من مقهى باريسي إلى ملعب مونتيفيديو — كيف بدأ كأس العالم؟

من مقهى باريسي إلى ملعب مونتيفيديو — كيف بدأ كأس العالم؟

قبل أن يصبح كأس العالم الحدث الرياضي الأكبر في العالم، كان مجرد حلم كاد أن يموت أكثر من مرة، اكتشف كيف واجه جول ريميه الحروب والمعارضة الأوروبية والأزمات الاقتصادية ليصنع البطولة التي يتابعها اليوم مليارات البشر،

في 11 يونيو 2026، في ملعب أزتيكا بمكسيكو سيتي — الملعب الوحيد في التاريخ الذي سيستضيف كأس العالم للمرة الثالثة — ستنطلق صافرة أول مباراة في النسخة 23 من البطولة الأضخم في تاريخ كرة القدم.

 48 منتخبًا، 104 مباراة، 16 ملعبًا في 16 مدينة موزّعة على ثلاث دول: المكسيك، كندا، والولايات المتحدة، والنهائي سيُقام في ملعب ميتلايف في نيوجيرسي في 19 يوليو، مليارات الأعين معلّقة على كرة جلدية واحد.

لكن — هل توقّف أحد لحظةً ليسأل: كيف بدأ كل هذا؟

ليس "كيف" بالمعنى التنظيمي، بل "كيف" بالمعنى الحقيقي: مَن الرجل الذي خطر له أن يجمع شعوب الأرض كلها تحت راية لعبة؟ وكم مرةً كادت هذه الفكرة أن تموت قبل أن تُولد؟

القصة لا تبدأ في 1930، تبدأ قبل ذلك بعقود، في باريس، في مقهى متواضع، حيث جلس شابٌّ في الرابعة والعشرين من عمره مع أصدقاء وقرّر أن يُغيّر الرياضة إلى الأبد، في 1897، أسّس ذلك الشاب نادي "ريد ستار" في باريس نادٍ رياضي يُرحّب بالجميع بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية، لم يكن يعلم أن هذه القناعة الصغيرة "الرياضة للجميع" ستصبح يومًا ما الفلسفة التي يقوم عليها أكبر حدث رياضي في التاريخ.

هذه هي الحكاية التي بدأت قبل أكثر من مئة عام،،، قبل صافرة البداية الأولى، وقبل الهدف الأول، وقبل أن يعرف العالم معنى كلمة "المونديال".

الحلم الذي وُلد قبل المونديال بعقود

في 22 مايو 1904، في غرفة متواضعة بالعاصمة الفرنسية، جلس ثمانية رجال يمثلون سبع دول أوروبية فرنسا، بلجيكا، الدنمارك، هولندا، إسبانيا، السويد، وسويسرا، لم تكن جلسةً للملوك، كانت اجتماع هواة يؤمنون بأن كرة القدم تستحق أكثر من الفوضى التي تعيشها على الصعيد الدولي.

الرجل الذي جمعهم كان روبير جيرين (Robert Guérin)، صحفي شاب في الثامنة والعشرين من عمره يعمل في صحيفة "لو ماتان" الباريسية، كان جيرين أمين سر قسم كرة القدم في الاتحاد الفرنسي للرياضة، وأول من استطاع تجميع ممثلي الدول في اجتماع تأسيسي واحد، ومن هنا وُلد الاتحاد الدولي لكرة القدم
"الفيفا" في ذلك اليوم، وانتُخب جيرين أول رئيس له
.

كان في رأس جيرين حلم أكبر من مجرد تنظيم مباريات دولية، منذ عام 1905، كانت النشرات الرسمية للفيفا تطرح فكرة إقامة بطولة للمنتخبات الوطنية، لكنها ظلت ضربًا من الخيال.

كانت البطولة الوحيدة المتاحة هي الألعاب الأولمبية، وكانت مقيّدة بشرط قاتل: اللاعبون الهواة فقط، بينما بدأت كرة القدم الاحترافية تنتشر بقوة خاصة في إنجلترا وأوروبا الغربية، هذا جعل أفضل اللاعبين في العالم غير قادرين على تمثيل بلدانهم في بطولة عالمية حقيقية.

وهنا بدأت الفكرة:

-         هل يمكن إقامة بطولة مستقلة لكرة القدم؟

-         بطولة لا تخضع للأولمبياد؟

-         بطولة تجمع العالم كله؟

الحرب التي قتلت الحلم

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتعصف بكل شيء، الملاعب تحوّلت إلى ثكنات، واللاعبون إلى جنود، والفيفا إلى منظمة شبه مجمّدة، الحلم انتظر أن تتوقف المدافع.

