في كل بطولة كبرى، يعود الشعار نفسه،،
It's Coming Home !!
الجماهير الانجليزية تغنيه بثقة، والإعلام يردده
بحماس، وكأن الكأس تعرف طريقها إلى لندن، لكن الحقيقة أكثر قسوة، منذ ستين عامًا تقريبًا،
لم تحقق أنجلترا أي لقب قاري مرة أخري.
والأغرب أن اللقب الوحيد في تاريخها
هو نفسه أكثر لقب أثار الجدل في تاريخ المونديال، بطولة بدأت بسرقة الكأس قبل انطلاقها
بأشهر، وانتهت بهدف يقول نصف العالم إنه لم يكن هدفًا، وبين البداية والنهاية.
وُلدت لعنة ما زالت تطارد الإنجليز حتى اليوم، فكيف
تحولت البطولة التي كان يُفترض أن تكون بداية الهيمنة الإنجليزية إلى بداية أطول انتظار
في تاريخ كرة القدم؟
قبل أن تبدأ البطولة،،، اختفت
كأس العالم!
في صباح العشرين من مارس عام 1966،
وقبل أربعة أشهر فقط من انطلاق كأس العالم، استيقظت إنجلترا على واحدة من أغرب الفضائح
في تاريخ الرياضة.
كأس "جول ريميه" الأصلية
كانت معروضة داخل معرض للطوابع في قاعة وستمنستر وسط لندن، تحت حراسة مشددة، لكن لصًا
مجهولًا تمكن من كسر القفل وسرقة الكأس الذهبية، السارق تجاوز طوابع نادرة تساوي ملايين
الجنيهات واختار الكأس التي لا تتجاوز قيمتها 30 ألف جنيه إسترليني.
بينما بقي الحراس والشرطة عاجزين عن
تفسير ما حدث، تحولت القضية إلى أزمة وطنية، الصحف خصصت عناوينها الأولى للكأس المفقودة،
والشرطة فتشت عشرات المواقع واستجوبت المئات، بل إن الاتحاد الإنجليزي بدأ يفكر سرًا
في صناعة نسخة بديلة خوفًا من عدم العثور عليها قبل انطلاق البطولة.
وبينما فشل الجميع،،، نجح كلب في
أيجاد الكأس.
بعد أسبوع واحد فقط، كان رجل يُدعى ديفيد كوربيت
يتمشى مع كلبه "بيكلز" في أحد شوارع جنوب لندن، قبل أن يبدأ الكلب في شم
صحيفة قديمة ملقاة بجوار سيارة متوقفة، اقترب صاحب الكلب ليتفقدها، ليجد تحتها الكأس
الأصلية ملفوفة بعناية، خلال دقائق، تحولت القصة إلى خبر عالمي.
أصبح "بيكلز" بطلًا قوميًا،
وحصل على مكافآت مالية، وظهر في البرامج التلفزيونية، ومات بعد عام واحد حين لاحق قطة
وعلقت سلسلته بغصن شجرة، لو لم يخرج تلك الليلة مع صاحبه، كانت إنجلترا ستستضيف كأس
العالم بكأس مزيّفة.
ألف رامسي.. الرجل
الذي سخر منه الجميع
رغم استضافة إنجلترا للبطولة، لم يكن
أحد مقتنعًا بأن المنتخب قادر على الفوز بها، حتى الصحافة الإنجليزية نفسها كانت تشكك
في الفريق بسبب المدرب " ألف رامسي"
حيث كان مدرباً غير مُحبَّب في الصحافة
الإنجليزية، كان هادئ، عنيد، يرى كرة القدم بطريقة مختلفة عن الجميع، في زمن كانت الأجنحة
السريعة هي السلاح الأهم لأي فريق، قرر رامسي الاستغناء عنها تمامًا، لا جناح أيمن،
لا جناح أيسر، ولهذا أطلقت الصحافة على فريقه اسمًا ساخرًا: The Wingless Wonders،،، الفريق الذي يلعب بلا أجنحة.
