ماذا لو.. لم يعتزل ماركو فان باستن مبكرًا في سن الـ 28؟

ماذا لو.. لم يعتزل ماركو فان باستن مبكرًا في سن الـ 28؟

                        قصة تخيلية مؤثرة في سلسلة “ماذا لو؟”: ماذا لو لم يعتزل ماركو فان باستن في سن 28؟ كيف كان يمكن أن يتغير تاريخ ميلان وكرة القدم الأوروبية؟

ليلة الوداع الحزين

في صيف عام 1995، وتحديداً في ملعب "سان سيرو"، توقفت الأنفاس، لم يكن هناك صخب أهداف، بل صمت جنائزي مهيب، نزل رجل طويل القامة، يرتدي "جاكيتاً" بنياً عادياً، لا قميصًا رياضيًا ولا حذاءً لكرة القدم كان يمشي ببطء، يلوح للجماهير بيده اليمنى، لم يفهم الكثيرون في البداية ماذا يحدث؛ كان ماركو فان باستن في سن الـ 31 وقتها (لكنه توقف عن اللعب فعلياً من حوالي سنتين) سن النضج، سن الانفجار.. فلماذا يودعنا الآن؟

في ذلك اليوم، أعلن فان باستن اعتزاله كرة القدم، ليس لأنه فقد موهبته، ولا لأنه تقدّم في العمر… بل لأن جسده لم يعد يحتمل الألم.    

كانت تلك اللوحة هي الأكثر مأساوية في تاريخ "الروسونيري" فابيو كابيلو، المدرب الصارم، بكى كالطفل، الجماهير التي اعتادت رؤية "البجعة" وهي تحلق وتسجل من زوايا مستحيلة، كانت تشاهد الآن جسداً خذله الكاحل، وعقلاً يرفض التصديق، والسؤال الذي ظل عالقاً في حناجر الملايين لثلاثة عقود:

ماذا لو لم يعتزل فان باستن؟ ماذا لو كانت تلك الجراحة الأخيرة هي "المعجزة" التي أعادته لنا؟

الحقيقة المرة: من أياكس إلى كابوس ميونخ

قبل أن يغرق العالم في ذهول "الجاكيت البني"، كانت هناك أقدام ترسم الموسيقى على العشب، لم يكن ماركو فان باستن مجرد مهاجم يسكن الشباك، بل كان "نبوءة" كروية تحققت في ملاعب أمستردام وميلانو، ولد ماركو ليكون مختلفاً، يمتلك قواماً فارعاً يمنحه الهيبة، ولمسة مخملية تجعله يبدو وكأنه يرقص بالكرة وسط غابة من السيقان.

مدرسة أياكس: خليفة كرويف الذي أبهر أستاذه

في أكاديمية أياكس العريقة، لم تكن الموهبة بحاجة لعين خبيرة لتكتشفها، كان ماركو هو "الفتى الذهبي" الذي يجمع بين القوة الجسمانية والذكاء التكتيكي النادر، في تلك الفترة، كان الأسطورة يوهان كرويف يرى في ماركو امتداداً لعبقريته، بل ربما النسخة الأشرس تهديفياً من "الكرة الشاملة".

لم يلعب فان باستن كرة القدم في أياكس، بل كان يمارس الفن؛ أهداف من مقصيات هوائية، ومراوغات في مساحات ضيقة تجعل المدافعين يبدون كالهواة، وبعد 6 سنوات مع أياكس رحل عن هولندا وهو يحمل لقب "الهداف الأبدي"، تاركاً خلفه ذكريات لمشجعين لم يصدقوا أن بشراً يمكنه تطويع الكرة بتلك السهولة.

ميلان والجنون الإيطالي: المثلث الذي حكم القارة

في عام 1987، حزم ماركو حقائبه نحو "الكالتشيو"، الدوري الأصعب والأكثر قسوة في العالم آنذاك هناك في ميلان، لم يكن ماركو وحيداً، بل كان رأس الحربة في "المثلث الهولندي المرعب" بجانب رود خوليت وفرانك ريكارد، تحت قيادة أريغو ساكي، تحول ميلان إلى إمبراطورية كروية لا تغيب عنها الشمس.

في إيطاليا، حيث الدفاع هو مسألة حياه أو موت، كان فان باستن هو الوحيد الذي يملك مفاتيح كل الأبواب المغلقة، لم تكن أهدافه مجرد كرات تعانق الشباك، بل كانت لحظات من "التنوير" الكروي، فاز بالدوري الإيطالي وسط صراعات طاحنة مع مارادونا وفيراري وكاريكا، وحمل دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين، مؤكداً أن "البجعة" هي من تملي شروط اللعب في القارة العجوز.

يورو 1988: عندما توقف الزمن في ميونخ

في نهاية الثمانينيات، كانت هولندا تعيش جيلًا استثنائيًا من اللاعبين، منتخب لم يكن فقط فريقًا قويًا… بل كان يحمل إرث “الكرة الشاملة” التي أسسها كرويف، وفي قلب هذا الفريق، كان فان باستن.

لم يكن مجرد رأس حربة ينتظر الكرة، كان جزءًا من منظومة هجومية تتحرك كأنها قطعة موسيقية متناغمة، عندما يستلم الكرة، تشعر الجماهير أن شيئًا غير متوقع قد يحدث، تسديدة مفاجئة، لمسة ذكية، أو حركة تترك المدافعين في حالة ارتباك.

