الحكم ضربة جزاء انبرى
لها القائد دانييلي دي روسي ليسجلها بنجاح، ومعها بدأ الارتجاف يظهر في أقدام لاعبي
البارسا.
وفي الدقيقة 82، حدث ما لم يكن يتخيله عقل؛ ارتقى المدافع اليوناني
كوستاس مانولاس فوق الجميع ليضع الكرة برأسه في الشباك، معلناً فوز روما 3-0 وتأهلاً
إعجازياً بقاعدة الأهداف خارج الأرض.
"روما نهضت
من حطامها،، اليوناني الإلهي يغزو أوليمبوس الكامب نو!"
هذه العبارة الشهيرة للمعلق بيتر دروري
لخصت ليلةً لا تُنسى، حيث حقق روما عودةً تاريخيةً ليُقصي برشلونة من ربع النهائي.
موسم
2018-2019: الموسم الأجن في تاريخ "ذات الأذنين"
إذا أردنا تسمية موسم واحد بلقب "موسم الريمونتادا"،
فلن نجد غير نسخة 2018-2019؛ فهي البطولة الأطول نفساً والأكثر جنوناً، حيث شهدت تحولات
درامية بدأت من دور الـ16 ولم تنتهِ إلا في الأمتار الأخيرة، خلال أسابيع قليلة فقط،
شاهد العالم سلسلة من العودات التي كسرت كل التوقعات، وأثبتت أن كرة القدم في هذا الموسم
قررت التمرد على المنطق وإخضاع الكبار لمعجزات الصغار.
اليوفي ضد أتلتيكو: رونالدو
والوعد المقدس
في دور الـ16 من نسخة 2019، اصطدم يوفنتوس الإيطالي بجدار
"واندا ميتروبوليتانو" الصلب؛ حيث خسر ذهاباً بنتيجة 2-0 أمام أتلتيكو مدريد
بقيادة دييغو سيميوني، الهزيمة لم تكن قاسية رقمياً فحسب، بل كانت محبطة فنياً أمام
فريق يُعد الأقوى دفاعياً في أوروبا، والجميع ظن أن مشوار "السيدة العجوز"
قد انتهى قبل أن يبدأ.
غادر النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو ملعب اللقاء وسط صيحات
استهجان الجماهير، لكنه لم يخرج صامتاً؛ بل مر بالمنطقة الإعلامية المختلطة رافعاً
يده بإشارة الرقم "خمسة" في وجه الصحفيين، في إشارة إلى كؤوسه الخمسة في
دوري الأبطال مقابل صفر لأتلتيكو، كانت تلك الإشارة بمثابة "وعد مقدس" لجمهور
اليوفي بأن القصة لم تنتهِ فصولها بعد.
وفي تورينو، كان الحماس قد بلغ ذروته؛ نجح رونالدو في شحن جماهير
"أليانز ستاديوم" بطاقة هائلة من الإيمان والتشجيع، وفي الدقيقة 27، ارتقى
"صاروخ ماديرا" فوق الجميع ليفتتح التسجيل برأسية متقنة، منهياً الشوط الأول
بإنجاز 50% من مشوار العودة.
لم تمر سوى 3 دقائق فقط على انطلاقة الشوط الثاني، حتى عاد رونالدو
وبنفس السلاح (الرأس) ليسجل الهدف الثاني ويعادل النتيجة الإجمالية، واضعاً سيميوني
ورجاله في حيرة تامة، وقبل نهاية اللقاء بـ 5 دقائق، وبينما كانت المباراة تتجه للأشواط
الإضافية، تحصّل اليوفي على ركلة جزاء، انبرى لها رونالدو بهدوء الأعصاب المعتاد ليضع
هدف الصعود القاتل محققاً "الهاتريك"
خرج "الدون" عن صمته بعد اللقاء بتصريح لخص فيه كل
شيء قائلاً:
"كانت ليلة خاصة، ليس فقط بسبب الأهداف، بل
بسبب العقلية، ربما لهذا السبب وقعوا معي، لأساعد الفريق في مثل هذه الليالي السحرية"
لقد أثبت رونالدو في تلك الليلة أن الريمونتادا ليست مجرد أهداف،
بل هي "عقلية بطل" يرفض الانكسار حتى أمام أكثر الدفاعات تنظيماً في العالم.
مانشستر يونايتد ضد باريس سان
جيرمان: زلزال في حديقة الأمراء
في دور الـ16 من نسخة 2019، بدا أن رحلة مانشستر يونايتد الأوروبية
قد انتهت إكلينيكياً في "أولد ترافورد"؛ خسارة بثنائية نظيفة على الأرض،
وغياب النجم الأول بول بوغبا للإيقاف، وقائمة إصابات طويلة أجبرت المدرب المؤقت
"أوليه جونار سولشاير" على السفر إلى باريس بمجموعة من الشباب والناشئين،
في المقابل، كانت باريس تتأهب للاحتفال بتشكيلة مدججة بالنجوم يقودها توماس توخيل،
بأسماء مثل مبابي، ودي ماريا، وداني ألفيس، وتياغو سيلفا.