كرة القدم أصبحت قضية ثانوية أمام ملايين القتلى والدمار الهائل.

عندما انتهت الحرب سنة 1918 كانت القارة الأوروبية منهكة اقتصاديًا وسياسيًا، لكن رجلاً فرنسيًا قرر إعادة فتح الملف.

جول ريميه (Jules Rimet)

جول ريميه: الرجل الذي رفض التنازل

في خريف 1919، حين كانت أوروبا لا تزال تلملم جراحها، كان ثمة رجل لا يفكر في التعافي بل في البناء، جول ريميه، الذي نشأ ابن بقّال في قرية صغيرة شرق فرنسا قبل أن يشق طريقه إلى باريس وينال شهادة الحقوق، خدم كضابط في الجيش الفرنسي وحمل في صدره وسام الحرب، لكنه عاد من الجبهة بنفس الحلم الذي ذهب به.

في عام 1897، كان ريميه هو ذلك الشاب الذي أسس مع أصدقاءه في المقهى نادي "ريد ستار" في باريس  نادٍ لا يرفض أحدًا بسبب طبقته الاجتماعية، هذه الفكرة "الرياضة للجميع" ستبقى تسكن عقله لعقود.

بعد الحرب مباشرة، أصبح ريميه رئيسًا للاتحاد الفرنسي لكرة القدم، وفي عام 1921 انتُخب رئيسًا للفيفا، كان مدفوعًا بحلم واحد: إقامة بطولة عالمية تُديرها الفيفا حصرًا، بعيدًا عن قيود اللجنة الأولمبية.

العدو المشترك: اللجنة الأولمبية الدولية

لم يكن الطريق نحو كأس العالم مفروشًا بالأفكار الجميلة والخطب الحماسية، في الواقع، كان أمام ريميه خصمٌ أقوى من مشكلة التمويل، وأخطر من معضلة إقناع الدول بالسفر عبر المحيطات: اللجنة الأولمبية الدولية!

في عشرينيات القرن الماضي، كانت كرة القدم الأولمبية هي أكبر مسرح دولي للعبة، لكن اللجنة الأولمبية كانت تتمسك بمبدأ صارم؛ لا مكان للمحترفين، والمشاركة تقتصر على اللاعبين الهواة فقط، بالنسبة للكثيرين كان ذلك أمرًا طبيعيًا، أما بالنسبة لريميه فكان تناقضًا مع روح اللعبة نفسها.

لم يكن حلم ريميه مجرد تنظيم بطولة جديدة، بل إنشاء بطولة لا تفرّق بين دولة كبيرة وأخرى صغيرة، ولا بين لاعب هاوٍ وآخر محترف، بطولة تجمع العالم كله تحت راية كرة القدم فقط.

لكن المعارضة كانت قوية.

كان فيليكس لينيمان (Felix Linnemann)، رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم وعضو اللجنة التنفيذية للفيفا، من أكثر المعارضين صراحةً للفكرة، فقد اعتقد أن وجود كأس عالم مستقلة سيضعها في منافسة مباشرة مع دورة كرة القدم الأولمبية، وربما يهدد مكانتها التاريخية.

كما شاركته بعض الاتحادات الأوروبية المخاوف نفسها، فقد خشيت أن يؤدي فتح الباب أمام المحترفين إلى تغيير موازين اللعبة بالكامل، بينما رأى آخرون أن البطولات الأولمبية والقارية القائمة تكفي، ولا حاجة لمغامرة جديدة قد تفشل قبل أن تبدأ.

لكن كل اعتراض كان يزيد ريميه إصرارًا.

أولمبياد باريس 1924،، اللحظة التي غيرت كل شيء

جاءت دورة الألعاب الأولمبية لعام 1924 في باريس لتُقدّم ريميه أقوى سلاح في جعبته، شاركت 22 دولة في بطولة كرة القدم الأولمبية، وشهد نهائيها 60 ألف مشاهد يُتابعون الأوروغواي تُحقق لقبها الأول بفوز ساحق على سويسرا 3-0.

كان الرقم هائلًا في ذلك الزمن، الجماهير حضرت بأعداد ضخمة، والاهتمام الإعلامي ازداد بشكل غير مسبوق، وفجأة أدرك الجميع أن كرة القدم أصبحت أكبر من مجرد لعبة أولمبية.