تعرض رامسي لانتقادات لا تنتهي، قالوا
إن طريقته مملة، وإنها ستفشل أمام المنتخبات الكبرى، لكنه لم يغيّر شيئًا، بنى فريقه
حول قائد استثنائي هو بوبي مور، أفضل مدافع في العالم آنذاك، وخلفه الحارس الأسطوري
جوردون بانكس، وفي الوسط وضع ثقته في موهبة بوبي تشارلتون القادر على حسم أي مباراة
بتسديدة واحدة.
عرف رامسي ما لم يفهمه كثيرون: كأس
العالم لا يفوز به الأجمل، بل الأكثر تنظيماً، ولذلك تجاهل كل ما كان يُقال في
الصحافة والاعلام!
دور المجموعات | البطولة التي امتلأت بالمفاجآت
المجموعة الاولي
بدأت إنجلترا البطولة، لكن البداية لم تكن كما حلمت الجماهير،
تعادل سلبي مخيب أمام أوروغواي في المباراة الافتتاحية، وسط أداء حذر أثار غضب الصحافة،
التي بدأت تتساءل إن كان "الفريق بلا أجنحة" قد أخطأ مدربه الحسابات بالفعل.
لكن مع مرور المباريات، بدأ المنتخب الإنجليزي يكتسب الثقة،
فحقق انتصارين متتاليين على المكسيك وفرنسا، دون أن يستقبل أي هدف، ليحجز مقعده في
ربع النهائي.
المجموعة الثالثة
لكن ما كان يحدث خارج مجموعة إنجلترا
كان أكثر إثارة.
ففي واحدة من أغرب القصص السياسية في تاريخ كأس العالم، وصلت
كوريا الشمالية إلى البطولة بينما كانت الحكومة البريطانية لا تعترف بها رسميًا كدولة،
حاول بعض المسؤولين منع رفع علمها أو عزف نشيدها الوطني، لكن لوائح الفيفا كانت واضحة،
واضطرت إنجلترا إلى التعامل معها كأي منتخب مشارك.
ولم تكتف كوريا الشمالية بالحضور فقط، بل فجرت واحدة من أكبر
مفاجآت كأس العالم، عندما هزمت إيطاليا بهدف نظيف، لتقصي أحد أكبر المرشحين للقب وتبلغ
ربع النهائي، في إنجاز صدم العالم بأكمله.
المجموعة الرابعة
وفي الجانب الآخر، عاش حامل اللقب البرازيل بطولة كارثية.
كان الجميع ينتظر استمرار سحر بيليه، لكن ما حدث كان العكس تمامًا،
تعرض النجم البرازيلي لسلسلة من التدخلات العنيفة، خصوصًا أمام البرتغال، وسط تحكيم
متساهل أثار غضب البعثة البرازيلية، خرج بيليه مصابًا، وخرج حامل اللقب من الدور
الاول في واحدة من اكبر مفأجات البطولة.
الحكام والمؤامرة التي لم يُثبتها أحد
في ربع النهائي، قرّرت الفيفا تعيين الحكم الألماني رودولف كريتلين
لإدارة مباراة إنجلترا والأرجنتين، وتعيين الحكم الإنجليزي جيمس فيني لإدارة مباراة
ألمانيا الغربية وأوروغواي.
بعد ساعات قليلة، كان المنتخبان الأوروبيان قد تأهلا، بينما
خرج المنتخبان اللاتينيان وسط عاصفة من الغضب.
في ويمبلي كانت مباراة إنجلترا والأرجنتين واحدة من أعنف المباريات
في تاريخ البطولة، وفي الدقيقة 35، أشهر الحكم الألماني البطاقة الحمراء في وجه قائد
الأرجنتين أنطونيو راتين، رغم أن كثيرين لم يفهموا السبب الحقيقي للطرد، إذ لم يكن
راتين يتحدث الألمانية، ولم يكن الحكم يتحدث الإسبانية، ظل اللاعب يرفض مغادرة الملعب
لعدة دقائق، وسط احتجاجات غاضبة، قبل أن تحسم إنجلترا اللقاء بهدف نظيف عبر جيف هيرست.
