من "أولد ترافورد" إلى "الاتحاد": هل يعيد التاريخ نفسه لأرسنال؟

من "أولد ترافورد" إلى "الاتحاد": هل يعيد التاريخ نفسه لأرسنال؟

قصة فوز أرسنال بالدوري الإنجليزي 1997–98 من قلب أولد ترافورد، وربطها بقمة اليوم بين أرسنال ومانشستر سيتي، حكاية درامية غيرت تاريخ البريميرليج،

مباراة اليوم… وصدى الماضي

اليوم، تتجه أنظار العالم صوب ملعب "الاتحاد"، حيث القمة التي قد تشكل ملامح بطل البريميرليج، الجميع ينتظر صدام مانشستر سيتي وأرسنال؛ السيتي الذي لا بديل له عن الفوز لفرض هيمنته، و"المدفعجية" الذين يدركون أن حسم اللقب يتطلب القضاء على أحلام بيب جوارديولا في عقر داره.

لكن، خلف ضجيج الحاضر، يهمس التاريخ بقصة عمرها 28 عاماً، وتحديداً موسم 1997–98، سنجد أن الوضع كان مشابهاً لدرجة التطابق حينها، ذهب البروفيسور آرسين فينغر مع كتيبته إلى قلعة "أولد ترافورد" حيث كان الفارق يتسع والآمال تتضاءل، والجميع يظن أن اللقب قد حُسم بالفعل، لم تكن مجرد مباراة، ولم يكن أحد يتوقع أن تلك الرحلة ستغير تاريخ الدوري… وأن هدفًا واحدًا سيقلب موازين موسم كامل.

فكيف تحول المستحيل إلى واقع في تلك الحقبة الذهبية؟

البريميرليج في التسعينات: زمن الشياطين الحمر

في بداية التسعينات، وُلد الدوري الإنجليزي بثوبه الجديد: البريميرليج، وهي الحقبة التي صبغها السير أليكس فيرجسون باللون الأحمر، سيطر مانشستر يونايتد على أول نسختين للقب (92-93 و93-94)، فارضاً سطوة تكتيكية ونفسية على الجميع، في ظل غياب ليفربول التام عن منصات التتويج.

لم يجرؤ أحد على كسر هذه الهيمنة سوى "بلاكبيرن روفرز" في موسم 1994-95 بفضل أهداف آلان شيرر، لكن الشياطين الحمر عادوا بسرعة ليحصدوا لقبين متتاليين آخرين، كانت إنجلترا تبحث عن "ند" حقيقي لليونايتد، وهنا ظهر رجل نحيف بنظارات طبية قادم من اليابان، ليغير تاريخ أرسنال والكرة الإنجليزية للأبد.

ميركاتو الاشتعال: تحركات لخلع الملك عن عرشه

قبل انطلاق موسم 1997-98، دخلت الأندية سوق الانتقالات بكامل قوتها، أرسنال، تحت قيادة فينغر، بدأ ببناء "المستعمرة الفرنسية والهولندية"؛ تعاقد مع الجناح الطائر مارك أوفرمارس، ولاعب الوسط الصلب إيمانويل بيتيت.

أما ليفربول، فقد حاول العودة للمنافسة بالتعاقد مع "بول آينس" من إنتر ميلان في صفقة ضخمة بلغت 6 مليون يورو، في المقابل، لم يقف حامل اللقب مكتوف الأيدي، حيث عزز فيرجسون دفاعه بالتعاقد مع "هنينغ بيرغ" من بلاكبيرن مقابل 7 مليون يورو، كانت الرسالة واضحة: الجميع يريد رأس اليونايتد.

الدور الأول: بداية واعدة… ثم السقوط

بدأ أرسنال الموسم كالإعصار، بعد أول 10 جولات، تربع "المدفعجية" على الصدارة بـ 22 نقطة من 6 انتصارات و4 تعادلات، خلفهم مباشرة كان اليونايتد بـ 21 نقطة، لكن، لأن الدوري الإنجليزي لا يعرف المنطق، دخل أرسنال في دوامة مفاجئة؛ خسر الصدارة بعد خسارة 7 نقاط في 3 جولات فقط بعد تعادلات محبطة وهزيمة قاسية أمام ديربي كاونتي بثلاثية، ليتصدر اليونايتد بفارق 4 نقاط!

