جوست فونتين… الرجل الذي سجّل 13 هدفاً في مونديال واحد ثم اختفى!

جوست فونتين… الرجل الذي سجّل 13 هدفاً في مونديال واحد ثم اختفى!

: في صيف 1958، سجّل جوست فونتين 13 هدفاً في مونديال واحد بـ حذاء مستعار. رقم لم يُكسر في 17 نسخة. لكن الجيل الحالي لا يعرفه. اكتشف قصة أعظم مهاجم في تاريخ كأس العالم.

كل أربع سنوات، يعود كأس العالم وتعود معه أسماء الأساطير، الكل يعرف كلوزه، الرجل الذي جاء في صيف 2014 بمونديال البرازيل، وسجّل هدفه السادس عشر ليكسر رقم الظاهرة الذي ظنّ الجميع أنه محصّن إلى الأبد، والكل يعرف رونالدو الظاهرة حيث المراوغات، البسمة العريضة، 15 هدفاً في أربعة مونديالات، رقمٌ كان يبدو كالجبل حتى أطاح به الألماني.

والكل يعرف غيرد مولر"القنبلة" الألمانية، 10 أهداف في مونديال 1970 وحده، رجلٌ بنى أسطورته داخل منطقة الجزاء بدقة جرّاح، وبالتاكيد ميسي الأفضل في التاريخ، 13 هدفاً موزّعة على خمسة مونديالات، توّجها بكأس 2022 ليُكمل الحكاية التي أراد الجميع أن تنتهي هكذا.

لكن بين كل هذه الأسماء يوجد رجل حقق رقمًا لم يستطع أي واحد منهم الوصول إليه، رجل سجل 13 هدفًا في نسخة واحدة من كأس العالم، ليس خلال أربع بطولات ولا خلال عشرين عامًا بل خلال ست مباريات فقط.

منذ صيف 1958 وحتى اليوم، مرّت أجيال كاملة من المهاجمين، سقطت أرقام قياسية كانت تبدو أبدية، وتحطمت أساطير ظن الجميع أنها خالدة، لكن رقم فونتين بقي واقفًا وحده في القمة، كأنه يتحدى الزمن نفسه، ومع ذلك، لو سألت أغلب جماهير الكرة الحديثة عنه، ربما لن يعرفوا حتى وجهه.

هنا تبدأ حكاية جوست فونتين،،، أول أساطير المونديال المنسيين!

من مراكش إلى فرنسا | رحلة الصعود الهادئ

ولد عام 1933 لأب فرنسي وأم إسبانية، وعاش طفولة مشاغبة جعلت المدرسة تعتبره مصدرًا دائمًا للمشاكل، كان يهرب من الدروس أكثر مما يحضرها، ويتسلل للعب الكرة في الشوارع والساحات الترابية، في سن السابعة عشرة كان يسجل الأهداف بغزارة في الدوري المغربي، حتى بدأت الأندية الفرنسية تراقبه عن قرب.

نيس والبداية الأوروبية

بعد ثلاث سنوات قضاها في الدار البيضاء، انتقل فونتين إلى فرنسا ليوقّع مع نيس، وهي خطوة كانت بمثابة القفز من عالم إلى آخر تماماً، الكرة الفرنسية في الخمسينيات كانت أكثر تنظيماً وأشد إيقاعاً، وكانت الاختبار الحقيقي لمعرفة هل الموهبة المغربية ستصمد أم تتلاشى.

صمدت، وأكثر من ذلك

في عمر العشرين، خاض فونتين مباراته الأولى مع المنتخب الفرنسي، فسجّل فوراً هاتريك أمام لوكسمبورغ في فوز كاسح بثمانية أهداف مقابل صفر، لم يكن هذا صدفة، كان إعلاناً.

لم يكن الأسرع، ولم يكن الأقوى بدنيًا، لكنه امتلك شيئًا لا يُشترى ولا يُدرّس، حاسة التهديف، القدرة على التواجد في المكان المناسب قبل الجميع بثانية، الكرة كانت تجد طريقها إليه بطريقة غريبة، وكأنها تعرف مسبقًا أين سينهي الهجمة.

ريمس… حيث وُلدت الأسطورة

الانتقال إلى ستاد ريمس كان المحطة التي حوّلت فونتين من مهاجم جيد إلى مهاجم استثنائي،، كانت ريمس في تلك الحقبة واحدة من أقوى الأندية الأوروبية، وكان فونتين عقلها الهجومي ومحركها الأول.