لم يكن أحد يتصور أن هناك ذرة من الأمل، لكن "سولشاير"
—الرجل الذي كتب أعظم ريمونتادا في تاريخ النادي كلاعب عام 1999— دخل اللقاء بعقلية
"الشياطين الحمر" التي لا تعرف الاستسلام.
بدأ اللقاء بسيناريو حالم؛ خطأ فادح من الدفاع الباريسي استغله
روميلو لوكاكو ليفتتح التسجيل في الدقيقة الثانية، ورغم تعادل "بيرنات" السريع
لباريس، إلا أن اليونايتد ظل صامداً بذكاء، وفي الدقيقة 30، ارتكب الحارس الأسطوري
بوفون خطأً غير معتاد، ليقتنص لوكاكو الهدف الثاني ويضع النتيجة على كف عفريت.
انحبست الأنفاس طوال الشوط الثاني، وباريس تسيطر وتضيع الفرص،
واليونايتد ينتظر "اللحظة المقدسة"، وفي الدقيقة 90+4، احتسب الحكم ضربة
جزاء بعد العودة لتقنية الفار، انبرى لها الشاب ماركوس راشفورد بقلب من حديد، ليسجل
أول ركلة جزاء رسمية له مع النادي معلناً فوز اليونايتد 3-1 وصعوداً تاريخياً زلزل
أركان "حديقة الأمراء".
توتنهام ضد أياكس: الشوط الذي
قلب الموازين
في نفس الأسبوع الذي شهد زلزال "الأنفيلد" بين ليفربول
وبرشلونة، كانت العاصمة الهولندية أمستردام على موعد مع دراما زمنية تفوق الخيال.
دخل أياكس، "الحصان
الأسود" الذي أقصى ريال مدريد ويوفنتوس، مواجهة الإياب وهو منتشٍ بفوزه ذهاباً
في لندن بنتيجة 1-0، وبحلول نهاية الشوط الأول في ملعب "يوهان كرويف أرينا"،
كانت النتيجة تشير لتقدم أياكس بـ 2-0 (مجموع 3-0)؛ الجماهير كانت تحتفل بالفعل، واللاعبون
الشباب يتبادلون الابتسامات، والجميع ظن أن الرحلة نحو نهائي "مدريد" قد
حُسمت.
ما حدث في الشوط الثاني كان تمرداً صريحاً على المنطق؛ حيث تحول
البرازيلي لوكاس مورا إلى "إعصار" لا يبقي ولا يذر، في الربع ساعة الأول
من الشوط الثاني، سجل مورا هدفين سريعين أعادا إحياء الأمل في عروق "السبيرز"،
لكن الدقائق مرت ثقيلة وبدا أن أياكس سيعبر رغم ذلك.
وفي اللحظة التي كان فيها الحكم يستعد لرفع صافرته لينهي القصة
عند الدقيقة 90+6، حدث الانفجار الأكبر؛ استقبل مورا كرة داخل المنطقة وسددها زاحفة
في الشباك محققاً "هاتريك" تاريخي.
الصدمة كانت مرعبة، فوفقاً للإحصائيات، كان أياكس يملك نسبة
تأهل تفوق 97% عند الدقيقة 50، لكن توتنهام نجح في تسجيل 3 أهداف في 45 دقيقة فقط ليخطف
تذكرة النهائي بمجموع (3-3) وقاعدة الأهداف خارج الأرض.
الخاتمة: الأمل لا يموت في الـ
90 دقيقة
جمال دوري أبطال أوروبا يكمن في "اللامنطق"، الريمونتادا
ليست مجرد أرقام تُعوض، بل هي قصة إيمان تبدأ حين يظن الجميع أن كل شيء قد انتهى، من
روما التي هزت عرش ميسي، إلى رونالدو الذي أوفى بوعده، وصولاً إلى زلزال باريس ومعجزة
مورا؛ كلها رسائل تفاؤل لكل من يرى فريقه متأخراً.
الأمل موجود دائماً، والـ 90 دقيقة هي وقت طويل جداً بمقاييس
الإرادة، ستبقى هذه الملاحم هي الوقود الذي يشعل حماسنا، والذكرى التي تذكرنا دائماً
بأن المعجزات لا تحدث للمتفرجين، بل لأولئك الذين يركضون خلف أحلامهم حتى الرمق الأخير.
ومع اقتراب الحسم في النسخة الحالية، يبقى السؤال الذي يراود
كل مشجع: بناءً على ما شاهدناه من جنون في تاريخ هذه البطولة،، هل نتصور وجود
"ريمونتادا" جديدة هذا الأسبوع في دور الـ 16 من دوري أبطال أوروبا تعيد
ترتيب الأوراق من جديد؟
المصادر
3- مانشستر يونايتد ضد
باريس سان جيرمان (2019)