قمة الجولة الـ 14: رصاصة ديفيد بلات

في الجولة الـ 14، التقى المتصدر والوصيف في قمة حبست الأنفاس، تقدم أرسنال عبر أنيلكا وفييرا، لكن في غضون 8 دقائق فقط، سجل "تيدي شرينغهام" ثنائية أعادت اليونايتد للمباراة، وبينما كانت المباراة تتجه للتعادل، ارتقى الإنجليزي ديفيد بلات قبل النهاية بـ 7 دقائق ليسجل هدف الفوز القاتل لأرسنال (3-2)، وقلص الفارق مع اليونايتد إلى نقطة واحدة فقط.

الانكسار المر: عندما ظن "المدفعجية" أنهم عبروا النفق

ظنت جماهير لندن أن الفوز على اليونايتد هو إعلان العودة للمنافسة بقوة، لكن ما حدث بعدها كان "سقوطاً مدوياً" غير متوقع، ففي الوقت الذي استشاط فيه السير أليكس فيرجسون غضباً وقاد فريقه لـ 5 انتصارات متتالية كالمجاذيف، دخل أرسنال في حالة من "التيه" الفني.

خلال 4 مباريات تالية، تذوق أرسنال مرارة الهزيمة في 3 مواجهات (أمام شيفيلد وينزداي وليفربول وبلاكبيرن)، ولم يحقق سوى فوز وحيد يتيم علي نيوكاسل بهدف نظيف، هذا التذبذب في النتائج جعل "المدفعجية" يبتعدون بمسافات ضوئية عن الصدارة مع نهاية النصف الأول من الموسم.

📊 الترتيب النهائي للدور الأول: هيمنة حمراء وتراجع لندني

مع انتصاف الرحلة، بدا أن اللقب في طريقه للبقاء في "أولد ترافورد" مرة أخرى، حيث جاء الترتيب كالتالي:

الدور الثاني: الانفجار اللندني ومعجزة "أولد ترافورد"

دخل أرسنال النصف الثاني من الموسم بوجه مغاير تماماً، وكأن "آرسين فينغر" قد أعاد برمجة عقول لاعبيه في غرف الملابس، شطب "المدفعجية" كلمة الهزيمة من قاموسهم، وبدأوا رحلة زحف صامت نحو القمة، خلال 7 مباريات متتالية، حقق الفريق 5 انتصارات وتعادلين، في الوقت الذي بدأت فيه "ماكينة" الشياطين الحمر في التعطل بشكل مفاجئ؛ حيث حقق اليونايتد 3 انتصارات فقط وتلقى 3 هزائم مريرة وتعادل وحيد!

رصاصة "أوفرمارس" التي قتلت كبرياء السير

وصلنا إلى اللحظة الفارقة في تاريخ البريميرليج؛ اليونايتد يتصدر بـ 60 نقطة، وأرسنال يلاحقه بـ 51 نقطة ولكن مع 3 مباريات مؤجلة في جعبة فينغر، دخل أرسنال مسرح الأحلام "أولد ترافورد" في 14 مارس 1998، والجميع يظن أن التعادل سيكون كافياً للسير لحسم اللقب إكلينيكياً.

ظلت المباراة معلقة حتى الدقيقة 79، حين انطلق الجناح الهولندي الطائر مارك أوفرمارس كالسهم، مستغلاً تمريرة أنيلكا، ليضع الكرة في شباك شمايكل معلناً عن زلزال في مانشستر، وبفضل براعة الحارس البديل أليكس مانينغر، الذي تصدى لكل محاولات اليونايتد، خرج أرسنال بانتصار قلص الفارق إلى 6 نقاط مع بقاء الأفضلية للمدفعجية في مبارياتهم المؤجلة.