وفي المباراة الأخرى، تعرضت أوروغواي لضربة مشابهة، بعدما أكملت
اللقاء أمام ألمانيا الغربية بتسعة لاعبين إثر طرد هوراسيو تروتشي وهيكتور سيلفا، قبل
أن تكشف إحدى الصحف الألمانية في اليوم التالي صورة لمدافع ألماني يلمس الكرة بيده
داخل منطقة الجزاء دون أن يحتسب الحكم ركلة جزاء واضحة للسماوي.
بدأت الصحف في أمريكا الجنوبية تتحدث عن "مؤامرة أوروبية"
لإيصال إنجلترا وألمانيا إلى النهائي، لكن لم يظهر أي دليل قاطع يثبت تلك الاتهامات،
لتبقى واحدة من أكثر نظريات كأس العالم إثارة للجدل حتى اليوم.
أما في بقية المباريات، فقد واصلت البرتغال عروضها المذهلة،
بعدما قلبت تأخرها أمام مفاجأة البطولة كوريا الشمالية من 3-0 إلى انتصار تاريخي بنتيجة
5-3، بفضل سوبر هاتريك من الأسطورة أوزيبيو، وفي المباراة الأخيرة، تجاوز الاتحاد السوفيتي
عقبة المجر بنتيجة 2-1 ليكمل عقد المربع الذهبي.
وفي نصف النهائي، بدا وكأن القدر يسير في اتجاه واحد، إنجلترا
هزمت البرتغال 2-1، وألمانيا الغربية كررت النتيجة نفسها أمام الاتحاد السوفيتي، ليضرب
المنتخبان الأوروبيان موعدًا مع أكثر نهائي جدلاً في تاريخ كأس العالم لتكتمل مؤامرة
أوروبية التي تحدثت عنها صحف أمريكا الجنوبية!
النهائي | هدفاً صنع اللقب واللعنة!
في 30 يوليو 1966، امتلأ ملعب ويمبلي بأكثر من 96 ألف متفرج
يحلمون بتتويج إنجلترا الأول، لكن ألمانيا الغربية لم تأتِ لتكون ضيف شرف.
كانت المباراة تليق بنهائي كأس العالم، تقدّمت ألمانيا أولاً
بعد 12 دقيقة، ثم عادلت إنجلترا النتيجة بعدها بستة دقائق فقط، ثم تقدّمت أنجلترا
في الدقيقة 78’ وأعتقد
الجميع أن اللقب أقترب، ولكن لأن المستحيل ليس
ألماني فعادلت النتيجة في الدقيقة 89’ لتأخذ المباراة إلى الوقت الإضافي.
وهناك ولدت أشهر لقطة في تاريخ المونديال.
في الدقيقة 101، جيف هيرست يستقبل كرة
عرضية من ألان بول داخل المنطقة، يدير جسده ويُسدّد بقدمه اليمنى، الكرة تضرب العارضة
من تحت، ترتد نحو الخط وتخرج، لاعبو إنجلترا يرفعون أيديهم مطالبين بالهدف، لاعبو ألمانيا
يقسمون أن الكرة لم تعبر الخط.
الحكم السويسري غوتفريد دينست يتوجّه
للحكم المساعد الأذربيجاني توفيق بهرامف، الاثنان لا يتكلمان لغة مشتركة، تواصلا بالإيماءات،
بهرامف رفع علمه هدف.
احتج الألمان بعنف، ثم ظهرت لاحقًا
اتهامات بأن باهراموف احتسب الكرة بدافع الانتقام، لأن ألمانيا كانت قد أقصت الاتحاد
السوفيتي من نصف النهائي، بينما كانت أذربيجان إحدى جمهورياته آنذاك.
لكن باهراموف نفى ذلك تمامًا في مذكراته،
مؤكدًا أنه اعتقد أن الكرة ارتدت من الشباك الداخلية وليس من العارضة، ولذلك أشار باحتسابها
هدفًا، وأنه لم ير بقية اللقطة بالشكل الذي رآها به العالم لاحقًا.
وبعد عقود، أعادت التكنولوجيا تحليل
المشهد مرات عديدة، ورجحت أن الكرة لم تتجاوز خط المرمى بالكامل، ليبقى الهدف موضع
جدل حتى اليوم.