صديق ريميه ومساعده، هنري ديلوني، لم يُخفِ سعادته، في مؤتمر الفيفا المنعقد عام 1926، صرّح ديلوني بفخر:

-         "من الصعب أن تبقى كرة القدم ضمن إطار الألعاب الأولمبية فقط،" كانت تلك الشرارة الرسمية

وبعد سنوات من الجدل والمعارضة، جاءت اللحظة الحاسمة في مايو 1928 داخل مؤتمر الفيفا في أمستردام، هناك، لم تعد فكرة كأس العالم مجرد حلم يردده ريميه في الاجتماعات، بل تحولت إلى مشروع حقيقي مطروح للتصويت.

وبعد نقاشات طويلة بين المؤيدين والمعارضين، تم التصويت لصالح إنشاء بطولة عالمية مستقلة لكرة القدم، كان ذلك القرار التاريخي بمثابة شهادة ميلاد كأس العالم، وإعلان انتصار رؤية ريميه على كل العقبات التي واجهها طوال سنوات، فمنذ تلك اللحظة، لم تعد كرة القدم لعبة تبحث عن بطولة عالمية،،،

بل أصبحت بطولة العالم تبحث عن موعد انطلاقها الأول.

الكأس صُنعت قبل أن توجد البطولة

حين وافقت الدول على إقامة البطولة، واجه ريميه سؤالًا عمليًا: ما الجائزة التي سيتنافس عليها العالم؟ قرّر أن يجيب بنفسه، حرفيًا.

تحمّل ريميه شخصيًا تكاليف صنع الكأس من جيبه الخاص، كلّف النحّات الفرنسي أبيل لافلور (Abel Lafleur) بتصميمها، فجاءت ارتفاعها 35 سنتيمترًا، وزنها 3،8 كيلوغرامات، تمثّل الإلهة اليونانية نيكي — إلهة النصر — ترفع كأسًا ثمانية الأضلاع فوق رأسها.

صُنعت الكأس من الفضة الإسترلينية المطلية بالذهب، وبلغت تكلفة صنعها خمسين ألف فرنك فرنسي، وضُعت على قاعدة من حجر اللازورد الأزرق شديد الجمال، سُميّت في البداية "النصر" قبل أن يُعاد تسميتها لتحمل اسم ريميه عام 1946 تكريمًا له.

معركة اختيار الدولة المنظمة

في مايو 1929، وداخل أروقة مؤتمر "الفيفا" ببرشلونة، على الطاولة سؤال واحد: مَن يستضيف أول كأس عالم في التاريخ؟

رُفعت ستة ملفات: إيطاليا، السويد، هولندا، إسبانيا، المجر — وكلها أوروبية، والملف السادس جاء من الجانب الآخر من الأطلسي: أوروغواي، بطلة أولمبياد 1924 و1928، تريد إقامة البطولة احتفالًا بمرور مئة عام على استقلالها.

ثم بدأ مشهد لم يتوقعه أحد.

انسحبت هولندا والمجر، ثم انسحبت السويد لصالح إيطاليا، وأخيرًا انسحبت كلٌّ من إيطاليا وإسبانيا.

فازت أوروغواي بالاستضافة، لكن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

حين رفض الأقوياء العبور

وُجدت البطولة على الورق، لكن على أرض الواقع، كانت تواجه كارثة، لم تتقدم أي دولة أوروبية بطلب مشاركة حُدّد 28 من فبراير 1930 موعدًا أخيرًا لتسجيل المشاركة، دُعيت جميع الدول الأعضاء في الفيفا للمشاركة، لم تتقدم أي دولة أوروبية لأن الرحلة البحرية إلى مونتيفيديو كانت تستغرق ثلاثة أسابيع ذهابًا وثلاثة إيابًا، في زمن لا طيران فيه ولا ضمانات، اللاعبون خشوا فقدان وظائفهم خلال غيابهم، وأنديتهم رفضت إطلاق سراحهم لمدة قد تمتد لشهرين.

قدّمت أوروغواي عرضًا لم يسبق له مثيل في تاريخ الرياضة: ستتحمل كامل نفقات سفر وإقامة جميع المنتخبات المشاركة، لكن حتى هذا العرض السخي لم يُحرّك الأوروبيين.

فتحرّك ريميه بنفسه.