في موسم 1957-58، قبل مونديال السويد مباشرة، أحرز فونتين 34 هدفاً ليتوّج بلقب هداف الدوري الفرنسي، كان في أوج عطائه، كان جاهزاً، لكن لم يكن يعلم أن أجمل فصل في حياته على وشك أن يُكتب.

مونديال 1958،،، أعظم شهر في تاريخ مهاجم

في صيف عام 1958، وصل منتخب فرنسا إلى السويد وهو لا يُصنف بين المرشحين الكبار للفوز بكأس العالم، كانت الأنظار تتجه نحو البرازيل الشابة التي يقودها فتى اسمه بيليه، وإلى ألمانيا الغربية حاملة اللقب، بينما كان اسم فونتين مجرد مهاجم جيد يعرفه متابعو الدوري الفرنسي أكثر مما يعرفه العالم.

الأكثر غرابة أن فونتين نفسه لم يكن يتوقع أن يصبح بطل الحكاية.

قبل انطلاق البطولة بأيام قليلة، تعرض زميله في ريمس ومنتخب فرنسا رينيه بليار لإصابة أبعدته عن التشكيلة الأساسية، فوجد فونتين نفسه أمام فرصة لم يكن ينتظرها، وكأن القدر كان يزيح الستار تدريجياً عن بطل مجهول يستعد لكتابة أحد أعظم الفصول في تاريخ كرة القدم.

ثم جاءت المصادفة التي جعلت القصة أكثر غرابة، خلال المعسكر التدريبي تعرض حذاؤه للتلف، واضطر إلى استعارة حذاء من زميله ستيفان بروي، لم يكن يدرك وقتها أن ذلك الحذاء المستعار سيصبح جزءاً من أسطورة كروية ستعيش لعقود طويلة.

الرجل الذي سيصنع أعظم رقم في تاريخ كأس العالم… دخل الملعب بحذاء ليس حذاءه!

ست مباريات،،، وثلاثة عشر هدفاً غيّرت التاريخ

لم يكن ما فعله فونتين مجرد حصيلة تهديفية استثنائية، بل كان رحلة متصاعدة من الجنون الكروي، مباراة بعد أخرى:

·        المباراة الاولي: فرنسا 7-3 باراغواي، البداية كانت صاخبة، سجّل فونتين ثلاثة أهداف (هاتريك) وأعلن نفسه للعالم بطريقة لا يمكن تجاهلها،

·        المباراة الثانية: فرنسا 2-3 يوغوسلافيا رغم الخسارة، واصل التسجيل، أحرز هدفين جديدين وأكد أن ما حدث في المباراة الأولى لم يكن صدفة،

·        المباراة الثالثة: فرنسا 2-1 اسكتلندا سجل هدفاً حاسماً منح فرنسا بطاقة العبور إلى ربع النهائي، رافعاً رصيده إلى ستة أهداف في ثلاث مباريات فقط،

·        المباراة الرابعة: فرنسا 4-0 أيرلندا الشمالية أضاف هدفين جديدين في ربع النهائي، ليصبح على بعد خطوات قليلة من دخول كتب التاريخ،

·        المباراة الخامسة: فرنسا 2-5 البرازيل في نصف النهائي أمام منتخب بيليه، سجل فونتين، وأعطى فرنسا أملاً حقيقياً، لكن إصابة قائد الفريق روبير جونكيه جعلت فرنسا تُكمل النصف الثاني بعشرة لاعبين فقط (بسبب عدم السماح بالتبديلات وقتها)، وكان ذلك ثمناً باهظاً جداً، انتهت المباراة بخماسية برازيلية، الحلم انكسر، لكن فونتين كان قد سجّل، وأثبت انه قادر على التسجيل حتى أمام أقوى فرق العالم،

·        المباراة الاخيرة: فرنسا 6-3 ألمانيا الغربية هنا تحولت البطولة إلى أسطورة خالدة، دخل المباراة وهو يحتاج هدفين فقط لمعادلة الرقم القياسي المسجل آنذاك باسم المجري شاندور كوتشيش، لكنه لم يكتفِ بالمطاردة، بل حطم الرقم بالكامل بتسجيل أربعة أهداف دفعة واحدة، لينهي البطولة بـ13 هدفاً في ست مباريات فقط.