الانهيار الأحمر والزحف المقدس

أشعل هدف أوفرمارس فتيل ثورة لندنية لم تتوقف؛ انطلق أرسنال ليحقق 8 انتصارات متتالية بعد موقعة مانشستر، محطماً كل من يقف في طريقه، في المقابل، ترنح اليونايتد تحت الضغط النفسي، وسقط في فخ التعادل أمام ليفربول ونيوكاسل، ليجد السير أليكس فيرجسون نفسه يشاهد تتويج أرسنال رسمياً باللقب قبل جولتين من نهاية المسابقة، وبفارق وصل وقتها إلى 7 نقاط قبل أن يتقلص في الجولة الأخيرة لنقطة واحدة بعد هزيمتين لأرسنال بعد ضمان اللقب رسمياً!

انتهى الموسم بواحدة من أكثر النتائج إثارة في تاريخ إنجلترا، حيث نجح فينغر في الجمع بين الدوري والكأس، محققاً اللقب رقم 11 في تاريخ النادي،.

📊 جدول ترتيب مقدمة البريميرليج لموسم 1997-1998

حين يتحول الإيمان إلى بطولة

إذا كان هناك شيء ثابت في تاريخ أرسنال… فهو أن ألقابه لا تأتي بسهولة، دائمًا هناك قصة، معاناة، لحظة فاصلة، دائمًا هناك مباراة تُكتب فيها النهاية خارج التوقعات.

إن ما حققه آرسين فينغر في موسم 1997-98 لم يكن مجرد فوز بلقب، بل كان ثورة فكرية غيّرت ملامح الكرة الإنجليزية للأبد، لقد أثبت "البروفيسور" أن الإيمان بالمستحيل هو الوقود الحقيقي للمنصات؛ ففي الوقت الذي رفع فيه الجميع الراية البيضاء أمام سطوة مانشستر يونايتد وفارق الـ 13 نقطة، كان فينغر يزرع في نفوس لاعبيه عقيدة "الفوز المتتالي".

تلك السلسلة المرعبة التي بلغت 10 انتصارات متتالية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت تجسيداً للإصرار والمثابرة، لقد استحق أرسنال ذلك اللقب عن جدارة واستحقاق، ليس فقط لأنه جمع أكبر قدر من النقاط، بل لأنه ذهب إلى "عرين الأسد" في أولد ترافورد وانتزع المبادرة بيده، هدف أوفرمارس لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت إعلاناً رسمياً عن ولادة "بطل جديد" لا يخشى أحداً، ليبقى ذلك الموسم مرجعاً تاريخياً لكل من يطمح في قلب الطاولة على الكبار.

هل يكرر ميكيل أرتيتا "فعلة" معلمه فينغر؟

اليوم، يقف ميكيل أرتيتا أمام نفس المرآة، نفس التحدي… نفس المدينة… وربما نفس المصير، الذهاب إلى مانشستر لمواجهة مانشستر سيتي على ملعبه، ليس مجرد مباراة قمة… بل اختبار شخصية، السيتي، بقيادة بيب غوارديولا، لا يمنح الفرص بسهولة، ولا يسقط إلا تحت ضغط مثالي.

لكن التاريخ لا يُقاس بالأسماء… بل باللحظات، موسم 1997–98 علمنا أن الفوارق النقطية يمكن أن تتلاشى، وأن الضغط قد يقلب المعادلات، وأن الفوز في عقر دار المنافس هو المفتاح الذهبي لكل حلم مؤجل، علمنا أن الجرأة في أصعب اللحظات هي ما يصنع الأبطال.

جماهير أرسنال تعيش نفس التوتر، نفس الترقب، نفس الإيمان الذي لا يُفسر.

هل يملك هذا الجيل الشجاعة ليكرر ما فعله أوفرمارس؟ هل يستطيع أن يصنع لحظته الخاصة في ملعب الاتحاد… ويكتب اسمه في نفس الصفحة التي كتبها فينغر؟

الإجابة… ستُكتب على العشب بعد ساعات قليلة!

(المصادر)

1-     الدوري الإنجليزي 1997–98

2-     جدول ترتيب الدوري الانجليزي

3-      هدف "أوفرمارس" في الاولد ترافورد


تعليقات