في نهائي يورو 1988 أمام الاتحاد السوفيتي، تلك التسديدة "المستحيلة" من زاوية ميتة، الكرة التي ارتفعت في السماء ثم سقطت كالصاعقة في شباك داساييف، في تلك اللحظة، لم يسجل ماركو هدفاً فحسب، بل وقع على صك دخوله الخلود الرياضي، مانحاً هولندا لقبها الوحيد والمنشود، ومثبتاً للعالم أن المستحيل ليس سوى كلمة في قاموس الضعفاء.

الظل الثقيل: بداية الكابوس الجسدي

بينما كان ماركو يعتلي العروش، كان هناك "عدو خفي" ينهش في كاحله، بدأت الإصابة اللعينة تظهر كظلال خفيفة في مباريات الدوري، ضربات متتالية من مدافعين لم يجدوا وسيلة لإيقافه سوى العنف، كان ماركو يلعب والألم يمزقه، يخفي أوجاعه خلف ابتسامته الهادئة وأهدافه القاتلة.

دخل ماركو في دوامة العمليات الجراحية، وكان العالم يراقب بقلق تلك القدم الذهبية وهي توضع تحت المشرط مرة تلو الأخرى، كانت الحقيقة المرة تقترب؛ الجسد الذي منحه القدرة على التحليق، هو نفسه الذي بدأ يسحبه نحو الأرض بقسوة، لتبدأ فصول النهاية التراجيدية لواحد من أمتع من لمس كرة القدم عبر التاريخ.

المعجزة الطبية: ليلة عودة "البجعة" لغزو القارة

في ربيع عام 1994، حدث ما لم يتوقعه أكثر المتفائلين في ميلانو؛ أعلن الطاقم الطبي للروسونيري أن "المعجزة" قد تمت، وأن كاحل ماركو فان باستن قد استعاد متانته الفولاذية، لم تكن مجرد عودة لاعب، بل كانت استعادة لروح الفريق، وفي ليلة نهائي دوري أبطال أوروبا التاريخية في أثينا أمام "فريق الأحلام" لبرشلونة بقيادة كرويف، قرر فابيو كابيلو إشراكه، لم يكن مجرد تبديل عادي، بل كان عودة بطل إلى المسرح الذي خُلق له، تحركاته داخل منطقة الجزاء أعادت الهيبة لهجوم ميلان، ولمسته الأولى ذكّرت الجميع لماذا كان أحد أخطر المهاجمين في العالم، في تلك الليلة التاريخية شارك في الرباعية التي أسقطت برشلونة، ولم يكن الهدف فقط في النتيجة، بل في الرسالة: فان باستن عاد.

صيف 1994: زلزال "هولندي" في الأراضي الأمريكية

بعد تلك الليلة، بدأ يستعيد إيقاعه مباراة بعد أخرى، الدقائق القليلة تحولت تدريجيًا إلى مباريات كاملة، ومع كل مباراة كانت ملامح المهاجم القديم تعود؛ التحرك الذكي، اللمسة الهادئة، والقدرة الغريبة على الظهور في المكان المناسب في اللحظة الحاسمة.

ومع اقتراب كأس العالم 1994 أعلن المدرب ديك أدفوكات قائمة هولندا، وكان اسم فان باستن فيها كأنه إعلان عن عودة زمن كامل من كرة القدم الجميلة، هناك تشكّل ثنائي هجومي مذهل مع الشاب الأنيق دنيس بيركامب ؛ الذي يتحرك بين الخطوط بذكائه المعتاد، وفان باستن ينتظر اللحظة التي تنتهي فيها الهجمة داخل الشباك، وعندما واجه المنتخب الهولندي العملاق البرازيلي في ربع النهائي ، بدا واضحًا أن وجود مهاجم هداف بحجمه يمنح الفريق شخصية مختلفة تمامًا؛ مدافعو البرازيل لم يواجهوا مجرد مهاجم، بل لاعب يعرف كيف يحوّل نصف الفرصة إلى لحظة تاريخية.

أرقام مرعبة وتحطيم أسطورة الكالتشيو وأوروبا

عاد ماركو إلى إيطاليا بشغف لا يهدأ، وبدأت عدادات الأهداف تعمل بلا توقف، لم تعد الـ 90 هدفاً في 147 مباراة سوى ذكرى قديمة؛ فمع ابتعاد شبح الإصابات، تحول فان باستن إلى "آلة تهديفية" حطمت كل الأرقام القياسية في تاريخ الكالتشيو، أصبح الهداف التاريخي للدوري الإيطالي في عصره الذهبي، متجاوزاً أعتى المدافعين.

ولم تكتفِ خزائن ميلان بلقب أوروبي رابع، بل بوجوده، حصد "الروسونيري" اللقب الخامس في منتصف التسعينات، ليرسخ ميلان كإمبراطورية كروية لا تُقهر بفضل قدم فان باستن التي لا تخطئ الشباك.

استمر ماركو في التحليق، يروض الكرة كأنها جزء من جسده، ويسجل من زوايا تجعل الفيزياء تبدو عاجزة عن التفسير، كان مشهده وهو يرفع الكؤوس تلو الأخرى، والكرة الذهبية الرابعة والخامسة بين يديه، هو المشهد الطبيعي لنهاية التسعينات، لقد عاش العالم عقداً كاملاً من السحر الخالص، حيث لم يكن هناك مدافع في العالم يجرؤ على النوم هادئاً قبل مواجهة "البجعة".

هكذا استمرت القصة كما كان يجب أن تكون؛ مهاجم عظيم يكتب نهاية كاملة لمسيرته بدل النهاية المفاجئة التي عرفها التاريخ… لكن عندما ينظر عشاق كرة القدم إلى الحقيقة ويتذكرون الاعتزال المبكر لذلك العبقري الهولندي، يبقى السؤال الذي لا يتوقف عن الظهور: ماذا لو؟


تعليقات