وقبل صافرة النهاية بلحظات، أضاف جيف
هيرست الهدف الرابع، بينما اقتحمت الجماهير أرضية الملعب قبل نهاية اللقاء بثوانٍ،
في مشهد تاريخي.
انتهت المباراة.. إنجلترا بطلة للعالم للمرة الأولى.
وللمرة الوحيدة.. حتى الآن!
نهاية مونديال 1966.. وبداية اللعنة!
اعتقدت إنجلترا أنها وصلت إلى نهاية الرحلة، الكأس بين أيدي
اللاعبين، الجماهير تحتفل في ويمبلي، والعالم يعلن ميلاد بطل جديد.
لكن ما لم يكن يعرفه
أحد في تلك الليلة، أن الإنجليز لم يكونوا يشاهدون نهاية الحكاية، بل كانوا يشاهدون
بدايتها، منذ ذلك اليوم، أصبح كل كأس عالم يحمل معه قصة جديدة من الألم.
·
1970،
تقدمت إنجلترا على ألمانيا الغربية بهدفين دون رد في ربع النهائي، لكن غياب الحارس
الأسطوري جوردون بانكس غيّر كل شيء، عادت ألمانيا بثلاثة أهداف وأقصت حامل اللقب.
·
1974
& 1978، لم تتأهل إلى كأس العالم من الأساس.
·
1986،
احتاجت الأرجنتين إلى 4 دقائق فقط لتكتب واحدة من أشهر قصص كرة القدم، هدف "يد
الله".. ثم "هدف القرن"،
لتخرج إنجلترا من ربع النهائي مرة أخري.
·
1990،
خسرت إنجلترا بركلات الترجيح أمام ألمانيا في نصف النهائي، قبل أن تخسر مباراة المركز
الثالث أيضًا أمام ايطاليا بثنائية.
·
1998،
جاءت البطاقة الحمراء لديفيد بيكهام أمام الأرجنتين في دور الـ16، ثم جاءت ركلات الترجيح، وكأن السيناريو يرفض أن يتغير.
·
2002،
سدد رونالدينيو كرة بدت وكأنها عرضية، لكنها استقرت في شباك سيمان، لتغادر من ربع النهائي
مرة أخرى.
·
2006،
طُرد روني، ثم خسرت إنجلترا أمام البرتغال بركلات الترجيح والجميع يعلم في أي دور.
·
2010،
فقد كان القدر ساخرًا إلى أقصى درجة، الهدف الذي منح إنجلترا لقبها في 1966 كان موضع
جدل لأنه لم يعبر خط المرمى بالكامل، وبعد 44 عامًا، عبرت تسديدة لامبارد خط مرمى ألمانيا
بوضوح، لكن الحكم لم يحتسبها، خرجت إنجلترا بخسارة قاسية 4-1، وكانت تلك اللقطة أحد
أهم الأسباب التي دفعت الفيفا لاحقًا لاعتماد تقنية خط المرمى.
·
2018،
كسرت إنجلترا أخيرًا عقدة ركلات الترجيح، وبلغت نصف النهائي، قبل أن تسقط أمام كرواتيا
بعد وقت إضافي وتخسر المركز الثالث لصالح بلجيكا.
·
2022،
وقف هاري كين أمام فرنسا ليعادل النتيجة من ركلة جزاء فسددها فوق العارضة، وانتهى الحلم
عند ربع النهائي.
·
2026،
اقتربت إنجلترا مرة أخرى، تقدمت على الأرجنتين في نصف النهائي، لكنها تراجعت إلى الدفاع
منذ الدقيقة 54، وكأن الخوف من الخسارة أصبح أكبر من الرغبة في الفوز، وفي الدقائق
الأخيرة عاد ميسي ورفاقه بثنائية، وانتهبي الحلم مرة أخري قبل خطوة واحدة من النهائي.
"It's
coming home" لكنه لم يعد منذ ستين عاماً، والسؤال ليس
متى يعود، بل هل يعود أصلاً؟
