إذا سألت أي مشجع كرة القدم عن
أفضل منتخب لم يفز بكأس العالم، فالإجابة تكاد تكون واحدة!
هولندا في السبعينات.
منتخب غيّر كرة القدم إلى الأبد، منتخب
جعل العالم يكتشف معنى "الكرة الشاملة"
وإذا سألت، من هو أعظم لاعب في ذلك المنتخب؟ سيجيب الجميع دون
تردد، يوهان كرويف، وهنا تكمن المشكلة، لأن كرويف بالفعل كان اللاعب الافضل ولكن منتخبًا
وصل إلى نهائيين لكأس العالم، ولعب أجمل كرة عرفها التاريخ، مستحيل أن يكون مكونًا
من رجل واحد فقط!
هي المعضلة نفسها لمنتخب الارجنتين
86، ماردونا الافضل ولكن لم يكن يلعب وحيداً مع 10 خشبات، كان منتخب هولندا السبعينات
مليئاً بنجوم حقيقيين رود كرول، جوني ريب، روب رينسينبرينك، ويلي فان دي كيرخوف، كل
واحد منهم كان سيكون نجم أي منتخب آخر في العالم، لكنهم وقفوا في ظل يوهان كرويف.
وإذا سألت، هل
تعلم من سجل أسرع هدف في نهائي كأس العالم؟
ليس مارادونا ولا بيليه ولا مولر
أو روسي، إنه يوهان نيسكنز، بعد 90 ثانية فقط من بداية نهائي 1974، ومن أول
هجمة في المباراة، سجل هدفًا دون أن يلمس أي لاعب ألماني الكرة!
ورغم ذلك، عندما يتذكر الناس ذلك الجيل،
لا يتذكرون صاحب الهدف.
وهنا تبدأ حكاية "أسطورة الظل"
من هيمستيد إلى نهائيين كأس العالم
وُلد يوهان في 15 سبتمبر 1951 في هيمستيد، مدينة هولندية هادئة
لا يعرفها كثيرون خارج البلاد، بداياته لم تكن مع كرة القدم أصلاً، كان نيسكنز في تجربة
مدتها ثلاثة أشهر مع فريق شيكاغو كابس للبيسبول، يحلم بأن يصبح لاعباً محترفاً في الرياضة
الأمريكية، لكن ذلك الحلم لم يدم طويلًا، إذ أدرك أن مكانه الحقيقي كان على المستطيل
الأخضر.
بدأ مسيرته الكروية مع نادي رايسينغ كلوب هيمستيد عام 1968،
وهناك لفت أنظار المدرب الأسطوري رينوس ميتشلز، الذي رأى فيه لاعبًا يملك طاقة لا تنضب
وشخصية تناسب مشروع أياكس الجديد، لم يتردد ميتشلز في ضمه إلى النادي الذي كان يستعد
لكتابة فصل جديد في تاريخ كرة القدم.
في أياكس، لم يحتج نيسكنز إلى سنوات طويلة ليثبت نفسه، بدأ كظهير
أيمن، ثم تحوّل إلى لاعب وسط شامل يستطيع الدفاع والهجوم والضغط وصناعة اللعب في الوقت
نفسه ، كان أحد الأعمدة الرئيسية للفريق الذي سيطر على أوروبا، فحقق ثلاثة ألقاب متتالية
في كأس أوروبا، إلى جانب لقبين في الدوري الهولندي، وكأس هولندا مرتين، وكأس السوبر
الأوروبي، بينما كان لا يزال في الحادية والعشرين من عمره.
وبعد مونديال 1974 مباشرة، سار على خطى كرويف ورينوس ميتشلز
وانتقل إلى برشلونة، هناك استقبله الإعلام الكتالوني بلقب "يوهان سيغون"
اي يوهان الثاني، اللقب قال كل شيء ليس نيسكنز ليس النجم الجديد بل "الثاني"!
لكنه لم يسمح لهذا اللقب أن يختصر شخصيته، سرعان ما كسب احترام
جماهير كامب نو، ليس فقط بأدائه القتالي داخل الملعب، بل أيضًا بقربه من المدينة وسكانها؛
تعلّم اللغة الإسبانية بسرعة، واندمج في الحياة الكتالونية حتى قيل إنه أصبح أكثر انسجامًا
مع المجتمع من كرويف نفسه.
على الملعب، كان نيسكنز العمود الفقري الذي يسمح لبرشلونة بالهجوم
بحرية، في مشواره مع برشلونة الممتد لخمس سنوات، خاض حوالي 183 مباراة، لم تكن سنوات
سهلة على الفريق، الذي كان يحاول بناء هويته في مرحلة انتقالية صعبة لكن نيسكنز بقي،
وقاتل، وأعطى وأسهم
في التتويج بكأس ملك إسبانيا عام 1978، ثم قاد الفريق للفوز بكأس الكؤوس الأوروبية
عام 1979.
وفي نهاية عام 1979، قرر خوض تجربة مختلفة تمامًا، فانتقل
إلى نيويورك كوزموس في الولايات المتحدة، حيث لعب إلى جانب عدد من أساطير اللعبة،
قبل أن يواصل مسيرته في عدة أندية بسويسرا وهولندا، ويعتزل كرة القدم عام 1991،
تاركًا وراءه مسيرة امتلأت بالألقاب والإنجازات، لكنها بقيت، كما كانت دائمًا، في
ظل اسم أكبر منه شهرة.
كأس العالم | البطولة التي ظلمت
نيسكنز مرتين
مونديال 1974 | الهولنديون يهزّون العالم
إذا كان يوهان كرويف هو وجه الكرة الشاملة، فإن يوهان نيسكنز
كان قلبها النابض.
