في كرة القدم، كل شيء يمكن أن يتغير في لحظة واحدة، ليس الهدف،
ولا البطاقة الحمراء، ولا القرار الخاطئ من الحكم بل من الجائز أن تكون لحظة تصادم
عادية، ركبة في الظهر، وصرخة يسمعها ستاد كامل ولا يفهم معناها إلا بعد دقائق!
هناك إصابات تحرم دولة كاملة من الحلم.
في الرابع من يوليو 2014، كانت البرازيل تحتفل بالتأهل إلى نصف
نهائي كأس العالم على أرضها، الملايين كانوا يرون أن الكأس تقترب أكثر فأكثر من ريو
دي جانيرو، وأن الفتى صاحب الرقم 10 يحمل أمة كاملة فوق كتفيه.
ثم جاءت الدقيقة 88، من مباراة ربع النهائي بين البرازيل وكولومبيا،
ركبة خوان زونيغا ارتفعت، ظهر نيمار انحنى بطريقة مخيفة.
صرخة،
سقوط،
دموع،
وصمت لم تعرفه البرازيل منذ عقود.
لم تكن مجرد إصابة في الظهر، كانت لحظة خرج فيها قلب المنتخب
من الملعب، وبعد أيام قليلة، خسر أصحاب الأرض بنتيجة 7-1 أمام ألمانيا في واحدة من
أكثر الليالي قسوة في تاريخ كرة القدم.
ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال واحد يطارد الجماهير البرازيلية أكثر
من أي سؤال آخر: ماذا لو نهض نيمار من تلك اللقطة؟ ماذا لو لم تحدث الإصابة التي غيّرت
تاريخ مونديال 2014؟
نيمار في مونديال 2014 | الرجل
والحلم والأرقام
عندما بدأ كأس العالم 2014 في البرازيل، كان منتخب السامبا يملك أسماء جيدة، بقيادة
نجمًا بحجم أحلام جماهيرها "نيمار"، كان عمره 22 عامًا فقط، لكنه دخل البطولة
وكأنه قائد مخضرم يحمل إرث بيليه وروماريو ورونالدو على ظهره.
في المباراة الافتتاحية أمام كرواتيا
سجل هدفين وأعاد المنتخب من موقف معقد بعد التأخر في الدقيقة 12 إلى انتصار مهم، ثم
جاء مباراة المكسيك مباراة بدت أكثر صعوبةً مما يجب، وإن لم تُثنِه عن ترك بصمته في
الزوايا والتمريرات الحادة وأنتهت بالتعادل السلبي، أمام الكاميرون سجل هدفين آخرين
وأكد أنه الرجل الذي تدور حوله المنظومة الهجومية كلها.
لم يكن مجرد هداف، كان مصدر الإبداع،
المدرب لويس فيليبي سكولاري بنى الفريق حوله بالكامل، كل هجمة تمر عبره، كل مرتدة تبحث
عنه، كل جماهير البرازيل تنتظر منه الحل، أنهى دور المجموعات بأربعة أهداف وأصبح أحد
أبرز نجوم البطولة.
في دور الـ16 أمام تشيلي، قدّم البرازيل
نسخته الأكثر نضجًا، المباراة ذهبت إلى ركلات الترجيح، وكان هو الأهدأ على أرض الملعب يُهدئ زملاءه، يوزّع الكرات، ويبتلع الضغط كما لو
أنه اعتاد على طعمه، قاد البرازيل للنصر وحجز مقعدها في ربع النهائي أمام كولومبيا.
حين بقي نيمار واقفًا
وفي ربع النهائي أمام كولومبيا، خاض
نيمار واحدة من أكثر مبارياته قتالًا، صنع الفرص، تحمل التدخلات العنيفة، وقاد منتخب
بلاده نحو نصف النهائي، لكن قبل النهاية بدقائق، جاءت اللقطة التي غيرت كل شيء، ركبة
في الظهر.
ارتفعت ركبة خوان زونيغا واصطدمت بظهر
نيمار بقوة، سقط النجم البرازيلي مباشرة على أرض الملعب، ليس كأي سقوط اعتادت الجماهير
رؤيته في مباريات كرة القدم، بل سقوط حمل شيئًا من الرعب، ظل ممددًا على العشب لدقائق
طويلة، يصرخ من الألم ويضرب الأرض بيديه، بينما أحاط به اللاعبون من كل جانب.
في المدرجات، لم يعد أحد ينظر إلى ساعة
المباراة أو إلى النتيجة، عشرات الآلاف من الجماهير البرازيلية كانت تتابع فقط تحركات
الجهاز الطبي، على مقاعد البدلاء، ظهرت علامات الذهول على وجوه اللاعبين والجهاز الفني،
حتى لاعبو كولومبيا أنفسهم أدركوا أن الأمر أكبر من مجرد إصابة عادية في مباراة كرة
قدم.
مرت الدقائق وكأنها ساعات، الطبيب يتحدث
إلى اللاعب، والجماهير تترقب أي إشارة مطمئنة، ثم حدث المشهد الذي أعاد الحياة إلى
المدرجات، بدأ نيمار يتحرك ببطء، ثم جلس، ثم وقف على قدميه وسط تصفيق مدوٍ اجتاح الملعب
بأكمله، ارتفعت الأعلام الصفراء والخضراء من جديد، وتعالت الهتافات باسمه من كل زاوية
في المدرجات.
عاد نيمار إلى أرض الملعب بعد صافرة
النهاية ليحتفل مع الجماهير بالتأهل إلى نصف النهائي، كان يبتسم ويرفع يديه للجماهير
التي ردت عليه بعاصفة من التصفيق والهتاف.