شقّ الرئيس طريقه من عاصمة إلى عاصمة، دقّ أبواب الاتحادات، جلس في مكاتب الرجال الذين يقولون "لا" ولم يغادر قبل أن يسمع شيئًا آخر.

فرنسا دخلت بتدخّله الشخصي المباشر، رغم أن نجم دفاعها مانويل أناتول ومدربها الأساسي جاستون باريو رفضا ركوب الباخرة، بلجيكا جاءت بإلحاح من نائب رئيس الفيفا رودولف سيلدراير، أما رومانيا فكانت قصتها الأغرب: تدخّل الملك كارول الثاني شخصيًا، اختار اللاعبين بنفسه، وتفاوض مع أصحاب العمل لضمان أن وظائف اللاعبين ستنتظرهم عند عودتهم.

ومع نهاية الأمر، وافق أربع منتخبات أوروبية: بلجيكا، فرنسا، رومانيا، ويوغوسلافيا، حزموا حقائبهم، وركبوا الباخرة الطويلة نحو مونتيفيديو!

ومن آسيا، تلقّت اليابان وسيام — تايلاند اليوم — الدعوة رسميًا للمشاركة، لكنهما انسحبتا بهدوء أمام حجم المسافة والتكلفة.

وكانت مصر — الممثل الأفريقي الوحيد المدعو — وافقت وقد استعدت للمشاركة، لكن عاصفة اعترضت سفينتهم في البحر الأبيض المتوسط أثناء رحلتهم من القاهرة، فتأخرت على رصيف الميناء، وضاعت الفرصة في زبد البحر.

وأخيراً،، حطّت الرحال

في ميناء "مونتيفيديو"، ألقى المحيط بظلاله على أرصفة التاريخ، ليتنفس جول ريميه الصعداء بوجود 13 منتخباً فقط، لا أكثر، لكنهم كانوا يحملون شيئًا أكبر من العدد، كانوا يحملون أول فصل في تاريخ أطول حدث رياضي عرفته البشرية.

-         سبعة عمالقة من أمريكا الجنوبية (الأوروغواي، الأرجنتين، البرازيل، تشيلي، باراغواي، بيرو، وبوليفيا) حضروا بوهجهم اللاتيني.

-         يرافقهم طموح الشمال عبر (أمريكا والمكسيك)

-         ينما كانت القارة العجوز ممثلة بفرسانها الأربعة الشجعان الذين عبروا الأطلسي (فرنسا، يوغوسلافيا، بلجيكا، ورومانيا)

وُزعت هذه القوى على أربع مجموعات في قرعة لم تعرف الرحمة؛ صاحب المركز الأول فقط في كل مجموعة ينال تذكرة العبور إلى نصف النهائي، بينما يودع البقية الحلم فوراً، وجاءت المجموعات كالتالي:

·        المجموعة الأولى: الأرجنتين، تشيلي، فرنسا، والمكسيك،

·        المجموعة الثانية: يوغوسلافيا، البرازيل، وبوليفيا،

·        المجموعة الثالثة: الأوروغواي، رومانيا، وبيرو،

·        المجموعة الرابعة: أمريكا، باراغواي، وبلجيكا.

الضربة الأولى في التاريخ

في ملعب "إستاديو بوسيتوس" الصغير — سعته حوالي 4 ألف مشاهد فقط — صافر الحكم انطلاق المباراة الأولى في تاريخ كأس العالم، فرنسا في مواجهة المكسيك، وكان الفرنسي لوسيان لوران، ابن الثانية والعشرين من عمره، من سجّل أول هدف في تاريخ البطولة، ولأن التاريخ يحبّ المفارقات: الرجل الذي يُنسب إليه هذا الحلم أكثر من أي شخص آخر جاء إلى الملعب حاملًا الكأس في حقيبة سفره، لم يكن يحتاج إلى حراسة مسلّحة أو طائرة خاصة ،كان يحمل التاريخ بيديه،

٢٣

اليوم، ونحن نقترب من النسخة الـ23 من كأس العالم، تبدو البطولة وكأنها حقيقة أزلية، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، كأس العالم لم تبدأ بكرة تُركل فوق العشب، بل بدأت بحلم، وحلم كاد يموت عشرات المرات،،، قبل أن يولد أخيرًا، وكل نسخة منهما مديونة لرجل فرنسي رفض أن يستسلم.


(المصادر)

1-     جول ريميه

2-     كيف بدأ كأس العالم؟

3-      كتاب تاريخ كأس العالم


تعليقات