في مونديال
1974 لم يكن مجرد لاعب وسط يركض خلف الكرة، بل كان المحرك الذي يجعل المنظومة كلها
تعمل، يضغط في نصف ملعب الخصم، يعود لاستخلاص الكرة، يبدأ الهجمة، ثم ينهيها بنفسه،
قليلون في تاريخ كأس العالم جمعوا بين هذا الكم من الواجبات داخل مباراة واحدة.
أنهى نيسكنز البطولة بخمسة أهداف، ليحتل المركز الثاني في ترتيب
الهدافين خلف البولندي لاتو، وسجل أهدافًا حاسمة أمام بلغاريا، والأرجنتين، وألمانيا
الشرقية، ثم أطلق رصاصة الرحمة على البرازيل في الدور الثاني بهدف رائع أكد تأهل هولندا
إلى النهائي، وفي المباراة النهائية، دخل التاريخ بعدما سجل من ركلة جزاء بعد أقل من
دقيقتين، ليصبح صاحب أسرع هدف في تاريخ نهائيات كأس العالم.
7 مباريات، 5 أهداف، وفريق أبهر العالم وصل
إلى النهائي، لكن الكأس ذهبت إلى ألمانيا، والكرة الذهبية ذهبت إلى كرويف، والحذاء الذهبي ذهب إلى لاتو،
وذهب نيسكنز إلى البيت بالحذاء الفضي وذكريات مونديال لن يتكرر.
مونديال 1978 | حين حمل نيسكنز هولندا وحده
حين أعلن كرويف انسحابه من مونديال 1978، ظنّ الجميع أن هولندا
ستنهار، الصحفيون كتبوا أن هولندا بدون كروف كالجسد بلا روح، والعالم الكروي رأى الأمر
محسوماً: هولندا ستخرج مبكراً!!
نيسكنز حمل وسط الملعب بخبرته وشخصيته، كان اللاعب الذي يربط
الدفاع بالهجوم، ويمنح زملاءه الحرية للتقدم، ويقود إيقاع المباراة من الدقيقة الأولى
حتى الأخيرة، كانت هولندا قد فقدت نجمها الأكبر، لكنها لم تفقد روحها، لأن نيسكنز كان
لا يزال يقاتل في كل متر من الملعب.
في المباراة الثالثة من دور المجموعات الاول أمام أسكتلندا، تعرّض لأصابة وخرج من
الملعب بعد 10 دقائق فقط، وخسرت هولندا 3-2 لكنها تأهلت الي الدور الثاني وخسرت
نيسكنز لمباراتين!
في دور المجموعات الثاني فازت أمام النمسا بخماسية وتعادلت
مع المانيا 2-2، قبل أن يعود أمام أيطاليا ويساهم في فوز الفريق 2-1 ليصعد الي
المباراة النهائية الثانية علي التوالي!
في المباراة النهائية أمام الارجنتين، سجّل كيمبس هدف التقدم
للأرجنتين في الدقيقة 38، وظلت المباراة معلّقة على هذه النتيجة لوقت طويل، الوقت ينفد،
والجمهور الأرجنتيني في مدرجات يحتفل، واثقاً أن الكأس الاولي باتت في طريقها إلى بوينس
آيريس.
لكن هولندا لم تستسلم، في الدقيقة 82، سجّل نانينجا هدف التعادل
بضربة رأسية، ليعيد الأمل، لكن في الوقت الإضافي، انهارت المقاومة، سجّلت الأرجنتين
مرتين متتاليتين، وانتهت القصة 3-1.
وعادت هولندا من الأرجنتين بلا كأس، للمرة الثانية على التوالي.
وعاد نيسكنز إلى بيته حاملاً شيئاً لا تمنحه الكؤوس: اليقين
التام بأنه فعل كل ما بوسعه، في مونديالَين، في أعلى المستويات، في أصعب الظروف، حتى
حين غاب أعظم لاعب في تاريخ بلاده، لكن التاريخ، كما اعتاد دائماً مع نيسكنز، كان يتحدث
عن شخص آخر!
الخاتمة | رحل الظل… وبقي الرقم
في 6 أكتوبر 2024، رحل يوهان نيسكنز عن عمر ثلاثة وسبعين عاماً،
إثر أزمة قلبية خلال زيارة له في الجزائر ضمن مشروع تدريبي تابع للاتحاد الهولندي،
حتى في آخر أيامه، كان لا يزال يعمل، يُدرّب، يُعطي، رحل بهدوء، تماماً كما عاش طوال
مسيرته.
لم تتصدّر وفاته العناوين الكبرى في الصحف العالمية، لم تُوقف
المباريات دقيقة حداد عالمية، لم تخصّص القنوات الرياضية أسابيع لتغطية الخبر كما يحدث
مع رحيل الأساطير.
لكن في مكان ما، بعيداً عن صخب العناوين، لا يزال اسمه مسجّلاً
إلى الأبد في كتب التاريخ الكروي، بجانب رقم لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه منذ خمسين
عاماً كاملة.
أسرع هدف في تاريخ نهائيات كأس العالم
هولندا لم تفز بكأس العالم قط، رغم أنها قدّمت أجمل كرة قدم
عرفها ذلك العقد، ونيسكنز لم ينل الاعتراف الذي يستحقه قط، رغم أنه كان الخيط الذي
ربط كل شيء في فريقَين وصلا إلى نهائيَين متتاليَين، لكن الأرقام لا تكذب، والتاريخ،
مهما تأخر، لا يمحو، وفي أساطير الظل، نؤمن أن بعض الأضواء المسروقة تستحق أن تُعاد،
ولو بعد عقود طويلة من الصمت.
.png)