نصف النهائي | البرازيل وألمانيا
بوجه مختلف
وفي صباح اليوم التالي، لم تكن الصحف تتحدث عن مأساة وطنية،
او غياب نجم المنتخب، بل عن مواجهة تاريخية تنتظرنا في نصف النهائي بين البرازيل أمام
ألمانيا.
وجود نيمار لم يكن يعني فقط لاعبًا إضافيًا، بل كان يعني هدوءًا
نفسيًا لمنتخب كامل.
تكتيكيًا، وجود نيمار يعني خطًا هجوميًا يُشغل مدافعي ألمانيا
بدلاً من أن يسمح لهم بالاندفاع على مصراعيهم، بواتنيج وهوميلز لا يُديران ظهرهما للهجوم
إذا كان نيمار يحوم خلفهما، السرعة في الانتقال التي قتلت البرازيل في الواقع، كانت
ستجد أمامها مقاومةً حين يكون الرجل الذي يُحوّل الفرص موجودًا على الجانب الآخر.
المباراة تصبح معركة تكتيكية حقيقية، ألمانيا تسجّل أولاً، مولر
يستغل ارتباكًا في التغطية، والكرة تسكن الشباك، لكن هذه المرة، الفريق البرازيلي لا
ينهار، لأن ثمة رجلاً يقف في المنتصف، يُشير بيده، يُهدئ اللاعبين ويطلب الكرة.
ثم في الدقيقة 29، مرتدة برازيلية خاطفة أوسكار يكسب الكرة في
الوسط ويُطلق نيمار خلف الخط الدفاعي، نيمار يتقدم، يُرتّب جسده في جزء من الثانية،
ويُطلق تسديدة قاطعة في الزاوية السفلية اليسرى لنوير.
وقبل نهاية اللقاء بـ10 دقائق، مرتدة أخري أشد خطورةً، نيمار
يقطع الملعب بسرعته الاستثنائية، يهرب من المدافعين، لم يجدوا امامهم سوي عرقلته
قبل الوصول على حافة منطقة الجزاء.
ضربة حرة مباشرة أمام القوس مباشرةً!
نيمار يضع الكرة بنفسه، يتنفس ببطء، يبتعد خمس خطوات، ثم تُحلّق
الكرة فوق السور الألماني وتلمس الشباك من تحت العارضة مباشرةً، نوير لم يتحرك حتى
حين رأى الكرة تمر، 2-1، البرازيل في النهائي.
النهائي — كلاسيكو الأرض في نهائي كأس العالم
لم يكن العالم ليحلم بنهائي أكبر من هذا، البرازيل ضد الأرجنتين،
نيمار ضد ميسي، ماراكانا ضد أحلام بوينس آيرس، أعظم كلاسيكو عرفته كرة القدم يتحول
إلى نهائي كأس عالم، المباراة تتجاوز الرياضة، تصبح قضية وطنية على جانبي الحدود.
تسعون دقيقة من التوتر، فرص متبادلة، ومواجهة بين اثنين من أعظم
المواهب في جيلهما، ربما يحسمها ميسي، وربما يحسمها نيمار، لكن المؤكد أن إرث أحدهما
سيتغير إلى الأبد.
نيمار والإصابات | الموهبة التي
حاربت جسدها وروحها
الحقيقة أن نيمار لم يصل أبدًا إلى تلك اللحظة، خرج مصابًا،
شاهد من المدرجات انهيار زملائه أمام ألمانيا!
ثم بدأت رحلة طويلة من الإصابات والخيبات، إصابة تلاحق أخرى،
كاحل، قدم، عضلات، ركبة، ومع كل عودة، كان جزء من بريقه يضيع، لكن الإصابات وحدها لم
تكن المشكلة، فالموهبة التي جعلت العالم يراه وريثًا لميسي ورونالدو، اصطدمت أحيانًا
بقرارات متسرعة، وضغوط هائلة، ونمط حياة لم يساعده على استثمار كامل قدراته.
ورغم الأرقام المذهلة التي حققها، ظل السؤال يطارده: هل شاهدنا أفضل نسخة ممكنة من نيمار؟ أم أن الإصابات سرقت منا لاعبًا كان قادرًا على الوصول إلى مكان مختلف تمامًا في تاريخ اللعبة؟
الخاتمة | حين تكتب الإصابات
التاريخ
كرة القدم لا تتغير دائمًا بهدف في
الدقيقة الأخيرة، أحيانًا تتغير بأصابة، بتدخل، بلحظة سوء حظ لا تستغرق ثانية واحدة.
إصابة نيمار في مونديال 2014 لم تحرم
لاعبًا من مباراتين فقط، بل ربما حرمت الجماهير من واحدة من أعظم القصص التي كان يمكن
أن يرويها كأس العالم، ربما لم تكن البرازيل لتفوز بالبطولة، وربما كانت ألمانيا ستبقى
بطلة العالم أيضًا، لكن شيئًا واحدًا يبدو مؤكدًا: أن ليلة 7-1 التي ما زالت تطارد
البرازيل حتى اليوم ربما لم تكن لتحدث أصلًا، وهنا تكمن قسوة كرة القدم، فبين المجد
والانهيار،،، قد تكون المسافة مجرد خطوة واحدة، أو إصابة واحدة، أو لاعب واحد اسمه
نيمار،
والآن، بعد أن أبحرنا في هذا التاريخ
الموازي،، هل تعتقد أن لولا أصابة نيمار كانت ستتوج البرازيل بالنجمة السادسة؟
.png)