وعندما غادر السويد، لم يكن هناك حذاء ذهبي يُمنح له، ولم تكن الجوائز الفردية تحظى بالاهتمام الحالي، كل ما حصل عليه كان بندقية تذكارية قدمتها له إحدى الصحف السويدية باعتباره أفضل "قناص" في البطولة.

أما الجائزة الحقيقية، فقد كانت شيئاً آخر تماماً،،،

رقماً خالداً ما زال يقف شامخاً فوق تاريخ كأس العالم حتى اليوم!

لماذا جوست فونتين "أسطورة ظل"؟

المفارقة القاسية أن البطولة نفسها التي صنعت جاست فونتين،،، صنعت أسطورة أكبر منه في الذاكرة الجماعية، في صيف 1958، كان العالم يشاهد مهاجماً فرنسياً يمطر الشباك بلا رحمة، هدف وراء هدف، ومباراة وراء أخرى، حتى وصل إلى رقم بدا مستحيلاً: 13 هدفاً في نسخة واحدة من كأس العالم.

لكن على الجانب الآخر من المشهد، كان هناك فتى برازيلي في السابعة عشرة من عمره يُدعى بيليه، فازت البرازيل بالكأس، وولد عصر بيليه.

وكما يحدث كثيراً في كرة القدم، ابتلع البطل كل الأضواء، بقيت صور بيليه وهو يبكي حاملاً الكأس خالدة في ذاكرة العالم، بينما تراجع صاحب الثلاثة عشر هدفاً إلى الصفوف الخلفية للتاريخ، لم يكن ذلك ظلماً متعمداً، بل إحدى قسوات اللعبة؛ فالتاريخ غالباً يتذكر من رفع الكأس أكثر ممن صنع الأرقام.

حين سرقت الإصابات بقية القصة

بعد أربع سنوات فقط من ذلك الصيف السويدي، اضطرّ فونتين إلى الاعتزال وهو في الثامنة والعشرين من عمره، إصابات متكررة في الساق والكاحل لم تمنحه فرصة الوداع الذي يستحقه، لم يلعب مونديالاً ثانياً، لم تُتَح له فرصة تحويل رقمه إلى أسطورة يتناقلها الأجيال بالصوت والصورة، انتهت القصة قبل أن تكتمل، وكما يحدث دائماً مع أساطير الظل، رحل الرجل وبقي الرقم.

لو سجل لاعب اليوم 13 هدفاً في نسخة واحدة من كأس العالم، لتحول إلى أشهر رياضي على وجه الأرض، كانت المقاطع ستجتاح الإنترنت، وستُطبع صورته على أغلفة المجلات، وستلاحقه الكاميرات في كل مكان، لكن فونتين لعب في زمن الأبيض والأسود، قبل الفضائيات، وقبل مواقع التواصل، وقبل أن تتحول كرة القدم إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات.

ولهذا بقي إنجازه أعظم من شهرته،

هناك أساطير صنعتها الكؤوس،

وهناك أساطير صنعتها البطولات،

أما فونتين فصنع أسطورته من شيء أكثر ندرة،،، من رقم تحدى الزمن نفسه،

منذ ذلك الصيف البعيد في السويد، تغير كل شيء في كرة القدم، تغيرت القوانين، وتبدلت الخطط، وتطورت أساليب التدريب، وازداد عدد المباريات والمنتخبات، وتعاقبت أجيال من أعظم المهاجمين الذين عرفهم العالم.

مر بيليه، وجاء مارادونا وكرويف وباجيو ثم رونالدو الظاهرة وكلوزه وميسي ومبابي.

لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً، فونتين ما زال يجلس وحيداً على عرش أكثر اللاعبين تسجيلاً للأهداف في نسخة واحدة من كأس العالم.

ويبقى السؤال الذي سيظل مطروحاً مع كل نسخة جديدة من كأس العالم:

🔥 السؤال النقاشي:: بعد زيادة عدد المنتخبات والمباريات، هل سيظهر مهاجم يستطيع أخيراً كسر رقم فونتين؟ أم أن تسجيل 13 هدفاً في نسخة واحدة سيبقى أحد تلك الإنجازات التي تبدو مستحيلة مهما تطورت كرة القدم؟


تعليقات